منتديات كنوز النت الإسلامية

كنوز النت الإسلامية لنشر علوم الدنيا والدين
 
الرئيسيةبوابة كنوز النتمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 3:57 pm

تفسير سورة الملك
| الآية الأولى
سورة الملك
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)
** أما تسمية السورة:
قال بن عاشور:
1 - سماها النبي صلى الله عليه و سلم ( سورة تبارك الذي بيده الملك ) في حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفرت له وهي ( سورة تبارك الذي بيده الملك ).
فهذا تسمية للسورة بأول جملة وقعت فيها فتكون تسمية بجملة كما سمي ثابت بن جابر " تأبط شرا " .
2 - وسميت أيضا ( تبارك الملك ) بمجموع الكلمتين في عهد النبي صلى الله عليه و سلم وبسمع منه فيما رواه الترمذي عن ابن عباس " أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال له ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا فيه إنسان " أي دفين فيه " يقرأ سورة ( تبارك الملك ) حتى ختمها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر " حديث حسن غريب (قلت: قال الألباني : ضعيف ، و إنما يصح منه قوله : " هي المانعة .....").
يكون اسم السورة مجموع هذين اللفظين على طريقة عد الكلمات في اللفظ دون إضافة إحداهما إلى الأخرى مثل تسمية " لام ألف " . ونظيره أسماء السور بالأحرف المقطعة التي في أولها على بعض الأقوال في المراد منها وعليه فيحكى لفظ ( تبارك ) بصيغة الماضي ويحكى لفظ ( الملك ) مرفوعا كما هو في الآية فيكون لفظ " سورة " مضافا من إضافة المسمى إلى الاسم . لأن المقصود تعريف السورة بهاتين الكلمتين على حكاية اللفظين الواقعين في أولها مع اختصار ما بين الكلمتين وذلك قصدا للفرق بينهما وبين " تبارك الفرقان " . كما قالوا : عبيد الله الرقيات بإضافة مجموع " عبيد الله " إلى " الرقيات " تمييزا لعبيد الله بن قيس العامري الشاعر عن غيره ممن يشبه اسمه اسمه مثل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أو لمجرد اشتهاره بالتشبيه في نساء كان اسم كل واحدة منهن رقية وهن ثلاث . ولذلك يجب أن يكون لفظ ( تبارك ) في هذا المركب مفتوح الآخر . ولفظ ( الملك ) مضموم الكاف . وكذلك وقع ضبطه في نسخة جامع الترمذي وكلتاهما حركة حكاية.
3 - والشائع في كتب السنة وكتب التفسير وفي أكثر المصاحف تسمية هذه السورة سورة الملك وكذلك ترجمها الترمذي : باب ما جاء في فضل سورة الملك . وكذلك عنونها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه
4 - وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال " كنا نسميها على عهد رسول الله المانعة " (قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات) أي أخذا من وصف النبي صلى الله عليه و سلم إياها بأنها المانعة المنجية كما في حديث الترمذي المذكور آنفا وليس بالصريح في التسمية .
5 - وفي الإتقان عن تاريخ ابن عساكر من حديث " أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سماها المنجية " ولعل ذلك من وصفه إياها بالمنجية في حديث الترمذي وليس أيضا بالصريح في أنه اسم
6/7- وفي الإتقان عن كتاب جمال القراء تسمى أيضا " الواقية " وتسمى " المناعة " بصيغة المبالغة .
8 - وذكر الفخر : أن ابن عباس كان يسميها " المجادلة " لأنها تجادل عن قارئها عند سؤال الملكين .
قلت : فصح من أسماء السورة "تبارك الذى بيده الملك"،الملك،المانعة.

** أخرج ابن الضريس والبخاري وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت بمكة تبارك الملك .
وأخرج ابن جرير في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أنزلت تبارك الملك في أهل مكة إلا ثلاث آيات.
قلت : و المختار أن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
قال بن عاشور:وهي مكية قال ابن عطية والقرطبي : باتفاق الجميع فيحتمل أن الضحاك عنى استثناء ثلاث آيات نزلت في المدينة وهذا الاحتمال هو الذي يقتضيه إخراج صاحب الإتقان هذا النقل في عداد السور المختلف في بعض آياتها ويحتمل أن يريد أن ثلاث آيات منها غير مخاطب بها أهل مكة – قلت :يعنى أنزلت في شأن أقوام غير أهل مكة و لو كانت أحكامها عامة - وعلى كلا الاحتمالين فهو لم يعين هذه الآيات الثلاث وليس في آيات السورة ثلاث آيات لا تتعلق بالمشركين خاصة بل نجد الخمس الآيات الأوائل يجوز أن يكون القصد منها الفريقين من أول السورة إلى قوله ( عذاب السعير )
وقال في الإتقان أيضا " فيها قول غريب " لم يعزه " أن جميع السورة مدني " .
وهي السادسة والسبعون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة المؤمنين وقبل سورة الحاقة وآيها في عد أهل الحجاز إحدى وثلاثون وفي عد غيرهم ثلاثون.

*** ما ورد في فضل السورة:
أ – الصحيح و الحسن:
1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك "حسنه الألباني.
حديث "إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له و هي : { تبارك الذي بيده الملك }" .
تحقيق الألباني:(‏حسن‏)‏ .
قلت (ف):هذا الحديث مداره على عباس الجشمي و لم يوثقه سوى بن حبان و نقل بن حجر في التلخيص أن البخاري أعله في التاريخ الكبير بأن عباس الجشمي لا يعرف سماعه من أبي هريرة ولكن ذكره ابن حبان في الثقات وله شاهد من حديث ثابت عن أنس رواه الطبراني في الكبير بإسناد صحيح و هو و الحديث التالي و فيه سليمان بن داود بن يحيى الطبيب البصري لم أجد فيه جرحا و لا تعديلا إلا مقالة بن حجر عن إسناده و لم أجد إعلال البخاري للحديث في التاريخ الكبير المطبوع .
و الحديث التالي قال فيه الطبراني لم يروه عن ثابت البناني إلا سلام.
و الحديث حسنه الترمذي و الألباني و الضياء المقدسي وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي و قال الهيثمي في الحديث التالي رجاله رجال الصحيح.
2 - وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " سورة من القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة تبارك الذي بيده الملك " حسنه الألباني و قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
3 – و في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى يغفر له تبارك الذي بيده الملك .حسنه الألباني قلت :هو نفس مخرج الحديث الأول.
4 - وأخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا هو بإنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر " .
تحقيق الألباني : ضعيف ، و إنما يصح منه قوله : " هي المانعة ..... " .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر " ذكره الألباني في الصحيحة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال : كنا نسميها في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم المانعة وإنها لفي كتاب الله سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب
5 - وأخرج ابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : يؤتى الرجل في قبره فيؤتى من قبل رجليه فتقول رجلاه : ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقوم علينا بسورة الملك ثم يؤتى من قبل صدره فيقول : ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان وعى في سورة الملك ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول : ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقرأ بي سورة الملك فهي المانعة تمنع من عذاب القبر وهي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب .
قال الهيثمى: رواه الطبراني وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف ، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قلت: مرتبته عند ابن حجر : صدوق له أوهام ، حجة فى القراءة ومرتبته عند الذهبـي : وثق ، و قال الدارقطنى : فى حفظه شىء.
6 - و في المعجم الكبير حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق أنا معمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : مات رجل فجاءته ملائكة العذاب فجلسوا عند رأسه فقال : لا سبيل لكم إليه قد كان يقرأ سورة الملك فجلسوا عند رجليه فقالل : لا سبيل لكم إليه قد كان يقوم علينا بسورة الملك فجلسوا عند بطنه فقال : لا سبيل لكم انه قد وعي في سورة الملك فسميت المانعة.
قلت :اسناده جيد.
7 – حديث " كان لا ينام حتى يقرأ *( ألم , تنزيل )* السجدة و *( تبارك الذي بيده الملك )* " .
قال الألباني : صحيح .
و ملخص ما سبق ستة فوائد:
أنها تشفع لصاحبها حتى يغفر له (و ذلك يعنى أن أثرها متعدى عن مجرد المنع من التعذيب في القبر إلى الشفاعة) .
و شفعت لرجل حتى غفر له.
و خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنه.
و هى المانعة من عذاب القبر (و يمكن أن يضاف أن ذلك لمن كان يقرأها و يقوم بها لدلالة باقي الأحاديث).
من قرأها في ليله فقد أكثر و أطيب .
و كان النبي صلى الله عليه و سلم لا ينام حتى يقرأها و سورة السجدة.
ب – الضعيف:
1 - وأخرج عبد بن حميد في مسنده واللفظ له والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل : ألا أتحفك بحديث تفرح به ؟ قال : بلى قال اقرأ تبارك الذي بيده الملك وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار وينجو بها صاحبها من عذاب القبر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي " قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه إبراهيم بن الحكم بن أبان وهو ضعيف.
2 – حديث"وددت أن { تبارك الذي بيده الملك } في قلب كل مؤمن" .
تحقيق الألباني:‏(‏ضعيف جدا‏)‏ .
3 - وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن رجلا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها : إنك من كتاب الله وأنا أكره شقاقك وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضرا ولا نفعا فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب فاشفعي له فانطلقت إلى الرب فتقول : يا رب إن فلانا عمد إلي من بين كتابك فتعلمني وتلاني أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه ؟ فإن كنت فاعلا به فامحني من كتابك فيقول : ألا أراك غضبت فتقول : وحق لي أن أغضب فيقول : اذهبي فقد وهبته لك وشفعتك فيه فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه فتقول : مرحبا بهذا الفم فربما تلاني وتقول : مرحبا بهذا الصدر فربما وعاني ومرحبا بهاتين القدمين فربما قامتا بي وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه " فلما حدث رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها وسماها رسول الله صلى الله عليه و سلم المنجية .
4 - وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إني لأجد في كتاب الله سورة هي ثلاثون آية من قرأها عند نومه كتب له منها ثلاثون حسنة ومحي عنه ثلاثون سيئة ورفع له ثلاثون درجة وبعث الله إليه ملكا من الملائكة ليبسط عليه جناحه ويحفظه من كل شيء حتى يستيقظ وهي المجادلة تجادل عن صاحبها في القبر وهي تبارك الذي بيده الملك ".
5 - وأخرج الديلمي بسند واه عن أنس رضي الله عنه رفعه " لقد رأيت عجبا رأيت رجلا مات كان كثير الذنوب مسرفا على نفسه فكلما توجه إليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه أقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب أنه كان يحافظ علي وقد وعدني ربي أنه من واظب علي أن لا يعذبه فانصرف عنه العذاب بها وكان المهاجرون والأنصار يتعلمونها ويقولون : " المغبون من لم يتعلمها وهي سورة الملك "
6 - أمرني جبريل أن لا أنام إلا على قراءة { حم } السجدة و { تبارك الذي بيده الملك } .
ضعفه الألباني في ضعيف الجامع‏.‏
7 - وأخرج عبد الرزاق في المصنف: عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرت عن بن مسعود قال كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة و سبح اسم ربك الأعلى وفي صلاة الصبح يم الجمعة الم تنزيل و تبارك الذي بيده الملك.
قلت :السند غير متصل.
8 - عبد الرزاق عن معمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير أقال أمر النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه أن يقرؤا الم السجدة وتبارك الذي بيده الملك فإنهما تعدل كل آية منهما سبعين آية من غيرهما ومن قرأهما بعد العشاء الآخرة كانتا له مثلهما في ليلة القدر.
قلت: و يحي بن أبي كثير ثقة ثبت لكنه يدلس و يرسل.
ج – ما لم أقف علي أسناده أو تحقيقه أو فيما سبق غنى عنه:
1 - وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " أنزلت علي سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة " وقال : " هي المانعة في القبور وإن قراءة قل هو الله أحد في صلاة تعدل قراءة ثلث القرآن وإن قراءة قل يا أيها الكافرون في صلاة تعدل ربع القرآن وإن قراءة إذا زلزلت في صلاة تعدل نصف القرآن "
2 - وأخرج أبو عبيد والبيهقي في الدلائل من طريق مرة عن ابن مسعود قال : إن الميت إذا مات أو قدت حوله نيران فتأكل كل نار يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها وإن رجلا مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فأتته من قبل رأسه فقالت : إنه كان يقرؤني فأتته من قبل رجليه فقالت : إنه كان يقوم بي فأتته من قبل جوفه فقالت : إنه كان وعاني فأنجته .
قال : فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك
وأخرجه الدارمي وابن الضريس عن مرة مرسلا
3 - وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن مرة قال : كان يقال : إن في القرآن سورة تجادل عن صاحبها في القبر تكون ثلاثين آية فنظروا فوجدوها تبارك .
4 - وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا قال : يبعث رجل يوم القيامة لم يترك شيئا من المعاصي إلا ركبها إلا أنه كان يوحد الله ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة واحدة فيؤمر به إلى النار فطار من جوفه شيء كالشهاب فقالت : اللهم إني مما أنزلت على نبيك صلى الله عليه و سلم وكان عبدك هذا يقرؤني فما زالت تشفع حتى أدخلته الجنة وهي المنجية تبارك الذي بيده الملك .
5 - وأخرج ابن الضريس عن مرة الهمذاني قال : أتى رجل من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل عنه حتى منعته من عذاب القبر فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك .
و عن ابن مسعود قال: "توفي رجل فأتي من جوانب قبره، فجعلت سورة من القرآن تجادل عنه
6 - وأخرج أبن مردويه من طريق أبي الصباح عن عبد العزيز عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " دخل رجل الجنة بشفاعة سورة من القرآن وما هي إلا ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر تبارك الذي بيده الملك "
7 - وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك كل ليلة لا يدعها في سفر ولا حضر.

*** أخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه مرفوعا " كلمات من قالهن عن وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير
و في جامع الأحاديث عن عبد الله بن جعفر قال : قال لى على يا ابن أخى إنى معلمك كلمات سمعتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، من قالهن عند وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات ، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات ، تبارك الذى بيده الملك يحيى ويميت وهو على كل شىء قدير.قال: (الخرائطى فى مكارم الأخلاق وسنده حسن) .
و تحقيق الألباني ‏(‏ضعيف‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 4264 في ضعيف الجامع ما بين قوسين ضعيف عند الألباني‏.‏
قلت : و هذا السند الذى ساقه به الخرائطي: حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي(قال ابن عديّ: أحاديثه مستقيمة سوى حديث الغار. حدَّث به عن الهيثم بن جميل، عن مبارك، عن الحسن، عن أنس، فكذّبه فيه النّاس وقال الخطيب: كذا روى حديث الغار عن الهيثم جماعة. وإبراهيم عندناثقة ثبت وقال الدَّارقطنيّ: ثقة ) ، حدثنا أبي(لم أعرفه) ، حدثنا المعافى بن عمران (قال بن حجر: ثقة عابد فقيه) حدثنا سليمان بن أبي داود(قال أبو حاتم :ضعيف جدا و قال أبو زرعة:لين الحديث) ، حدثنا خصيف ، وسالم ، وعبد الكريم ، هذا الحديث ، ثم سمعته من بديح فكان أقعدهم فيه رواية ، وأثبتهم بديح قال : « كان عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما يحدثنا قال : فأقبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه من سفر ، فلقيناه غلمة من بني عبد المطلب ، فينا الحسن والحسين رضي الله عنهما ، فلما دفعنا إليه تناولني ، فضمني إليه ، فقال لي : يا ابن أخي ، إني معلمك كلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من قالهن عند وفاته دخل الجنة : لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات ، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات ، تبارك الذي بيده الملك ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير » .

*** قال بن عاشور:
أغراض السورة
والأغراض التي في هذه السورة جارية على سنن الأغراض في السور المكية ابتدأت بتعريف المؤمنين معاني من العلم بعظمة الله تعالى وتفرده بالملك الحق ؛ والنظر في إتقان صنعه الدال على تفرده بالإلهية فبذلك يكون في تلك الآيات حظ لعظة المشركين
صلى الله عليه و سلم عليه الصلاة و السلام ومن ذلك التذكير بأنه أقام نظام الموت والحياة لتظهر في الحالين مجاري أعمال العباد في ميادين السبق إلى أحسن الأعمال ونتائج مجاريها وأنه الذي يجازي عليها وانفراده بخلق العوالم خلقا بالغا غاية الإتقان فيما تراد له
وأتبعه بالأمر بالنظر في ذلك وبالإرشاد إلى دلائله الإجمالية وتلك دلائل على انفراده بالإلهية وتخلصا من ذلك إلى تحذير الناس من كيد الشياطين والارتباق معهم في ربقة عذاب جهنم وأن في اتباع الرسول صلى الله عليه و سلم نجاة من ذلك وفي تكذيبه الخسران وتنبيه المعاندين للرسول صلى الله عليه و سلم إلى علم الله بما يحوكونه للرسول ظاهرا وخفية بأن علم الله محيط بمخلوقاته والتذكير بمنة خلق العالم الأرضي ودقة نظامه وملاءمته لحياة الناس وفيها سعيهم ومنها رزقهم والموعظة بأن الله قادر على إفساد ذلك النظام فيصبح الناس في كرب وعناء يتذكروا قيمة النعم بتصور زوالها وضرب لهم مثلا في لطفه تعالى بهم بلطفه بالطير في طيرانها
وأيسهم من التوكل على نصرة الأصنام أو على أن ترزقهم رزقا وفظع لهم حالة الضلال التي ورطوا أنفسهم فيها ثم وبخ المشركين على كفرهم نعمة الله تعالى وعلى وقاحتهم في الاستخفاف بوعيده وأنه وشيك الوقوع بهم ووبخهم على استعجالهم موت النبي صلى الله عليه و سلم ليستريحوا من دعوته وأوعدهم بأنهم سيعلمون ضلالهم حين لا ينفعهم العلم وأنذرهم بما قد يحل بهم من قحط وغيره .

*** افتتحت السورة بما يدل على منتهى كمال الله تعالى افتتاحا يؤذن بأن ما حوته يحوم حول تنزيه الله تعالى عن النقص الذي افتراه المشركون لما نسبوا إليه شركاء في الربوبية والتصرف معه والتعطيل لبعض مراده ففي هذا الافتتاح براعة الاستهلال.

*** { تبارك } :
1 – قال أبو حيان: أي تعالى وتعاظم.
2 –قال الزجاج : تبارك : تفاعل من البركة كذلك يقول أهل اللغة ، قال الرازي: والبركة كثرة الخير وزيادته وفيه معنيان :
أحدهما : تزايد خيره وتكاثر ، وهو المراد من قوله : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] .
والثاني : تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في ذاته وصفاته وأفعاله ، وهو المراد من قوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } [ الشورى : 11 ] .
قال بن عاشور: وفعل ( تبارك ) يدل على المبالغة في وفرة الخير وهو في مقام الثناء يقتضي العموم بالقرينة أي يفيد أن كل وفرة من الكمال ثابتة لله تعالى بحيث لا يتخلف نوع منها عن أن يكون صفة له تعالى .
وصيغة تفاعل إذا أسندت إلى واحد تدل على تكلف فعل ما اشتقت منه نحو تطاول وتغابن وترد كناية عن قوة الفعل وشدته مثل : تواصل الحبل وهو مشتق من البركة وهي زيادة الخير ووفرته وتقدمت .
3 - وقال آخرون : أصل الكلمة تدل على البقاء ، وهو مأخوذ من بروك البعير ، ومن بروك الطير على الماء ، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى باق في ذاته أزلاً وأبداً ممتنع التغير وباق في صفاته ممتنع التبدل ، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح والمبقى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك وتعالى .
4 – قال بن منظور في لسان العرب: البَرَكة النَّماء والزيادة .
وقال الفراء في قوله رحمة الله وبركاته عليكم قال البركات السعادة .
وفي حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبارِكْ على محمد وعلى آل محمد أي أَثْبِتْ له وأدم ما أعطيته من التشريف والكرامة
وهو من بَرَكَ البعير إذا أناخ في موضع فلزمه وتطلق البَرَكَةُ أيضاً على الزيادة والأَصلُ الأَولُ.
وتَبَارك الله أي بارك الله مثل قاتَلَ وتَقاتَلَ إلا أن فاعلَ يتعدى وتفاعلَ لا يتعدى .
قال الأَزهري معنى بَرَكة الله عُلُوُّه على كل شيء .
وتباركَ الله تقدَّس وتنزه وتعالى وتعاظم لا تكون هذه الصفة لغيره أي تطَهَّرَ والقُدْس الطهر.
وسئل أبو العباس عن تفسير تبارَكَ اللهُ فقال ارتفع والمُتبارِكُ المرتفع .
وروى ابن عباس ومعنى البَرَكة الكثرة في كل خير وقال في موضع آخر تَبارَكَ تعالى وتعاظم .
وقال ابن الأَنباري تبارَكَ الله أي يُتَبَرَّكُ باسمه في كل أمر.
وقال الليث في تفسير تبارَكَ الله تمجيد وتعظيم وتبارَكَ بالشيء تَفاءَل به.
قال الزجاج في قوله تعالى وهذا كتاب أنزلناهُ مبارك قال المبارك ما يأتي من قِبَله الخير الكثير وهو من نعت كتاب ومن قال أنزلناه مباركاً جاز في غير القراءة
و قال اللحياني بارَكْتُ على التجارة وغيرها أي واظبت عليها .اه بتصرف

** قلت: فكما ذكر بن عاشور هنا أن صيغة تفاعل ترد على وجهين أولهما:تكلف الفعل الذى اشتقت منه و الثاني و هو المقصود و الله أعلم هو ورودها كناية عن شدة الفعل و قوته و هو المقصود هنا.
و البركة :الزيادة و النماء و الكثرة في كل خير و زيادة الخير ووفرته.
و هنا يرد لها الوجهان:
الأول: فإذا كانت في حق الله فتكون بمعنى تقدس و تعاظم و تنزه عن كل سوء و اكتمل فيه سبحانه كل فضل و علا عن كل شيء في ذاته و صفاته و أفعاله .
الثاني: في حق الخلق فهو الذى فاض خيره و عم فكل خير من فضله و جوده و كل إحسان من رحمته و هكذا.

*** قال بن عاشور: وهذا الكلام يجوز أن يكون مرادا به مجرد الإخبار عن عظمة الله تعالى وكماله ويجوز أن يكون مع ذلك إنشاء ثناء على الله أثناه على نفسه وتعليما للناس كيف يثنون على الله ويحمدونه كما في ( الحمد لله رب العالمين ) : إما على وجه الكناية بالجملة عن إنشاء الثناء وإما باستعمال الصيغة المشتركة بين الإخبار والإنشاء في معنييها ولو صيغ بغير هذا الأسلوب لما احتمل هذين المعنيين .

*** و كل خير في الدنيا إنما هو من الله و الإنسان - وهو مخلوق من أعداد لا يحصيها إلا الله من المخلوقات - إن يعد نعمة الله لا يحصيها فهو كله نعم سمعه نعمه و بصره نعمه و جسده نعمه و روحه نعمه و رزقه نعمه و كل ثانية من الثواني يتجدد عليه من نعم الله ما لا يحصيه و لا يعلمه و لو فقد نعمه من هذه النعم فقط واحده لتوجع و استغاث و ربما سخط و ساء ظنه و المسكين لا ينتبه إلى باقي النعم التى لا تحصر و أن شر الدنيا ليس بشر على الحقيقة إنما هو ابتلاء ليستخرج الله به ما في النفوس و أن الله لا يبتليه ليهينه و لا ليعذبه إنما هو اختبار فراسب و ناجح و نسأل الله العافية و دوامها و تمامها و الحمد و الشكر عليها و نسأل الله من كل خير خزائنه بيد و نعوذ به من كل شر خزائنه بيده.
فالإنسان عبارة عن كتلة مجسده من النعم الإلهية وجوده نعمة حياته نعمة صحته نعمة ماله نعمه و هكذا بل كل ما في الكون من خير على وفرته و ككثرته و عظمته و نحن لا ندرك من الكون إلا القليل إنما هو من الله .
و تأمل في خلق الله الإنسان على هذه الكيفية من الطمع لو له واديان من ذهب لتمنى لهم ثالثا، خلقه الله على هذه الكيفية لا ليعطية ما يريد بل ليعطيه فوق ما يريد و لم يخطر له بباله قط لتعلم أن الله عظيم الكرم و الإحسان.

*** "بيده الملك":
و هنا لطيفتان:
الأولى:أن تقديم المسند وهو ( بيده ) على المسند إليه لإفادة الاختصاص أي الملك بيده لا بيد غيره وهو قصر مبني على عدم الاعتداد بملك غيره ولا بما يتراءى من إعطاء الخلفاء والملوك الاصقاع للأمراء والسلاطين وولاة العهد لأن كل ذلك ملك غير تام لأنه لا يعم المملوكات كلها ولأنه معرض للزوال وملك الله هو الملك الحقيقي قال ( فتعالى الله الملك الحق ) فالناس يتوهمون أمثال ذلك ملكا وليس كما يتوهمون .
الثانية : أن التعريف في ( الملك ) على هذا الوجه تعريف الجنس الذي يشمل جميع أفراد الجنس وهو الاستغراق فما يوجد من أفراده فرد إلا وهو مما في قدرة الله فهو يعطيه وهو يمنعه .

*** قال بن عاشور:والملك بضم الميم : اسم لأكمل أحوال الملك بكسر الميم والملك بالكسر جنس للملك بالضم وفسر الملك المضموم بضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم وهو تفسير قاصر وأرى أن يفسر بأنه تصرف في طائفة من الناس ووطنهم تصرفا كاملا بتدبير ورعاية فكل ملك " بالضم " ملك " بالكسر " وليس كل ملك ملكا .

*** فالله سبحانه له كمال الملك أختص به وحده كل ما في الكون مِلكه و خاضعة لأمره و مُلكه ليس لأحد دونه ذرة من مُلك أو مِلك حقيقي و كل ملك في الدنيا مجازى فكلها عواري مستعارة توشك أن تفارق أصحابها إلى غيرهم لتتم الفتنة و الابتلاء في الدنيا و ما دام الملك لأحد في الدنيا و لو ثبت لمن قبلنا لما وصل إلينا و لو صدق ظن الأمم المتجبرة التي قهرت الخلق في وقت ما أنه لا يزول ملكها
لما رأينا تحول الملك من أمة لأمة أبدا.
و الحق أن الله سبحانه منفرد بملك السموات و الأرض و من فيهن و ما سوى ذلك لا شريك له و لا معين و لا نظير و لا كفء و
يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء و يعز من يشاء و يذل من يشاء لا راد لأمره و لا معقب لحكمه أمره متحقق و قهره نافذ و البشر في دنياهم يبتلون بصور الملك – و هم على الحقيقة لا يملكون ذرة فما دونها بل حتى لا يملكون أنفسهم و لا يملكون لأنفسهم شيء- ليستخرج الله بها ما في النفوس و كل يسطر في صحيفته ما سيلقى به ربه - فاللهم غفرا- فهذا متكبر و ذاك جبار و أخر محارب لله و رسله و غيرهم .
الله الملك له الحكم الكوني النافذ فإذا أراد شيئا يقول له كن فيكون مهما كان و مهما بلغ لا يعجزه شيء و لا يتعاظمه شيء يمهل العباد رحمة و حكمة و يبتلى أحدهم بالضراء ليرى سبحانه عمله و يبتلى أحدهم بالملك و السلطان ليرى عمله فذاك مبتلى و ذاك مبتلى و هم عند الله سواء أكرمهم عليه أتقاهم و رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره و هو عند الله خير من ملء الأرض من المتكبرين و المتجبرين.
من أكرم يوسف أم الملك ؟موسي أم فرعون؟ هود و صالح و لوط أم الملأ من قومهم؟ الإجابة التي لا ريب فيها أنهم خير من ملء الأرض من أمثال هؤلاء .
فالله هو الذي أعطى كل إنسان رزقه و هو سبحانه قادر على نزعه في أي لحظة فكيف يتكبر أحد على ربه و بماذا أيتكبر بالعارية المسترده من ربه التى لا يأمن زوالها؟ أيتكبر على الخلق بما أعطاه الله منه و فضلا أو ابتلاء و حكمه و هو لا يعرف مصيره في أى لحظه فضلا عن مصير ما في يديه.
و الله له الحكم و الأمر الشرعي النافذ فهو المستحق لأن يطاع هو الملك على الحقيقة خلق و دبر و رزق و عدل و رحم فمن أولي منه بالطاعة و الأنقياد و تمام الحب و الخضوع فمن نازعه أمر فقد نازعه ربوبيته.
و الله يمكن للأمة العادلة و لو كافرة و ينزع الملك من الظالمة و لو مسلمة و الله له في شأنه تدبير و تصريف على أتم الحكمة و الرحمة و هو أعلم سبحانه و الأمة الظالمة و لو مسلمة فتنة للناس في دينها وعذاب لها في دنياها.
و هل أفسد الدين إلا الملوك و أحبار سوء و رهبانها
و الله سبحانه لا يتصرف في ملكة إلا بتمام الحمد و الخلق يحاسبون بمثاقيل الذر إلا ما عفا الله "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره" فالحكمة تامة و الرحمة تامة فلا تظنن أبدا أن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار و لا تظنن الله يظلم أحدا و لا يغبن أحدا فالله أعظم و أكرم من ذلك و الخير و الشر في الدنيا مجاز إنما الخير و الشر في الآخرة .
أين ملك الملوك و أين قهرهم و جنودهم و أنصارهم و عبادهم أين ذهبوا هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا
أين فرعون و زبانيته؟ و أين النمرود و حاشيته .و أين الجنود ؟ فرعون و ثمود؟ أين الرؤساء و الجنرالات و اللواءات و الضباط؟ أين من قهروا الأمم و أذلوا الشعوب و ساموا الخلق سوء العذاب.
و لو سمت همة رجل فقام فأمر و نهى طاغية فصبر على ما أصابه في الله انتهى الأمر و لا يستوون فالأول من سادة الشهداء و الأخر من الجبابرة الطغاه و نسأل الله العافية.
و الله سبحانه يستحق حمدا لا يقدر مقداره إلا هو على عدله و ملكه و رحمته و سائر أسماءه و صفاته و إلا فلو لم يكن الله سبحانه عادلا برا لا رحيما فماذا كان الخلق سيفعلون ؟ و فالمخلوق يرحم ليرحم و الله يرحم لأنه رحيم و المخلوق يعدل خوفا من العقوبة أو خوفا من أن يظلم و الله يعدل لأن صفته العدل و المخلوق يَبر ليُبر و الله هو البر الرحيم و هكذا.

*** وجملة ( وهو على كل شيء قدير ) معطوفة على جملة ( بيده الملك ) التي هي صلة الموصول وهي تعميم بعد تخصيص لتكميل المقصود من الصلة إذ أفادت الصلة عموم تصرفه في الموجودات وأفادت هذه عموم تصرفه في الموجودات والمعدومات بالإعدام للموجودات والإيجاد للمعدومات فيكون قوله ( وهو على كل شيء قدير ) مفيدا معنى آخر غير ما أفاده قوله ( بيده الملك ) تفادي من أن يكون معناه تأكيدا لمعنى ( بيده الملك ) وتكون هذه الجملة تتميما للصلة . وفي معنى صلة ثانية ثم عطفت ولم يكرر فيها اسم موصول بخلاف قوله ( الذي خلق الموت ) وقوله ( الذي خلق سبع سماوات ) .

*** قال بن عاشور: و ( شيء ) : ما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهذا هو الإطلاق الأصلي في اللغة . وقد يطلق ( الشيء ) على خصوص الموجود بحسب دلالة القرائن والمقامات .

*** وتقديم المجرور في قوله ( على كل شيء قدير ) للاهتمام بما فيه من التعميم ولإبطال دعوى المشركين نسبتهم الإلهية لأصنامهم مع اعترافهم بأنه لا تقدر على خلق السماوات والأرض ولا على الإحياء والإماتة .

*** الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء بل لا يتعاظمه شيء قال تعالى "الله خالق كل شيء و هو على كل شيء وكيل" الأرض في ملكه ذره و عظمته صفة له لا نحيط بكنهها و لا حول و لا قوة إلا به.
فكل جبار لا يستطيع ان يحرك ذرة إلا بإذن الله و إنما مكنهم الله حكمة و عدلا و في الحياة الحقيقة في الآخرة لا سبيل لذلك إنما هى فتنة و ابتلاء مؤقت .
وغاية مرادك من الله قليل قليل في ملكه و إنما الأمر في رضاه و إنما الأمر أن يريد و يأذن و سبيل ذلك أن يحبك و يرضى عنك و سبيل ذلك العمل الصالح فذلك العمل الصالح سبيلك إلى كل كرامة و سعادة لم تخطر ببالك قط على حرصك و طمعك فخذ من الخير و أساله و أرجه و أقبل بقلبك و روحك و أعظم الطلب و الرجاء و استغفر من الذنب اسأله باسمه الأعظم و توسل إليه به و استعن به و توكل عليه فهو على كل شيء قدير و من تدبر في هذه الصفات لا بد أن يرجو بقلبه و يشتد رجاءه و الله المستعان.

*** الأية جمعت ثلاثة حقائق من أعظم حقائق الكون:
الأولى :أن الله تقدس في ذاته فتنزه عن كل شر و كمل فيه كل خير و عظم خيره حتى فاضت بحور إنعامه على خلقه في الدنيا فما بالك بالمصطفين في الآخرة.
الثانية:أن الملك كله في يديه يدبره بتمام الحمد و الخلق مبتلون بما فيما بين أيديهم من السلطان و لا ملك لهم على الحقيقة إنما هي عارية مسترده.
الثالثه: أنه سبحانه لا يعجزه شيء و لا يتعاظمه بل هو على كل شيء قدير.
و اجتماع الملك التام مع القدرة التامة يعطي كمالا فوق الكمال فإذا كملت صفات الذات مع ذلك عظم ذلك الكمال فإذا أضيف لذلك أن عم خيره و فاض و انتشر فهذا هو تفسير الأية التي بين أيدينا.
فهذا هو الله الذي نعبده و نخضع له و نحبه و هذه قوانين الحياة التي نحياها علمها من علمها و جهلها من جهلها و شاء كمن شاء و أبى من أبى و رضي من رضي و سخط من سخط .
إذا استحضر المسلم هذه المعاني في قلب فلا شك أنه بعدها لن يكون كحاله قبلها و الله أعلم و هو المستعان نسأله العافيه و العفو و الغفران.
و ما أشبه هذه الأية بالذكر المأثور "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو علي كل شيء قدير" فإن "تبارك" فيها تقديس الله و تنزيهه عن الشريك و المثيل و عن كل ما لا يليق به سبحانه و أيضا التقديس يلزم منه تمام الحمد و بعد ذلك يشترك النصان في الفضائل.
و لا يخفى أن هذا الذكر من أعظم الأذكار إن لم يكن أعظمها على الإطلاق فاشتراك الأية معه في المعنى يدل على عظمة هذه الأية و فضلها .
بل أقول و لله العلم أن السورة سميت بسورة الملك من هذه الأية الجليلة التى فيها تمام الملك و تمام الحمد و القدرة.

*** الفوائد العملية في الأية:
1 – هذه السورة فيها إشارة لعظيم ملك الله و بذلك سميت فليتدبر ذلك.
2 – و هي مكية أي من القرآن الذي يغرس العقائد التي تبنى عليها الشخصية المسلمة.
3 – و هي تشفع لصاحبها حتى يغفر له خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة.
4 – و هي المانعة من عذاب القبر.
5 – و من قرأها في ليله فقد أكثر و أطيب و كان النبيصلى الله عليه و سلم لا يدعها كل ليلة .
6 – معنى "تبارك" و من تقدس في ذاته و فاض خيره فما أعظم كماله.
7 – التدبر في تقديس الله و فيضان خيره على خلقه ذلك علاج عظيم لأمراض القلب و وساوس الشيطان.
8 – تدبر أن الملك الحقيقي لله و كل ما سوى ذلك عوارى مسترده ابتلاء و حكمه فلينظر كل امرئ ما يسطر في صحيفته.
9 – أن لا يغتر بحال الظلمة و الجبابرة و الطغاة و كم فتن بهم من أقوام و يوم القيامة يتلاعنون و لا يغني بعضهم عن بعض شيئا.
10 – تدبر أن الله قدير على كل شيء و لكماله سبحانه لا يتعاظمه شيء.
11 – و سبيل السعادة:خذ من الخير ما استطعت و أساله و أرجه و أقبل بقلبك و روحك و أعظم الطلب و الرجاء و استغفر من الذنب اسأله باسمه الأعظم و توسل إليه به و استعن به و توكل عليه فهو على كل شيء قدير.
12 – تدبر الكمال المركب في هذه الأية.


تفسير سورة الملك | الآية الثانية
"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور" الآية :2

** قال بن عاشور: ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) صفة ل ( الذي بيده الملك ) .
و الآية السابقة ذكرت عموم القدرة و من أعظم ما تظهر فيه القدرة صفة الخلق فذكر سبحانه هنا مخلوقين من أعجب ما يكون بهما قهر الخلق و ظهر ملكه و سلطانه عليهم "كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام" و هما الموت و الحياة.
و لا يفوت هنا تذكر محاجة إبراهيم صلى الله عليه و سلم للملك "إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي و يميت قال أنا أحيي و أميت" قالها الملك بطرا للحق و هو يعلم أنه مقهور بالموت .
فالله العظيم بيده الموت و الحياة فمن ممن دونه يملك ذلك لنفسه فضلا عن غيره و من ممن يعظم الخلق مهما بلغ من سلطان في الدنيا لا يدخل تحت هذا القهر فاللهم غفرا.
فهذا مدعاة لوضع الأمور في نصابها الصحيح فالله سبحانه رفع بعض الخلق على بعض في الدنيا ابتلاء و ليس هذا الحال الذي ستدوم عليه الأمور و توشك أن تستوي الرؤوس في الآخرة بل لن تستوي فليس المسلمين كالمجرمين قال سبحانه "و الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة".

**"خلق الموت و الحياة":
1 – وردت مجموعة من الأثار أن الحياة فرس جبريل و الموت كبش أملح:
*أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : والذي خلق الموت والحياة قال : الحياة فرس جبريل عليه السلام والموت كبش أملح .
*وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال : خلق الله الموت كبشا أملح مستترا بسواد وبياض له أربعة أجنحة جناح تحت العرش وجناح في الثرى وجناح في المشرق وجناح في المغرب .
* و في روضة المحدثين عن ابن عباس قال : الموت و الحياة جسمان فالموت كبش لا يجد ريحه شىء إلا مات ، و الحياة فرس بلقاء أنثى و هى التى كان جبريل و الأنبياء يركبونها لا تمر بشىء و لا يجد ريحها شىء إلا حيى .
قال الحافظ فى " الفتح " : من الأخبار الواهية فى صفة البراق .
*و في تفسير اللباب: روى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ : أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ، ولا يجد رائحته شيء إلاَّ مات ، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء ، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي .
قلت: و الكلبي ضعيف لا يحتج به.
و فيه :حكى ابنُ عباس ، والكلبي ومقاتلٌ : أن الموت والحياة يجسمان ، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء ، ولا يجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها ، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل ، لا تمر بشيء يجد ريحاً إلا يحيى ، ولا تطأ على شيء إلا حيي ، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها ، فألقاها على العِجْل فحيي .
حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس ، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي .
**حديث "إذا دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة و النار فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون فينظرون و يقولون : نعم هذا الموت و كلهم قد رآه ثم ينادى : يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون : نعم هذا الموت و كلهم قد رآه فيؤمر به فيذبح و يقال : يا أهل الجنة خلود و لا موت و يا أهل النار خلود و لا موت" . ‌صححه الألباني
قال القاضي عياض: ( قال بعض أهل المعاني: واختلاف اللونين في هذا التمثيل يحتمل أنه لاختلاف الحالين، فالبياض لجهة أهل الجنة الذين ابيضت وجوههم، والسواد لأهل النار الذين اسودت وجوههم) .اه
و في تحفة الأحوذى: قال القرطبي الحكمة في الإتيان بالموت هكذا الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به كما فدى ولد إبراهيم بالكبش
وقال بن العربي استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسما فكيف يذبح فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته وتأولته طائفة فقالوا هذا تمثيل ولا ذبح هناك حقيقة وقالت طائفة بل الذبح على حقيقته والمذبوح متولى الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم .
وقال المازري: الموت عندنا عرض من الأعراض وعند المعتزلة ليس بمعنى بل معناه عدم الحياة وهذا خطأ لقوله تعالى خلق الموت والحياة فأثبت الموت مخلوقا وعلى المذهبين لا يصح أن يكون كبشا ولا جسما وأن المراد بهذا التمثيل والتشبيه ثم قال وقد يخلق الله تعالى هذا الجسم ثم يذبح ثم يجعل مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الاخرة
وقال القرطبي في التذكرة الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذا الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقى في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين .
وقال غيره: لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجسادا يجعلها مادة لها كما ثبت في مسلم في حديث أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان ونحو ذلك من الأحاديث. انتهى
قال صاحب التحفة: هذا القول الأخير هو المعتمد .
2 – قال أبو حيان : ومعنى { خلق الموت } : إيجاد ذلك المصحح وإعدامه ، والمعنى : خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون .
قال بن عاشور: ومعنى خلق الحياة : خلق الحي لأن قوام الحي هو الحياة ففي خلقه خلق ما به قوامه وأما معنى خلق الموت فإيجاد أسبابه وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي ولكنه لما كان عرضا للمخلوق عبر عن حصوله بالخلق تبعا كما في قوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ).
وأيضا لأن الموت تصرف في الموجود القادر الذي من شأنه أن يدفع عن نفسه ما يكرهه .
والموت مكروه لكل حي فكانت الإماتة مظهرا عظيما من مظاهر القدرة لأن فيها تجلي وصف القاهر
فأما الإحياء فهو من مظاهر وصف القادر ولكن مع وصفه المنعم
فمعنى القدرة في الإماتة أظهر وأقوى لأن القهر ضرب من القدرة
ومعنى القدرة في الإحياء خفي بسبب أمرين بدقة الصنع وذلك من آثار صفة العلم وبنعمة كمال الجنس وذلك من آثار صفة الإنعام .
والمعنى : أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات والسيئات ثم أمواتا يخلصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها.
3 –وقيل : كنى بالموت عن الدنيا ، إذ هو واقع فيها ، وعن الآخرة بالحياة من حيث لا موت فيها ، فكأنه قال : هو الذي خلق الدنيا والآخرة ، وصفهما بالمصدرين ، وقدّم الموت لأنه أهيب في النفوس.
روى عطاء عن ابن عباس قال : يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان.
4 – قال الرازى: قالوا : الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت ، فقال قوم : إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا : إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه تعالى قال : { الذى خَلَقَ الموت } والعدم لا يكون مخلوقاً هذا هو التحقيق.
5 - وعن مقاتل : « خَلَقَ المَوْتَ » يعني : النُّطفة والعلقة والمُضغة ، وخلق الحياة ، يعني خلق إنساناً ، ونفخ فيه الروح ، فصار إنساناً .
قلت (شريف): و كما قال صاحب التحفة قد ينشئ الله للأعراض أجساما يوم القيامة و لا يلزم من كون الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش أملح أن هذه الكيفية التي خلق عليها فهذا لا يستطيع أحد أن يثبته أو ينفيه إلا بأثر و الأثار الواردة لا حجة فيها إلا الحديث الأخير و كون الموت و الحياة فيما يبدو للخلق أعراض تعرض للخلق و ليست أجسام محسوسة لا ينفى أن يكون له من الكيفية و الخلقه ما نجهله و يعلمه الله فالأولى و الصواب الإيمان بما أوحاه الله سبحانه إلى نبيه و عدم تكلف تأويله و أخذ العبرة المطلوبة منه و عدم القول و الخوض في الدين بغير علم فلو كان ذلك مهما في أمر المعاد لأوضحه الله سبحانه غاية الإيضاح و لكنه كعدد أصحاب الكهف و غير ذلك مما لا نفع في تحقيقه بل المقصود من ذكره العبرة و العظة لا الانشغال بكيفيته و الله أعلم.
قال تعالي في سورة الإسراء :" (48) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)"
قال بعض أهل التفسير :"أو خلقا مما يكبر في صدوركم" قالوا الموت فلو كنتم حجارة أو حديدا أو الموت نفسه لم تعجزوا الله سبحانه أن يبعثكم و يعيدكم و الله لا يعجزه شيء و لا يتعاظمه شيء .
في صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال ( اقبلوا البشرى يا بني تميم ) . قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال ( اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ) . قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر قال ( كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض ) .
قال بن حجر في الفتح:قوله كان الله ولم يكن شيء غيره في الرواية الآتية في التوحيد ولم يكن شيء قبله وفي رواية غير البخاري ولم يكن شيء معه والقصة متحدة فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى ولعل راويها أخذها من قوله صلى الله عليه و سلم في دعائه في صلاة الليل كما تقدم من حديث بن عباس "أنت الأول فليس قبلك شيء" لكن رواية الباب أصرح في العدم وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما لأن كل ذلك غير الله تعالى .
الله الملك هو الأول فليس قبله شيء و لم يكن له كفئا أحد و هو خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق مقهور مربوب خلق الله سبحانه الأجسام و المخلوقات المختلفه فمنها الجماد و منها النبات و منها الأحياء و خلق سبحانه الأعراض التي تعرض لها خلق الموت و الحياة و الصحة و المرض و السعادة و الشقاء و الألم و الراحة و الجوع و الشبع و غير ذلك و لا ندرى كيفية خلق هذه الأعراض و هل لها أجسام لا نعلمها ؟ أم هي كإدراكنا لها مجرد أعراض؟ فلله العلم.

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 4:33 pm


و أحكم الله سبحانه خلقه و أتقنه في كل جزء منه و فرع فترى ألاف الأبحاث فقط حول مخلوق واحد و لا تشمل كل ما فيه و الخلق أعجز من أن يخلقوا ذبابة.
و الزمان شيء و المكان شيء و الله خالق كل شيء فهما مخلوقان و لكن كيفيتهما فهذا تحار فيه الألباب و النهى و ليس فيه أثارة من علم يستدل بها و نحن خلقنا محاطين بهذه الحدود فلا نتصور غيرها و إعمال العقل في ذلك لن يوصل لنافع.
و ليس لنا البحث في ذات الله لحديث "تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله "حسنه الألباني و لأن ذلك التفكر لن يوصل لشيء لعجز مداركنا و أفهامنا و حواسنا و علمنا عن ذلك فهو في أحسن أحواله مضيعة للوقت إن لم يؤدى للضلال المبين فأهل السنة و الجماعة يثبتون ما ثبت بالأثر و لا يتعرضون للكيفية و لا يزيدون من عند أنفسهم وصفا إلا بدليل فلا ينفون ماجاء به الأثر و لا يكيفون بالعقول القاصرة و هذا أعدل المسالك و أقومها و الله أعلم.

*** و هذه علة الخلق الابتلاء والاختبار ليظهر الأوائل والأفاضل لتتجلى تلك اللحظات الإيمانية الرائعة ليصلي المصلي و يخشع الخاشع و يتدبر المؤمن و يجاهد المجاهد و يصطفي الله من شاء لجواره في جنة عرضها السماوات و الأرض .
الدنيا دار اختبار و المرء في كل لحظة يجيب أسئلة الاختبار و لا فسحه و لا راحة فغير مسموح بالخروج من مكان الاختبار قبل انتهاء الوقت و ليس معنى ذلك أن المؤمن عليه أن يعمل في الدنيا بلا راحة بل حتى الراحة فيها سنة يُعمل بها .
و ما أعظم تكريم الأخيار أن يذكر الله أن هذه الدنيا إنما خلقت ليبتلى الخلق فيظهر أيهم أحسن عملا و قد اصطفاهم الله لهذه الفضيلة فكأن الدنيا خلقت من أجلهم و لو هانوا فيها و لو أوذوا فيها و لو قتلوا فيها.
و هناك من الخلق من لا ينتبه إلى هذه العلة فيحيا و لا يعلم علة خلق الموت و الحياة كأغلب حال أهل الأرض اليوم يحيون حياة الأنعام و المؤمن لما يعلم علة الخلق يكون له شأن أخر و لو فرط و قصر فهو يؤمن ربه و يعلم بدايته و مآله.

*** و لا شك أن في الآية أعظم الحث على فعل الخير و الاستكثار منه و العمل يحتاج لفقه و ليس الفقيه من يعلم الخير من الشر بل الفقيه من يعلم خير الخيرين و شر الشرين فالدنيا لا تسير دوما كما يشتهى المرء بل قد يتعرض لما لا يريد و تتعارض الواجبات و قد يبتلى بمحرمات يضطر لأحدها و على أفضل أحواله لا بد له من تمييز بين الفاضل و المفضول من الخير فالعمر قصير و الخير كثير و طاقة الإنسان محدودة فالفقه دليل السالك و لا أعني هنا بالفقه الفقه الاصطلاحي الذي هو الأحكام الشرعية العملية بل أعني ما هو أعم و أوسع من ذلك بما يشمل كل أحكام الدين .
و لو عجزت الهمة عن إكمال المعالي ففي الضرب بسهم من كل خير سعة و يسر.
و خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم و السبيل الوحيد و هو أنفع السبل و السالك بقدر إصابته منه بقدر إصابته للحق فعبادته أفضل العبادة مطلقا و لو زاد غيرها عليها و سنته أفضل السنن مطلقا و هكذا إلا أنه ينتبه أن النبي صلى الله عليه و سلم كانت له من الوظائف ما ليس منها لأحدنا فهو نبي مرسل و قائد للأمة و زوج و والد و مربي و عابد و عالم و مجاهد و غير ذلك من الفضائل و هناك من الوظائف ما كان النبي صلى الله عليه و سلم لا يزيد فيها لا في سراء و لا ضراء و لا فراغ و لا شغل عن حد معين فلا يزاد عليه و هناك من الأعمال ما واظب عليها النبي صلى الله عليه و سلم و هناك ما كان يتغير مقداره بتغير الأحوال و الأشغال و هكذا فيوضع كل في نصابه و يقدم الأهم فالمهم و ليس كل الخلق يلجون من كل الأبواب فمن فتح له في باب من الطاعة فليستعن بالله و كل ميسر لما خلق له.
و من عجز فلا أقل من الدعاء و اللُجأ إلى الله أن يفتح له الباب و أن يعينه على ذكره و شكره و حسن عبادته
و اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.

*** قال العلماء و قدم الموت على الحياة لوجوه :
أحدها : قال مقاتل : يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح .
وثانيها : روى عطاء عن ابن عباس قال : يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان.
وثالثها : أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أن منادياً ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة ، فيعلمون أنه من قبل الله عز وجل فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا : نعم ، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح ثم ينادي يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت » فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا وهي منقضية ، وأما أيام الآخرة فهي أيام الحياة وهي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة لا جرم قدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة.
ورابعها: إنما قدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض له أهم .
الخامس: وفي الكلام تقدير : هو الذي خلق الموت والحياة لتحيوا فيبلوكم أيكم أحسن عملا وتموت فتجزوا على حسب تلك البلوى ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة .
السادس: الموت أعظم في بيان القدرة و الملك فهو قهر عظيم لكل حي و لا يخرج أحد من سلطان الموت مهما بلغ سلطانه في الدنيا و هو أهيب في النفوس من ذكر الحياة.

*** و في التحرير :التعريف في ( الموت ) و ( الحياة ) تعريف الجنس واللام في ( ليبلوكم ) لام التعليل أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم . الخ
وجملة ( ليبلوكم ) إلى آخرها معترضة بين الموصولين و في البحر: وليبلوكم متعلق بخلق.

** و في التحرير:والبلوى : الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم أي ليعلم علم ظهور أو مستعارة لإظهار الأمر الخفي فجعل إظهار الشيء الخفي شبيها بالاختبار
و في البحر : وسمى علم الواقع منهم باختيارهم بلوى وهي الحيرة ، استعارة من فعل المختبر.

*** "أيكم أحسن عملا":
1 – وردت بعض الأثار في الأية نسوقها:
*روى البيهقي في شعب الإيمان قال : و أنا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسين نا إسحاق بن منصور السلولي(صدوق) نا أسباط بن نصر(مرتبته عند بن حجر صدوق كثير الخطأ يغرب) عن السدي : { الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}
قال : أيكم أكثر للموت ذكرا و له أحسن استعدادا و منه أشد خوفا و حذرا.
قلت : إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة السدى ، أبو محمد القرشى الكوفى الأعور .
مرتبته عند ابن حجر : صدوق يهم و رمى بالتشيع
مرتبته عند الذهبـي : حسن الحديث ، قال أبو حاتم : لا يحتج به.
*و في روضة المحدثين عن أبى قتادة قلت : يا رسول الله أرأيت قول الله عز و جل " أيكم أحسن عملا " ما عنى به ، قال : " أيكم أحسن عقلا " ، ثم قال : " أتمكم عقلا أشدكم لله خوفا و أحسنكم فيما أمر به و نهى عنه نظرا ، و إن كان أقلكم تطوعا " .
قال الحافظ فى " المطالب ": من كتاب العقل لداود بن المحبر ، أودعها الحارث بن أبى أسامة فى مسنده ، و هى موضوعة كلها ، لا يثبت منها شىء .
*و فيها عن ابن عمر رفعه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه تلا : ( تبارك الذى بيده الملك ) إلى قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) قال : " أيكم أحسن عقلا ، و أورع عن محارم الله ، و أسرعهم فى طاعة الله عز و جل " .
قال الحافظ فى " المطالب" : من كتاب العقل لداود بن المحبر ، أودعها الحارث بن أبى أسامة فى مسنده ، و هى موضوعة كلها ، لا يثبت منها شىء .
* وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن حاتم عن قتادة في قوله : الذي خلق الموت والحياة قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء ".
قال الطبرى:وقد حدثني ابن عبد الأعلى(ثقة)، قال: ثنا ابن ثور(محمد بن ثور الصنعاني :ثقة)، عن معمر، عن قتادة، في قوله:( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) قال: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.
قلت:السند صحيح إلى قتادة.
و قال:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ) ذكر أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أكان يقول: "إنَّ الله أذَلَّ ابْنَ آدَمَ بالمَوْتِ".
2 –عن ابن عباس والحسن والثوري : أزهدكم في الدنيا.
3 –أن يكون أخلص الأعمال وأصوبها لأن العمل إذا كان خالصاً غير صواب لم يقبل ، وكذلك إذا كان صواباً غير خالص فالخالص أن يكون لوجه الله ، والصواب أن يكون على السنة
4 - روي عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركاً لها.

*** قال أبو حيان : { وإيكم أحسن عملاً } مبتدأ وخبر ، فقدر الحوفي قبلها فعلاً تكون الجملة في موضع معموله ، وهو معلق عنها تقديره : فينظر ، وقدّر ابن عطية فينظر أو فيعلم.
قال الرازى: في تعلق قوله : { لِيَبْلُوَكُمْ } بقوله : { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } وجهان :
الأول : وهو قول الفراء والزجاج : إن المتعلق بأيكم مضمر والتقدير ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملاً.
والثاني : قال صاحب «الكشاف» : { لِيَبْلُوَكُمْ } في معنى ليعلمكم والتقدير ليعلمكم أيكم أحسن عملاً .

** و في التحرير:و ( أحسن ) تفضيل أي أحسن عملا من غيره فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأولى لأن إحصاءها والإحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع ومن الفساد في النفس وفي نظام العالم وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) إيجاز.

*** و لم تنص الآية أن المراد العمل الأكثر بل المراد الأحسن و هو ما اجتمعت فيه الكمية والكيفية التي ترفعه عن غيره فليس المراد الكم فقط و لا الكيف فقط بل ما يحصل باجتماعه منها الأفضلية .
و الأصل في كل عمل كي يكون مقبولا شرطي الإخلاص و المتابعة ثم ينظر بعد ذلك لأعظم الأعمال فالذي يليه و العمل الذي يجتمع فيه الإخلاص و حضور القلب يفوق مثله مما يزيد عليه في الكم في أغلب أحواله إلا لو كانت الزيادة عظيمة و كما أسلفنا الأحسن هو حال النبي صلى الله عليه و سلم و لو كان أرفق بالنفس و أقرب فطريق الجنة مغلق إلا لمن خلفه و طريق الكمال لزوم غرزه حذو القذة بالقذة.
مثال: بكى النبي صلى الله عليه و سلم عند وفاة ابن بنته و قال صلى الله عليه و سلم:"هذه رحمة يجعلها الله في قلب عباده و إنما يرحم الله من عباده الرحماء" و اخبرنا النبي صلى الله عليه و سلم أنه وجد في من كان قبلنا من الأمم من كان يفرح بالبلاء كفرح أحدنا بالرخاء احتسابا للأجر.
فحال النبي صلى الله عليه و سلم أتم و أقرب و هو مراد الله سبحانه منا و لو فعله أحد منا ما كان في فعله نقص و لا تفريط بل هو الكمال في حقه في هذا الابتلاء.
لذلك فيصعب جدا الوصول لهذه الدرجات لغير العلماء العاملين الذين يتقنون الفروق و الفضائل و يقدمون خير الخيرين و يؤخرون شر الشرين عند التعارض.
فهناك من قعد به علمه و هناك من علم و قعد به عمله أما الأفاضل فهم علموا و عملوا و تنافسهم في منزلة أعلى و درجة أسمى .
و استغفر الله من حديث لم أشم له رائحة و لكن أدونه عسى الله أن يفتح على به و يعمل به من شاء الله من خلقه فيصيبني بذلك خير .

*** و لم تقل الآية أن الغرض من خلق الدنيا البلاء ليظهر المسيء من المحسن بل المقصود الأوائل و السابقون فهم الغاية من الخلق و هم صفوته اللهم أجعلنا منهم.

**قال الرازى: اعلم أن الحياة هي الأصل في النعم ولولاها لم يتنعم أحد في الدنيا وهي الأصل أيضاً في نعم الآخرة ولولاها لم يثبت الثواب الدائم ، والموت أيضاً نعمة وكيف لا وهو الفاصل بين حال التكليف وحال المجازاة وهو نعمة من هذا الوجه ، قال عليه الصلاة والسلام :" أكثروا من ذكر هادم اللذات " وقال لقوم : " لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى " - قلت : الحديث ضعيف - وسأل عليه الصلاة والسلام عن رجل فأثنوا عليه ، فقال : " كيف ذكره الموت؟ قالوا قليل ، قال فليس كما تقولون ".
قلت الأثر الأخير رواه عبد الرزاق في مصنفه و رجاله ثقات إلا إنه مرسل قال: حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا مسعر عن علقمة بن مرثد عن ابن سابط قال ذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فأحسن عليه الثناء فقال النبي صلى الله عليه وسلم كيف ذكره للموت فلم يذكر ذلك فقال ما هو كما تذكرون

** قال الرازى: الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي ، والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده معاملة تشبه ( الابتلاء ) على المختبر .

** قال بن عاشور:وتعليل فعل بعلة لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقام .
ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الإفهام الاطلاع عليها .

*** و أسوق لك فصلا ملخصا من كتاب الرحيق المختوم عن أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلامة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي .
وكان الحلم والاحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفاتٌ أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هَفْوَة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذي إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، وقالت عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . وكان أبعد الناس غضباً، وأسرعهم رضاً .
وكان من صفة الجود والكرم على مالا يقادر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة . وقال جابر : ما سئل شيئاً قط فقال : لا .
وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذي لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فَرَّة، وحفظت عنه جولة سواه، قال علي : كنا إذا حمي البأس واحمرت الحَدَقُ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه . قال أنس : فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي، في عنقه السيف، وهو يقول : ( لم تُرَاعوا، لم تُرَاعوا ) .
وكان أشد الناس حياء وإغضاء، قال أبو سعيد الخدري : كان أشد حياء من العذراء في خِدْرها، وإذا كره شيئاً عرف في وجهة . وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، لا يشافه أحداً بما يكره حياء وكرم نفس، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول . ( ما بال أقوام يصنعون كذا ) .
وكان أحق الناس بقول الفرزدق :
يغضي حياء ويغضي من مهابته ** فلا يكلم إلا حين يبتسم
وكان أعدل الناس، وأعفهم، وأصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك مجاوروه وأعداؤه، وكان يسمي قبل نبوته الأمين، ويُتَحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام، روي الترمذي عن على أن أبا جهل قال له : إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم : { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ } [ الأنعام : 33 ] . وسأل هرقل أبا سفيان، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا .
وكان أشد الناس تواضعاً، وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، قالت عائشة : كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشراً من البشر يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه .
وكان أوفي الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدباً، وأبسط الناس خلقاً، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا لعاناً، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره . كان في بعض أسفارة فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل : على ذبحها، وقال آخر : على سلخها، وقال آخر على طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم : ( وعلي جمع الحطب ) ، فقالوا : نحن نكفيك . فقال : ( قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه ) ، وقام وجمع الحطب .
ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال هند فيما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً ـ ما يطعم ـ ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ـ سماحة ـ وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام .
وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره .
يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره .
الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة .
كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن ـ لا يميز لنفسه مكاناً ـ إذا انتهي إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوي، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم ـ لا تخشي فلتاته ـ يتعاطفون بالتقوي، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب .
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه . قد ترك نفسه من ثلاث : الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث : لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا . لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول : إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ .
وقال خارجة بن زيد : كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسماً، وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيراً له واقتداء به .
وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلي بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنياً عليه فقال : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 4 ] ، وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائداً تهوي إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا في دين الله أفواجاً .
وهذه الخلال التي أتينا على ذكرها خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائل فأمر لا يدرك كنهه، ولا يسبر غوره، ومن يستطيع معرفة كنه أعظم بشر في الوجود بلغ أعلى قمة من الكمال، استضاء بنور ربه، حتى صار خلقه القرآن ؟
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حَميد مجيد .
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد .
قلت (شريف): سبحان الله و من يطيق هذا و لكن ما لا يؤخذ كله لا يترك كله اللهم أعنا و أغفر لنا التقصير.

**" وَهُوَ العزيز الغفور " : قال بن عاشور:وجملة ( وهو العزيز الغفور ) تذييل لجملة ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) إشارة إلى صفاته تعالى تقتضي تعلقا بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها .اه
فهو العزيز الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة .
قال الرازى:واعلم أن كونه عزيزاً غفوراً لا يتم إلا بعد كونه قادراً على كل المقدورات عالماً بكل المعلومات أما أنه لا بد من القدرة التامة ، فلأجل أن يتمكن من إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان عقاباً أو ثواباً ، وأما أنه لا بد من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو والعاصي من هو فلا يقع الخطأ في إيصال الحق إلى مستحقه ، فثبت أن كونه عزيزاً غفوراً لا يمكن ثبوتها إلا بعد ثبوت القدرة التامة والعلم التام ، فلهذا السبب ذكر الله الدليل على ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام ، ولما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً ، لا جرم ذكر أولاً دلائل القدرة وثانياً دلائل العلم .

*** و أسوق لك من لسان العرب مختصرا مفيدا في معنى العزيز و العزة و مشتقات الكلمة و ما يليق منها بالله سبحانه:
العَزِيزُ من صفات الله عز وجل وأَسمائه الحسنى:
1 - قال الزجاج هو الممتنع فلا يغلبه شيء.
2 - وقال غيره هو القوي الغالب كل شيء.
3 - وقيل هو الذي ليس كمثله شيء.
4 - وهو الذي يَهَبُ العِزَّ لمن يشاء من عباده .
* والعِزُّ خلاف الذُّلِّ وفي الحديث قال لعائشة هل تَدْرِينَ لِمَ كان قومُك رفعوا باب الكعبة ؟ قالت لا قال تَعَزُّزاً أَن لا يدخلها إِلا من أَرادوا أَي تَكَبُّراً وتشدُّداً على الناس وجاء في بعض نسخ مسلم تَعَزُّراً براء بعد زايٍ من التَّعْزير والتوقير فإِما أَن يريد توقير البيت وتعظيمه أَو تعظيمَ أَنفسهم وتَكَبُّرَهم على الناس.
*والعِزُّ في الأَصل القوة والشدة والغلبة .
*والعِزُّ والعِزَّة الرفعة والامتناع .
وفي التنزيل العزيز ولله العِزَّةُ ولرسوله وللمؤمنين أَي له العِزَّة والغلبة سبحانه .
وفي التنزيل العزيز من كان يريد العِزَّةَ فللَّه العِزَّةُ جميعاً أَي من كان يريد بعبادته غير الله فإِنما له العِزَّة في الدنيا ولله العِزَّة جميعاً أَي يجمعها في الدنيا والآخرة بأَن يَنْصُر في الدنيا ويغلب .
و أَعِزَّةٍ على الكافرين أَي جانبُهم غليظٌ على الكافرين قال الأَزهري يَتَذَلَّلُون للمؤمنين وإِن كانوا أَعِزَّةً ويَتَعَزَّزُون على الكافرين وإِن كانوا في شَرَف الأَحْساب دونهم .
ورجل عزِيزٌ مَنِيع لا يُغْلب ولا يُقْهر وقوله .
وأَعَزَّه اللهُ وعَزَزْتُ عليه كَرُمْت عليه .
وقوله تعالى وإِنه لكتاب عَزِيزٌ لا يأْتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خَلْفه أَي: حُفِظَ وعَزَّ مِنْ أَن يلحقه شيء من هذا.
وتَعَزَّزَ الرجلُ صار عَزِيزاً وهو يَعْتَزُّ بفلان واعْتَزَّ به وتَعَزَّزَ تشرَّف وعَزَّ عَليَّ يَعِزُّ عِزّاً وعِزَّةً وعَزازَةً كَرُمَ
وأَعْزَزتُه أَكرمته وأَحببته.
وعَزَّ عَلَيَّ أَنْ تفعل كذا وعَزَّ عَلَيَّ ذلك أَي حَقَّ واشتدَّ
وأُعْزِزْتُ بما أَصابك عَظُم عليَّ .
يقال عَزَّ عليَّ يَعِزُّ أَن أَراك بحال سيئة أَي يشتدُّ ويشق عليَّ .
*والعِزَّةُ الشدَّة والقوَّة يقل عَزَّ يَعَزُّ بالفتح إِذا اشتدَّ .
وعَزَزْتُ القومَ وأَعْزَزْتُهم وعَزَّزْتُهم قَوَّيْتُهم وشَدَّدْتُهم .
وفي التنزيل العزيز أذِلَّةٍ على المؤْمنين أَعِزَّةٍ على الكافرين أَي أَشِداء عليهم .
وعَزَّ الشيءُ يَعِزُّ عِزّاً وعِزَّةً وعَزازَةً وهو عَزِيز قَلَّ حتى كاد لا يوجد وهذا جامع لكل شيء .
وعَزَّه يَعُزُّه عَزًّا قهره وغلبه وفي التنزيل العزيز وعَزَّني في الخِطاب أَي غلبني في الاحتجاج .
وفي المثل من عَزَّ بَزَّ أي غَلَبَ سَلَبَ والاسم العِزَّة وهي القوّة والغلبة
وقوله عَزَّ على الريح الشَّبُوبَ الأَعْفَرا أَي غلبه وحال بينه وبين الريح فردَّ وجوهها
وعازَّني فَعَزَزْتُه أَي غالبني فغلبته
والعِزُّ المطر الغَزير
واسْتَعَزَّ فلان بحقِّي أَي غَلَبَني
واسْتُعِزَّ بفلان أَي غُلِبَ في كل شيءٍ من عاهةٍ أَو مَرَضٍ أَو غيره
وفي الحديث أَن فلانا اسْتُعِزَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أَي اشتدّ به المرضُ وأَشرف على الموت يقال عَزَّ يَعَزُّ بالفتح
* قوله « يقال عز يعز بالفتح إلخ » عبارة النهاية يقال عز يعز بالفتح إِذا اشتد واستعز به المرض وغيره واستعز عليه إذا اشتد عليه وغلبه ثم يبنى الفعل للمفعول ) إِذا اشتدَّ واسْتُعِزَّ عليه إِذا اشتد عليه وغلبه .
ومُعَزَّزٌ بكم أَي مشدد بكم ومُثَقَّل عليكم الأَمرُ.
وفلانٌ مِعْزازُ المرض أَي شديده ويقال له إِذا مات أَيضاً قد اسْتُعِزَّ به .

*** و نختم الآية هنا بما يسر الأبرار و يكيد الكفار فنقول: أن الله سبحانه علمنا في هاتين الآيتين علوما غزيرة هي أصول لحقائق الكون أما انعكاساتها في الواقع و أثرها في الكون من أحداث فهذا لا يحصيه إلا الله سبحانه .
فبدأت السورة أن الله سبحانه متقدس في ذاته متصف بكل كمال و متعالي عن كل نقص و ملك كل في يده و لا يعجزه شيء قط و علمتنا الآية أن من آثار ملكه و قدرته خلق الموت و الحياة و ابتلاء الخلق بما يظهر أيهم أحسن عملا .
و الله عزيز لا تضره معصية و لا تنفعه طاعة فهو ممتنع قوى لا يبلغ أحد ضره فيضره و لا نفعه فينفعه فإذا رأيت في الدنيا من بعض الخلق إجراما فأعلم أن شر الدنيا ليس بشر و أنه لم يُمَكن في القدرة الحقيقة على الأذى إنما أعطي بعضها ابتلاء و اختبارا له و به أما الآخرة فيظهر فيها الخير و الشر الحقيقي أناس يأكلون الزقوم و يشربون الحميم و يلبسون النار و يحيون في النار أمنيتهم شربة ما أو أن يخفف عنهم يوما واحدا فقط من العذاب السرمدي فقط يوما واحدا و لا يجابون هذه لمحة من حياتهم و لا زيادة لهم غلا في العذاب .فإذا رأيت الطغاة في دنيا البشر فأعلم أن الله ملك عادل لا يرضى بالظلم و يوشك كل منهم أن يلقى حسابه .
فلا تغتر بتقلبهم في البلاد و طول عمرهم فالدنيا قصيرة و لكن الابتلاء يهيأ لنا أنها طويلة و الله منتقم منهم يحاسبون على النقير و القطمير حيث لا ملك لهم و لا نصير و سيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون .
و لا تغتر بكثرة العصيان حولك فالكون كله يسبح الله و لكنا لا نفقة تسبيحه و الدنيا دار ابتلاء نبتلى فيها بذلك ليظهر الصديق من الزنديق و يوشك الأمر أن ينقضي و الدنيا أن تزول .
فالله عزيز و لكن حكمته اقتضت وجود الشرور في الدنيا و إمهال بعض المجرمين و العصاة فلا يغرنك ذلك.
و الله مع عزته غفور يمهل العصاة بل و الكفار المجرمين و لولا فضله و رحمته ما زكى من العباد أحد أبدا و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة فلا يقنط من رحمته إلا ضال فالواجب على خلقه من حق عظمته لا يطيقونه و لكنه سبحانه رضي باليسير من العمل و تجاوز عن الكثير من الزلل كتب على نفسه الرحمة و ما ذكرنا وقود للقلوب لتتوجه إليه و تحبه وتؤثره و ترجو خيره و تحذر عذابه و لا تقنط من رحمته لعظيم عظمته و لكن تعلم أنه مع ذلك غفور واسع المغفرة يغفر و يستر و يقبل العذر و يضاعف اليسير و يؤت من لدنه أجرا عظيما.
فتأمل في الكمال الناشىء من اقتران العزة بالغفران بسابق ما أسلفنا من الصفات فرب عزيز لا يغفر و رب ملك غفور يذل و الله عزيز غفور لا يذل أبدا و هو مع عزته و امتناعه و استغناءه يغفر و يرحم .
فالكمال و فيض الخير و الملك و القدرة و العزة و الغفران هذه المعاني العظيمة هي التي ينبغي للمسلم أن يعرفها عن ربه من هذه الآيات.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – التأمل في عظمة ملك الله و قدرته المتمثلة في خلق الموت و الحياة و تدبر القهر لكل مخلوق في الموت .
2 – التأمل في الفرق بين المخلوقين مهما بلغوا و بين الخالق سبحانه و عدم الاغترار بأهل الباطل مهما بلغوا.
3 – شرف السابقون فهم صفوة الله من خلقه و لأجلهم خلق الموت و الحياة و الله أعلم – و ليس معني قولنا هذا أن هذه هي العلة الوحيدة بل هي علة رئيسية -.
4 – كل يسوس نفسه بما يصلح لحاله و يقترح الضرب بسهم في كل طاعة و لو قل هذا السهم و اللجأ و الدعاء و الاقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فهو سبيل الكمال البشرى الذى أراده الله منا .
5 –التعلم ليحصل الفقة في الأعمال بتمييز خير الخيرين و شر الشرين عند التعارض.
6 – قراءة الفصل السابق ذكره من حال النبي صلى الله عليه و سلم و محاولة التأسي به أو قراءة ذلك الفصل ثلاث مرات.
7 – علاقة صفة العزة و المغفرة بما سبق.
8 – التأمل في صفة العزة و المغفرة و اقترانهما معا و مع ما سبق من الصفات.
9 – إعطاء البشر منزلتهم التي تليق بهم في القلب فلا يرفعون عنها.


تفسير سورة الملك | الآية الثالثة
"الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ" الآية:3


*** قال بن عاشور: ( الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفوت فارجع البصر هل ترى من فطور [ 3 ] ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير [ 4 ] ) صفة ثانية للذي بيده الملك أعقب التذكير بتصرف الله بخلق الإنسان وأهم أعراضه بذكر خلق أعظم الموجودات غير الإنسان وهي السماوات ومفيدة وصفا من عظيم صفات الأفعال الإلهية ولذلك أعيد فيها اسم الموصول لتكون الجمل الثلاث جارية على طريقة واحدة.

*** و يذكرني ذلك السياق بسياق محاجة إبراهيم (ص) للملك "إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي و يميت قال أنا أحيي و أميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فئت بها من المغرب فبهت الذي كفر و الله لا يهدى القوم الظالمين ".
فاستدل نبي الله إبراهيم أولا بالقدرة على الإحياء و الإماتة ثم تطرق لخلق هذا الكون العظيم الذي يجعل أقوى الأقوياء و أعظم الملوك ينكسر أمام الله و ما الأرض إلا ذرة في ملكه سبحانه .
فهذا هو الطريق الذي يرسمه لنا القرآن من بداية السورة لنتعرف على ربنا :
أولا : أن نعرف أسمائه و صفاته.
ثانيا: نتأمل في مظاهر قدرته و ملكه.
ثالثا: ننظر بعين الاعتبار لهذا الكون العظيم ملكوته العظيم الرحب الفسيح .
فانتبه لهذه القاعدة و أدخل من هذا الباب القرآني العظيم.

*** "طباقا":
1 – طباقاً أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقاً على طبق ، وهذا وصف بالمصدر وصف به على سبيل المبالغة.
أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله : سبع سموات طباقا قال : بعضها فوق بعض وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.
قال الزجاج معنى طِباقاً مُطْبَقٌ بعضها على بعض.
2 - أن يكون حذف مضاف و التقدير ذات طباق.
3 - أن يكون التقدير طوبقت طباقاً .
4 - وإما جمع طبق كجمل وجمال ، أو جمع طبقة كرحبة ورحاب.
قل بن منظور: الطَّبَقُ غطاء كل شيء و طبق كل شيء ما ساواه و قال بن عاشور:والطبق المساوي في حالة ما ومنهم قولهم في المثل " وافق شن طبقة " .
5 – و في التحرير: والطباق يجوز أن يكون مصدر طابق وصفت به السماوات للمبالغة أي شديدة المطابقة أي مناسبة بعضها لبعض في النظام وأنها متماثلة في بعض الصفات مثل التكوير والتحرك المنتظم في أنفسها وفي تحرك كل واحدة منها بالنسبة إلى تحرك بقيتها بحيث لا ترتطم ولا يتداخل سيرها
قلت (شريف): و الأظهر أن المقصود بعضها فوق بعض لتفسير بن عباس الأية بذلك و الملائمة اللغوية لهذا التفسير و الله أعلم.

*** قال الرازى: قوله : { طِبَاقاً } صفة للسموات ، وقوله بعد ذلك : { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت } صفة أخرى للسموات والتقدير خلق سبع سموات طباقاً ما ترى فيهن من تفاوت إلا أنه وضع مكان الضمير قوله : { خَلْقِ الرحمن } تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على سبب سلامتهن من التفاوت ، وهو أنه خلق الرحمن وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب .

*** قال في البحر:وما ذكر من مواد هذه السموات فالأولى من موج مكفوف ، والثانية من درّة بيضاء ، والثالثة من حديد ، والرابعة من نحاس ، والخامسة من فضة ، والسادسة من ذهب ، والسابعة من زمردة بيضاء يحتاج إلى نقل صحيح ، وقد كان بعض من ينتمي إلى الصلاح ، وكان أعمى لا يبصر موضع قدمه ، يخبر أنه يشاهد السموات على بعض أوصاف مما ذكرنا.

*** "تفاوت":
1 - وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت قال : ما يفوت بعضه بعضا مفاوت : مفرق .
2 - وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : من تفاوت قال : تشقق
3 – قال أبو حيان: قال ابن عباس : من تفرّق.
4 - وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت قال : من اختلاف فأرجع البصر هل ترى فطور قال : من خلل ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا قال : صاغرا وهو حسير قال : يعني لا ترى في خلق الرحمن تفاوتا ولا خللا
5 – قال الرازى:وقال السدّي : من تفاوت أي من اختلاف عيب ، يقول الناظر : لو كان كذا كان أحسن.
6 - وقال عطاء بن يسار : من عدم استواء.
7 - وقيل : من عدم التناسب والتفاوت ، تجاوز الحد الذي تجب له زيادة أو نقص.
قال بعض الأدباء :
تناسبت الأعضاء فيه فلا ترى . . . بهن اختلافاً بل أتين على قدر
قال الرازى: حقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضه ولا يلائمه ومنه قولهم : ( تعلق متعلق متفاوت ونقيضه متناسب ) .
8 - قال القفال : ويحتمل أن يكون المعنى : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في الدلالة على حكمة صانعها وأنه لم يخلقها عبثاً .
9 – قال بن عاشور: والتفاوت بوزن التفاعل : شدة الفوت والفوت : البعد وليست صيغة التفاعل فيه لحصول فعل من جانبين ولكنها مفيدة للمبالغة
ويقال : تفوت الأمر أيضا وقيل : إن تفوت بمعنى حصل فيه عيب.
وهو هنا مستعار للتخالف وانعدام التناسق لأن عدم المناسبة يشبه البعد بين الشيئين تشبيه معقول بمحسوس.
10 - وقال ثعلب : أصله من الفوت ، وهو أن يفوت شيء شيئاً من الخلل.
11- التفاوت الفطور بدليل قوله بعد ذلك : { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } نظيره قوله : { وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } [ ق : 6 ]
وقيل : من اضطراب.
وقيل : من اعوجاج.
وقيل : من تناقض.
قلت (شريف): و كل ما سبق يدور حول معنى واحد و هو التخالف و انعدام التناسق و الخلل و التناقض و العيب و نحو ذلك.

*** و قد جاء العلم الحديث ليؤكد هذه الحقيقة القرآنية غاية التأكيد فهناك دورة للماء على وجه الأرض و لو اختلت لنقص الماء و هلك الخلق و هناك دورة للهواء لكي تتم تنقيته و يصبح صالحا للتنفس و دورة للطيور و دورة حتى للديدان التي تصيب الإنسان بالأمراض لها دورة حياة منتظمة و أجهزة جسم الأنسان لها ميكانيكية منتظمة في العمل بما يتوافق مع الوظائف التي أعدت من أجلها بل الخلية عبارة عن مصنع متكامل لا يستطيع أعظم خبراء الأرض صياغة مثله بل لا تزال الاكتشافات تظهر يوما بعد فأطنان المؤلفات في العلوم الأرضية تشهد بدقة السنن الكونية و إحكامها على أبدع ما يكون .
فما أعظم أمر دُون في تأكيده مئات الآلاف من الرسالات و الأبحاث و الكتب و المطولات .
ففي الخلية مثلا إعجازات بالغة تكتب فيها المطولات و لا تحصر و الخلايا تكون أنسجة و فيها من الإبداع و التناسق الشيء العظيم و الأنسجة تكون الأعضاء الكاملة التي تكونت من تلك الأنسجة لتؤدى وظيفة حيوية هامة و تلك الأعضاء تتكاتف سويا لتكون الأجهزة الجهاز المناعي و الدورى و التنفسي و الهضمي و العصبي و كل هذه الأجهزة تتحد لتراها أمامك إنسانا سويا معتدل الخلقة و ما ذكرناه في سطور أفنى الأطباء أعمارهم في تفاصيله و لم يبلغوا غوره.
هذا شخص واحد فإذا تأملت خلق الإنسان من ذكر و أنثى و المراحل العمرية و النفسية التي يتدرج فيها لا شك أنك ترى خلقا و تدبيرا عظيما ثم أنظر في حال الأسرة فالعائلة فالعشيرة فالقبيلة فالقرية فالمدينة فالدولة فالقارة فالعالم كيف يدبر كل هذا و يخلق و يكون لكل سنن يسير وفقها لا تتخلف و الإنسان مخلوق من مخلوقات لا يحصيها إلا الله و من شاء من خلقه.
و هناك من التوازنات التي أجراها الله بمنتهى الدقة ما يحفظ لكل قوامه و حياته توازنات بين الأمم يدفع الله بعضهم ببعض كي لا تهدم الصوامع و المساجد و توازنات في جسم الإنسان و عالم الحيوان و البكتريا و غير ذلك مما لا يحصيه و لا يحيط به إلا عالمه.
و هكذا صفة أفعال الله سبحانه الدقة و الإتقان المتناهي و الإحكام التام في الكون و في التدبير و في التشريع و في كل الأمر .
فأنظر هل ترى في خلق الرحمن من تفاوت ثم أرجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير.
فما أعظم خطأ من يتهم الله في قضاءه و قدره أو يود بقلبه لو دبرت الأمور على غير تلك الكيفية و الله خبير و الله غفور رحيم و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون و نسأله سبحانه العافية في الأمر كله.

*** قال بن عاشور: والمقصود منه التعريض بأهل الشرك إذ أضاعوا النظر والاستدلال بما يدل على وحدانية الله تعالى بما تشاهده أبصارهم من نظام الكواكب وذلك ممكن لكل من يبصر قال تعالى ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناهها وما لها من فروج ).

*** "خلق الرحمن":
المقصود السماوات أو يشمل ذلك و ما سواه و الأول أظهر فرغم أنه لا تفوت في شيء من الخلق ولا فطور ،لكن قوله تعالى فطور و هي الشقوق يوحي أن المقصود السماوات لذا كان من أحوال بداية القيامة انفطار السماء إيذانا بخراب هذه الدنيا و بداية عهد جديد و يمكن أن يكون في ذلك إشارة لباقي الخلق أنه يسير على نفس الناموس فكل مخلوق جار على غاية الإتقان و الإحكام .
و الإضافه إلى اسمه الرحمن تشعر بأن تلك المخلوقات فيها رحمة بالناس.
و هذا من معانى الرحمة و من معانى اسمه الرحمن التي لا ينتبه إليها : أن خلقه سبحانه جاء على صفة فيها أعظم الرحمة بالمخلوقين فقد أعطاهم ووهبهم ليس فقط ما يكفيهم بل ما يتزينون به و يتجملون من الزينة الظاهرة و الباطنه و لو أخبرك الأطباء عن الميكانيكيات الدفاعية في جسم الإنسان التى تتم في كل أجزاء بدنه و ما يشعر بها قط لرأيت الرحمه و لو نظرت إلى الصفة التى خلق الله الخلق عليها من الجمال الظاهر لتنسمت تلك الرحمة و لو نظرت في الكون الفسيح و جمال الطبيعة البديع حولك لشعرت بتلك الرحمة و لو تأملت معاقا نزعت منه نعمة واحدة من النعم التي حازها أغلب الخلق و تعجزه إعاقته و رأيت حال باقي الخلق لأحسست بتلك الرحمة و أنظر للرحمة التي تكون في قلوب الأباء على أبنائهم كي لا يضيعوا و كلما كان الطفل أصغر كانت رحمة والديه و الأخرين به أعظم رغم أن عمره بينهم قصير لكن رحمة وضعها الله في قلوبهم يرحمه بها و أنظر للشهوة التي جعلها الله في قلوب الرجال و النساء لتكون عونا على المودة و الرحمة التي تبنى عليها البيوت السعيدة كيف أن الجسم يعرق في الحر ليلطف العرق درجة حرارته كيف أن الجسم يفرز إفرازات في الخطر تضاعف قوته ليستطيع النجاة كيف و كيف و كيف فالحديث طويل و بسطه يحتاج لمقام أخر و ذهن صافي و قلب حاضر و في ما ذكرنا كفاية و الله المستعان.

*** أما القراءات الأربعة عشر:
فاختلف في تفوت فحمزة والكسائي بتشديد الواو بلا ألف وافقهما الأعمش والباقون بتخفيفها بعد الألف لغتان كالتعهد والتعاهد وأدغم لام هل ترى أبو عمرو وحمزة والكسائي وهشام في المشهور عنه.اه
قال الفراء : وهما بمنزلة واحدة مثل تظهر وتظاهر ، وتعهد وتعاهد ، وقال الأخفش : { تفاوت } أجود لأنهم يقولون : تفاوت الأمر ولا يكادون يقولون : تفوت ، واختار أبو عبيدة : { تَفَوت } ، وقال : يقال تفوت الشيء إذا فات ، واحتج بما روي في الحديث أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله .
و قال أبو حيان: وحكى أبو زيد عن العربي : تفاوتاً بضم الواو وفتحها وكسرها ، والفتح والكسر شاذان.

*** قال في البحر : والظاهر أن قوله تعالى : { ما ترى } استئناف أنه لا يدرك في خلقه تعالى تفاوت ، وجعل الزمخشري هذه الجملة صفة متابعة لقوله : { طباقاً } ، أصلها ما ترى فيهن من تفاوت ، فوضع مكان الضمير قوله : { خلق الرحمن } تعظيماً لخلقهن وتنبيهاً على سبب سلامتهن من التفاوت ، وهو أنه خلق الرحمن ، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المناسب. انتهى.

*** التحرير : وجاءت جملة ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) تقريرا لقوله ( خلق سبع سماوات طباقا )
فإن نفي التفاوت يحقق معنى التطابق أي التماثل والمعنى : ما ترى في خلق الله السماوات تفاوتا . وأصل الكلام : ما ترى فيهن ولا في خلق الرحمن من تفاوت فعبر بخلق الرحمن لتكون الجملة تذييلا لمضمون جملة ( خلق سبع سماوات طباقا ) لأن انتفاء التفاوت عما خلقه الله متحقق في خلق السماوات وغيرها أي كانت السماوات طباقا لأنها من خلق الرحمن وليس فيما خلق الرحمن من تفاوت ومن ذلك نظام السماوات.
و فالقرآن يؤكد هذه الحقيقة و هى عظمة الخلق و خلوه من أدني خلل و كما أسلفنا من دَرَس علوم الدنيا أقر بذلك و سلم .
و ما أغبى من لا يقر بوجود الخالق و إذا أخبرته أمراته أن الطعام جاء وحده و طهى وحده اتهمها بالخبل فكيف لايرى هذا الأعمى هذا الكون الفسيح؟ و أي شيء يصح في الأذهان إذا أحتاج النهار إلى دليل؟ كيف يكون الكون على هذا القدر من الدقة و الحكمة و الإتقان بلا خالق له من الأسماء و الصفات ما نراه منعكسا في خلقه؟ بل كيف يتسني لعاقل أن يرى الإحكام المتناهي في الصنعة ثم يظن أنه خلق سدى ؟ هل يمكن أن يُظن أن الخالق خلق خلقة بغاية الإحكام و الإتقان من خلق أجزاء الذره و إلى خلق السموات و الأرض ثم تركهم هملا على أسوأ الصور يتظالمون و يتحاسدون و يتباغضون و يتقاتلون و يكفرون و يفسقون و يفجرون و لا يدبرهم بنفس الإحكام الذي خلق كل شيء به؟ أوليس هذاا بظن السوء بالله جل و علا؟

*** قال الرازى: الخطاب في قوله : { مَّا ترى } إما للرسول أو لكل مخاطب وكذا القول في قوله : { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا } .
و قال بن عاشور: والخطاب في قوله ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) وقوله ( فارجع البصر ) خطاب لغير معين .

*** قال في التحرير: وصيغة الأمر مستعملة في الإرشاد للمشركين مع دلالته على الوجوب للمسلمين فإن النظر في أدلة الصفات واجب لمن عرض له داع إلى الاستدلال .

*** قال في التحرير:التحرير:والتعبير بوصف ( الرحمن ) دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سببا لاختلال النظام فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق قال تعالى ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) وقال ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) .
وأيضا في ذلك الوصف انكار على المشركين إذ أنكروا اسمه تعالى ( الرحمن ) ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ) .

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 7:08 pm

*** ورجع البصر : تكريره والرجع : العود إلى الموضع الذي يجاء منه .
قال الرازى:ثم إنه تعالى أكد بيان كونها محكمة متقنة ، وقال : { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } والمعنى أنه لما قال : { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت } كأنه قال بعده : ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك بالبصر الواحد ، ولا تعتمد عليه بسبب أنه قد يقع الغلط في النظرة الواحدة ، ولكن ارجع البصر واردد النظرة مرة أخرى ، حتى تتيقن أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ألبتة .

*** "فطور":
1 - وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : هل ترى من فطور قال : شقوق وفي قوله : خاسئا قال : ذليلا وهو حسير قال : كليل .
قال مجاهد : الشقوق .
قال في البحر: قال الشاعر : بنى لكم بلا عمد سماء . . . وسوّاها فما فيها فطور
وقال أبو عبيدة : صدوع ، وأنشد قول عبيد بن مسعود :
شققت القلب ثم رددت فيه . . . هواك فليط فالتأم الفطور
قال الرازى: والفطور جمع فطر ، وهو الشق يقال : فطره فانفطر ومنه فطر ناب البعير ، كما يقال : شق ومعناه شق اللحم فطلع ، قال المفسرون : { هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } أي من فروج وصدوع وشقوق ، وفتوق ، وخروق ، كل هذا ألفاظهم .
قال بن عاشور : بن عاشور:والفطور : جمع فطر بفتح الفاء وسكون الطاء وهو الشق والصدع أي لا يسعك إلا أن تعترف بانتفاء الفطور في نظام السماوات فتراها ملتئمة محبوكة لا ترى في خلالها انشقاقا ولذلك كان انفطار السماء وانشقاقها علامة على انقراض هذا العالم ونظامه الشمسي قال تعالى ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) ( إذا السماء انشقت ) ( إذا السماء انفطرت )
2 - وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : من فطور قال : تشقق أو خلل .
3 - وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الفطور الوهي و عنه وهن.
4 - وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله : من فطور قال : من خلل و عنه خروق.
5 - وقال قتادة : خلل ، ومنه التفطير والانفطار.

*** قال أبو حيان: والجملة من قوله : { هل ترى من فطور } في موضع نصب بفعل معلق محذوف ، أي فانظر هل ترى ، أو ضمن معنى { فارجع البصر } معنى فانظر ببصرك هل ترى؟ فيكون معلقاً.

*** والبصر مستعمل في حقيقته والمراد به البصر المصحوب بالتفكر والاعتبار بدلالة الموجودات على موجدها والاستفهام في ( هل ترى من فطور ) تقريري ووقع ب ( هل ) لأن هل تفيد تأكيد الاستفهام إذ هي بمعنى " قد " في الاستفهام وفي ذلك تأكيد وحث على التبصر والتأمل أي لا تقنع بنظرة ونظرتين فتقول : لم أجد فطورا بل كرر النظر وعاوده باحثا عن مصادفة فطور لعلك تجده .

*** و التدبر الصحيح بإعمال العقل في معطيات الكتاب و السنة الصحيحة من أعظم ما يعين على فهم حقائق الكون و تخليص القلب من سلطان الحياة المادية التي تطغى علي عقل و قلب الإنسان فتلهيه و تكون سببا في غفلته عن أمر الأخرة.

*** و الأمر بإرجاع البصر جاء بعد التدبر الذي حدث من الرؤية الأولي ثم الأمر بإعادة النظر مرات و مرات الذى سيأتي في الآية التالية هو تحدى صريح لأهل الكفر و الإلحاد و سوء الظن بالله سبحانه و تثبيت عظيم لقلوب أهل الإيمان بالدليل الرباني الصريح على ألوهية الله و عظمته .
الدليل هو الخلق العظيم المحكم أعظم الإحكام تأملوا فيه ثم تأملوا فيه ثم أعيدوا ذلك مرات عديدة هل ترون من خلل؟ أليس هذا بدليل عظمة الخالق ؟
فأطلق بصرك و فكرك و عقلك هل ترى أدنى خلل ؟ أنك لترى الحيوانات التي لا تعقل بل الحشرات هديت لمنافعها و لها ناموس و سنه تحيا وفقها و هذا الأدنى من الخلق و الأعلى الإعجاز فيه أعظم.

*** و لو خلق الله سبحانه سماء واحدة على هذه الكيفية العظيمة التي نراها حيث أن السماء التي تعلونا و هي السماء الدنيا قال سبحانه في حقها "و لقد زينا السماء الدنيا بمصابيح و جعلناها رجوما للشياطين" و المصابيح هي النجوم و علماء الفلك يذكرون أن هناك من النجوم و الكواكب ما تبعد عن الأرض مسيرة الضوء في ملايين السنين فصدق الله سبحانه "و السماء بنيناها بأيد و إنا لموسعون" "فلا أقسم بمواقع النجوم و إنه لقسم لو تعلمون عظيم".
و الله سبحانه هو العليم هل هذه الأبعاد التي عجز العلم حتى الآن عن حصرها هي أبعاد السماء الدنيا أم يدخل فيها من باقي السماوات و الأظهر أنها من السماء الدنيا و الله أعلم.
و الخلاصة أنها لو كانت سماء واحده لكفت و لحصل بتدبر خلقها الاعتبار و لكنهن سبعا لا ترى في أيهن نقصا و لا خللا و الأرض التي نحيا عليها لا تزيد عن ذرة في هذا الكون الفسيح.

*** و المختار أن المعنى متغاير في ذكر التفاوت و الفطور فلا يوجد لا عدم تناسق و خلل و لا خرق و شق فلا الخلق في نفسه معيبا و لا هو في وسط الكون غير متناسب و هذا حق ظاهر و الله أعلم.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – من سبل العلم بالله سبحانه و تزكية النفوس تعلم أسماء الله سبحانه و صفاته إما على التفصيل و هو أعظم أو على الإجمال ثم النظر و التأمل في كون الله العظيم الفسيح و ربط العلم الأول بذلك التدبر الأخر فهذا يجعل الإنسان يفهم معاني الأسماء و الصفات و كيفية انطباقها على الواقع و يخرج تعظيم الله إلي فضاء الواقع و الدنيا لترى حقائق الكون عمليا أمامك.
2 – النظر في السماوات و في خلق الله بالنظر العادي و تدبر العلوم الحديث ثم إعادته بدقة و حرص هل ترى من تفاوت؟ بل لا ترى إلا الدقة و التناسق.
3 – إذا سلمت بالدقة و الإحكام في الخلق حيث لا يوجد أدنى أدنى عيب فأعلم أن هذا من أثار وجوده وكمال الله سبحانه و استدل بذلك على أن الأمر كله يدبر على مثل هذا النحو و أنه لا يليق بهذا الرب العظيم أن يترك عباده هملا أو يخلقهم سدى بل هم مربوبون مدبرون على نفس النحو من العظمة و الدقة التى خلقوا بها فسلم لله في أمره علمت الحكمة أم لم تعلمها فهى كائنة و لكنك قاصر الفهم و العلم و الإدراك بطبيعتك البشرية و سئل الله العافية .
4 – تدبر الرحمة في خلق المخلوقات و في الكيفيات التي خلقوا عليها و هذا من آثار اسمه الرحيم التي لا ينتبه إليها.
5 – أهمية التدبر.
6 – التحدى الحاصل بهذه الآية لأهل الإلحاد و الكفر و الشفاء الحاصل بها لقلوب أهل الإيمان من أمراض الشك و الوسوسة و سوء الظن بالله.


تفسير سورة الملك | الآية الرابعة
" ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ " الآية :4

*** قال في التحرير: وعطف ( ثم ارجع البصر كرتين ) دال على التراخي الرتبي كما هو شأن ( ثم ) في عطف الجمل فإن مضمون الجملة المعطوفة ب ( ثم ) هنا أهم وأدخل في الغرض من مضمون الجملة المعطوف عليها لأن إعادة النظر تزيد العلم بانتفاء التفاوت في الخلق رسوخا ويقينا .
قلت:و المعنى خذ وقتك في الرؤية و تأمل و تدبر و تأن و أرجع البصر ثم بعد ذلك أعد النظر مرات عديدة هل ترى من فطور؟
فليس المقصود مجرد نظر عابر و لا مشاهدة خاطفة بل تأمل حقيقي يستغرق الحواس تستفرغ فيه وسعك و يثبت لك عجزك عن إيجاد خلل في خلق الرحمن بأن يرتد إليك طرفك صاغرا ذليلا مجهدا كالا عاجزا أن يجد عدم تناسق أو خرق و هذا منه سبحانه تأكيد و تحدي عظيمان يعكسان دقة الخلق .
فالله سبحانه يعلمنا أن الخلق ليس به أدنى عدم تناسق أو خرق و أن التأمل النظر لإيجاد عيب فيه لن يفيد إلا أن يذل البصر و يعجز و يكل عن أيجاد خلل أو عيب.
فأبحث في خلق السماء و الأرض و الإنسان و الحيوان و النبات و استفرغ وسعك فلن ترجع إلا بالعجز و الإعياء أن تجد شيئا.

*** " ثُمَّ اْرجِعِ " : أمره برجع البصر ثم أمره بأن لا يقنع بالرجعة الأولى ، بل أن يتوقف بعدها ويجم بصره ثم يعيده ويعاوده إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من فطور .

*** " ثم ارجع البصر" :
1 - قال أبو حيان :أي ردده كرتين هي تثنية لا شفع الواحد ، بل يراد بها التكرار ، كأنه قال : كرة بعد كرة ، أي كرات كثيرة ، كقوله : لبيك ، يريد إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض ، وأريد بالتنثية التكثير ، كما أريد بما هو أصل لها التكثير ، وهو مفرد عطف على مفرد ، نحو قوله :
لو عدّ قبر وقبر كان أكرمهم . . . بيتاً وأبعدهم عن منزل الزام
يريد : لوعدت قبور كثيرة.
و قال : وهو كالّ من كثرة النظر- أى البصر - وكلاله يدل على أن المراد بالكرتين ليس شفع الواحد ، لأنه لا يكل البصر بالنظر مرتين اثنتين.
قال الرازى: و جواب السؤال:كيف ينقلب البصر خاسئاً حسيراً برجعه كرتين اثنتين؟ الجواب : التثنية للتكرار بكثرة كقولهم : لبيك وسعديك يريد إجابات متوالية .
قال بن عاشور: و ( كرتين ) تثنية كرة وهي المرة وعبر عنها هنا بالكرة مشتقة من الكر وهو العود لأنها عود إلى شيء بعد الانفصال عنه ككرة المقاتل يحمل على العدو بعد أن يفر فرارا مصنوعا . وإيثار لفظ كرتين في هذه الآية دون مرادفة نحو مرتين وتارتين لأن كلمة كرة لم يغلب إطلاقا على عدد الاثنين فكان إيثارها في مقام لا يراد فيه اثنين أظهر في أنها مستعملة في مطلق التكرير دون عدد اثنين أو زوج وهذا من خصائص الإعجاز ألا ترى أن مقام إرادة عدد الزوج كان مقتضيا تثنية مرة في قوله تعالى ( الطلاق مرتان ) لأن أظهر في إرادة العدد إذ لفظ مرة أكثر تداولا
وتثنية ( كرتين ) ليس المراد بها عدد الاثنين الذي هو ضعف الواحد إذ لا يتعلق غرض بخصوص هذا العدد وإنما التثنية مستعملة كناية عن مطلق التكرير فإن من استعمالات صيغة التثنية في الكلام أن يراد بها التكرير وذلك كما في قولهم " لبيك وسعديك يريدون تلبيات كثيرة وإسعادا كثيرا وقولهم : دواليك ومنه المثل " دهدرين سعد القين " " الدهدر الباطل أي باطلا على باطل أي أتيت يا سعد القين دهدرين وهو تثنية دهدر الدال مهملة في أوله مضمومة فهاء ساكنة فدال مهملة مضمومة فراء مشددة " . وأصله كلمة فارسية نقلها العرب وجعلوها بمعنى الباطل . وسبب النقل مختلف فيه وتثنيته مكنى بها عن مضاعفة الباطل وكانوا يقولون هذا المثل عند تكذيب الرجل صاحبه وأما سعد القين فهو اسم رجل كان قينا وكان يمر على الأحياء لصقل سيوفهم وإصلاح أسلحتهم فكان يشيع أنه راحل غدا ليسرع أهل الحي بجلب ما يحتاج للإصلاح فإذا أتوه بها أقام ولم يرحل فضرب به المثل في الكذب فكان هذا المثل جامعا لمثلين وقد ذكره الزمخشري في المستقصى والميداني في مجمع الأمثال وأطال
وأصل استعمال التثنية في معنى التكرير أنهم اختصروا بالتثنية تعداد ذكر الاسم تعدادا مشيرا إلى التكثير
وقريب من هذا القبيل قولهم : وقع كذا غير مرة أي مرات عديدة
فمعنى ( ارجع البصر كرتين ) عاود التأمل في خلق السماوات وغيرها غير مرة .
2 - وقال ابن عطية وغيره : { كرتين } معناه مرتين ونصبها على المصدر.
3 - وقيل : أمر برجع البصر إلى السماء مرتين ، غلط في الأولى ، فيستدرك بالثانية.
4 - وقيل : الأولى ليرى حسنها واستواءها ، والثانية ليبصر كواكبها في سيرها وانتهائها.
قلت : و سواء أريد بذكر الكرتين مرتين فهما مرتين عقب مرتين في الآية السابقة أو مرات عديدة فالمراد واحد و ظاهر و لله الحمد و المنة.

*** و الآية هنا تقرر أهمية نظر الاعتبار و التدبر للمؤمن فبه يعلم مقدار عظمة ربه و يؤثره و به و به تطهر القلوب و به مع العلم النافع تشفى من أمراض الشرك و الشك و الإنسان في حياتع اليومية يغفل كثيرا في طلب دنياه و قوته و منافعه و نحو ذلك لكن الوقوف مع النفس و الاعتبار يزيل تلك الغفلة و تلك الجفوة فهو نور لا بد له لمن أراد السلوك على الدرب.

*** قال في التحرير: والانقلاب : الرجوع يقال : انقلب إلى أهله أي رجع إلى منزله قال تعالى ( وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين) وإيثار فعل ( ينقلب ) هنا دون : يرجع لئلا يلتبس فعل ( ارجع ) المذكور قبله وهذا من خصائص الإعجاز نظير إيثار كلمة (كرتين).

*** قال أبو حيان: وقرأ الجمهور : { ينقلب } جزماً على جواب الأمر؛ والخوارزمي عن الكسائي : يرفع الباء ، أي فينقلب على حذف الفاء ، أو على أنه موضع حال مقدرة ، أي إن رجعت البصر وكررت النظر لتطلب فطور شقوق أو خللاً أو عيباً ، رجع إليك مبعداً عما طلبته لانتفاء ذلك عنها .

*** "خاسئا":
1 - وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { ينقلب إليك البصر خاسئاً } قال : يرجع إليك { خاسئاً } قال : صاغراً
2 - وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { خاسئاً } قال : ذليلاً
3 – قال الرازى: خاسئاً أي مبعداً من قولك خسأت الكلب إذا باعدته ، قال المبرد : الخاسيء المبعد المصغر ، وقال ابن عباس : الخاسيء الذي لم ير ما يهوى .
4 - والخاسئ : الخائب أي الذي لم يجد ما يطلبه .
5 - و في لسان العرب:
( خسأ ) الخاسِئُ من الكِلاب والخَنازِير والشياطين البعِيدُ الذي لا يُتْرَكُ أَن يَدْنُوَ من الإِنسانِ والخاسِئُ المَطْرُود وخَسَأَ الكلبَ يَخْسَؤُه خَسْأً وخُسُوءاً فَخَسَأَ وانْخَسَأَ طَرَدَه قال كالكَلْبِ إِنْ قِيلَ له اخْسَإِ انْخَسَأْ أَي إِنْ طَرَدْتَه انْطَرَدَ الليث خَسَأْتُ الكلبَ أَي زَجَرْتَه فقلتَ له اخْسَأْ ويقال خَسَأْتُه فَخَسَأَ أَي أَبْعَدْتُه فَبَعُد وفي الحديث فَخَسَأْتُ الكلبَ أَي طَرَدْتُه وأَبْعَدْتُه والخاسِئُ المُبْعَدُ ويكون الخاسِئُ بمعنى الصاغِرِ القَمِئِ وخسَأَ الكلبُ بنَفْسِه يَخْسَأُ خُسوءاً يَتعدَّى ولا يتعدّى ويقال اخْسَأْ اليك واخْسَأْ عنِّي وقال الزجاج في قوله عز وجل قال اخْسَؤوا فيها ولا تُكَلِّمُونِ معناه تَباعُدُ سَخَطٍ وقال اللّه تعالى لليهود كُونوا قِرَدةً خاسِئين أَي مَدْحُورِين وقال الزجاج مُبْعَدِين .
وخَسَأَ بصَرُه يَخْسَأُ خَسْأً وخُسُوءاً إِذا سَدِرَ- قلت : أي تحير - وكَلَّ وأَعيا وفي التنزيل « يَنْقَلِبْ اليكَ البَصَرُ خاسِئاً وهُو حَسِير » وقال الزجاج خاسِئاً أَي صاغِراً منصوب على الحال وتخاسَأَ القومُ بالحجارة تَرامَوْا بها وكانت بينهم مُخاسأَةُ.
قلت (شريف): فمعنى الخاسئ المُبعد ، المطرود ،المزجور، الصاغر ، المدحور و المتحير الكال و الأقرب هنا للمعنى أنه الصاغر الذليل.

*** "حسير":
1 - والحسير : الكال ، قال الشاعر :
لهن الوجى لم كر عوناً على النوى . . . ولا زال منها ظالع وحسير
يقال : حسر بعيره يحسر حسوراً : أي كلّ وانقطع فهو حسير ومحسور ، قال الشاعر يصف ناقة :
فشطرها نظر العينين محسور . . .
أي : ونحرها ، وقد جمع حسير بمعنى أعيا وكل ، قال الشاعر :
بها جيف الحسرى فأما عظامها . . .
البيت.
2 - وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { وهو حسير } قال : يعي ولا يرى شيئاً .
3 - وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وهو حسير } قال : مترجع .
4 – قال الرازى: وأما الحسير فقال ابن عباس : هو الكليل ، قال الليث : الحسر والحسور الإعياء ، وذكر الواحدي ههنا احتمالين أحدهما : أن يكون الحسير مفعولاً من حسر العين بعد المرئي ، قال رؤبة :
يحسر طرف عيناه فضا ...
الثاني : قول الفراء : أن يكون فاعلاً من الحسور الذي هو الإعياء ، والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاده فإنه لا يجد عيباً ولا فطوراً ، بل البصر يرجع خاسئاً من الكلال والإعياء.
5 – قال بن منظور في لسان العرب :
وحَسِرَتِ العين كَلَّتْ وحَسَرَها بُعْدُ ما حَدَّقَتْ إِليه أَو خفاؤُه يَحْسُرُها أَكَلَّها قال رؤبة يَحْسُرُ طَرْفَ عَيْنِه فَضاؤُه وحَسَرَ بَصَرُه يَحْسِرُ حُسُوراً أَي كَلَّ وانقطع نظره من طول مَدًى وما أَشبه ذلك فهو حَسِير ومَحْسُورٌ قال قيس بن خويلد الهذلي يصف ناقة إِنَّ العَسِيرَ بها دَاءٌ مُخامِرُها فَشَطْرَها نَظَرُ العينينِ مَحْسُورُ العسير الناقة التي لم تُرَضْ ونصب شطرها على الظرف أَي نَحْوَها وبَصَرٌ حَسير كليل وفي التنزيل ينقلب إِليك البصر خاسئاً وهو حَسِيرٌ قال الفراء يريد ينقلب صاغراً وهو حسير أَي كليل كما تَحْسِرُ الإِبلُ إِذا قُوِّمَتْ عن هُزال وكَلالٍ وكذلك قوله عز وجل ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً قال نهاه أَن يعطي كل ما عنده حتى يبقى محسوراً لا شيء عنده قال والعرب تقول حَسَرْتُ الدابة إِذا سَيَّرتها حتى ينقطع سَيْرُها وأَما البصر فإِنه يَحْسَِرُ عند أَقصى بلوغ النظر.
قلت(شريف): فالحسير :
1 - الكليل وهو كلل ناشئ عن قوة التأمل والتحديق مع التكرير أي يرجع البصر غير واجد ما أغري بالحرص على رؤيته بعد أن أدام التأمل والفحص ووصل لأقى بلوغ النظر حتى عيي وكل .
2 – عاجزا.

*** و المشاهد للخلق يجد دقة عجيبة في الخلق و إعطاء كل مخلوق ما يناسبه حتى تستقيم حياته فالطفل يولد لا يقدر على أى شيء فيغرس الله في قلوب أهله ما تقوم به حياته و النبات له جذور تضرب في الأرض و تنمو لتصل للماه التي بها قوامة و الأنف بها شعيرات تنقى الهواء من الأربة استعدادا لدخوله للرئتين لتتم الاستفادة منه و المعدة مزوده بحامض يذيب الطعام كي ينتفع الجسم به و الجسد حال المرض يتكاتف و ترتفع درجة حرارته و قد يشعر بالألم إيذانا لصاحبه بوجود خطر .
و هذا قطرة من بحر مما يعلمه كل واحد منا فكيف بالله يُجحد وجود الله ؟ أو كيف تنكر دقة صنعته؟ و كيف لا يستدل بها على كماله و عظمته؟

*** و هذا جزاء من يحاول أن يجد التناقض و الخلل في دين الله أن يعجز و يصغر و يكل دون هذا الأمر و هناك المعذور كالذى ينظر ليعرف الحق و يدخل في دين الله على بصيرة و هناك المذموم من أئمة الكفر الذين يحاولون الطعن في الدين ليل نهار فلا يجدون إلا الأكاذيب و الافتراءات و الأباطيل المختلقة فيقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم و يضلون أتباعهم على بصيرة و في الحقيقة هم قد وقفوا عاجزين أذلاء أعياهم الكد عن أن يجدوا في هذا الدين عيبا واحدا.

*** و في اتحاف الفضلاء: وأبدل خاسئا ياء مفتوحة الأصبهاني وأبو جعفر.

*** الفوائد العملية في الأية:
1 – النظر و التأمل في الخلق لترى دقة الصنعة و تعجز و تكل عن إيجاد خلل فتستدل بذلك على وجود الرب و عظمته البالغة و تستدل من إحكام خلقه على إحكام تدبيره و ملكه أمره كله سبحانه.
2 – أهمية التأمل مع العلم النافع في إحياء القلوب و تخليصها من غفلتها و ظلمتها و شفاءها من أمراضها .
3 - جزاء من يحاول أن يجد التناقض و الخلل في دين الله .


تفسير سورة الملك | الآية الخامسة
" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ " الأية : 5

*** انتقل من دلائل انتفاء الخلل عن خلقه السماوات إلى بيان ما في إحدى السماوات من إتقان الصنع فهو مما شمله عموم الإتقان في خلق السماوات السبع وذكره بعض أفراد العام كذكر المثال بعد القاعدة الكلية فدقائق السماء الدنيا أوضح دلالة على إتقان الصنع لكنها نصب أعين المخاطبين ولأن من بعضها يحصل تخلص إلى التحذير من حيل الشياطين وسوء عواقب أتباعهم .

*** قال في التحرير: وتأكيد الخبر ب ( قد ) لأنه إلى أنه نتيجة الاستفهام التقريري المؤكد ب ( هل ) أخت ( قد ) في الاستفهام .

*** " السماء الدنيا ":
هي السماء الأولى و سميت كذلك لأنه أقرب ما يكون للأرض من السموات فالدنو أمر نسبي و الله أعلم و سيأتي في كلام الدكتور النجار تعريف السماء و التعليق عليه.

*** " بمصابيح " :
أي بنجوم مضيئة كالمصابيح والمصابيح السرج سميت بها الكواكب قال تعالى :"إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب" ، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح ، فقيل : ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة .
وسميت النجوم هنا مصابيح على التشبيه على حسن المنظر فهو تشبيه بليغ وذكر التزيين إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال أي زيناها لكم مثل الامتنان في قوله ( ولكم فيها جمال ) في سورة النحل .
والمقصد : التخلص إلى ذكر رجم الشياطين ليتخلص منه إلى وعيدهم ووعيد متبعيهم .
وعدل عن تعريف ( مصابيح ) باللام إلى تنكيره لما يفيده التنكير من التعظيم.
و المصابيح هنا هي ما يتراءى في السماء من النجوم و الكواكب.

*** يقول أحد الأفاضل و هو مهندس مسلم:
وهنا يتجلى قول الله تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) [الحجر: 16-17]. فهذه الآيات العظيمة تتطابق بشكل مذهل مع الحقائق العلمية، فالسماء تبدو لنا بواسطة المراصد العملاقة بألوان زاهية وكأن المجرات تزينها! والسماء تحوي بروجاً كونية مثل النسيج الكوني الذي يزين السماء وهو عبارة عن بلايين المجرات التي تصطف وفق مشهد مهيب وبديع يشهد على عظمة الخالق تبارك وتعالى. وقد حفظ الله هذه السماء بواسطة ملاين الشهب التي تصطدم يومياً مع غلاف الأرض (سماء الأرض) وتحترق وتحرق معها الشياطين الذين يحاولون الصعود خارج الأرض.
*** قال سبحانه "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" فآثار اسمه الرحمن تظهر في خلقه فهنا منة و رحمة بأهل الدنيا بأن زين لهم دارهم التي هي الدنيا بل في كل يوم تجد السماء ترسم فيها لوحات من أعظم ما يكون في الإبداع و الجمال و لا يزال منظر الشروق و الغروب ملهما للشعراء و الأدباء.
فالله الرحيم الكريم أحكم خلقه و أتقنه و رحم عباده فلم يعطهم و ييسر لهم فقط ما يتم به معاشهم بل ما يزين دنياهم و ليس فقط ما يزين حياتهم بل ما يزين الأرض التي يحيون عليها و هذا مظهر واحد مما لا يحصى من مظاهر رحمته التي قلما ينتبه إليها.

*** هذا خلق الله و هذا ملكه خلق الموت و الحياة و السماوات سبع طباقا و زينهم بالكواكب سبحان الله ما أتمها من زينة و أروعها
و إذا كانت هذه زينته لسماء الدنيا التي لا تساوى عنده جناح بعوضة فكيف بثوابه و جنته و كرامته لأولياءه؟
يقول الله سبحانه في الحديث القدسي:" يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي ! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي ! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي ! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر"
و قال صلى الله عليه و سلم : "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا و ما فيها و لقاب قوس أحدكم أو موضع قده في الجنة خير من الدنيا و ما فيها و لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا و لأضاءت ما بينهما و لنصيفها على رأسها خير من الدنيا و ما فيها" صححه الألباني .
فتأمل كيف زينها الله حتى أن حجابها خير من الدنيا و ما فيها.
و قال صلى الله عليه و سلم :"الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون" صححه الألباني .
‏فهذه خيمة فما بالك بالقصور.
و قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا فَيَقُولُ اللهُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اذْهَب فَادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيَها فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اذْهَب فادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا.

*** و من نظر نظرا أوليا إلى عظيم زينة السماء بتلك المصابيح المتلألئة وجد البون الشاسع بين قدرة الله و قدرة البشر و من علم من علوم الدنيا ما عرفوه إلى الآن عن هذا العالم لخضع و ذل و انكسروا و ما علموا إلا قليلا من العلوم فكل علومهم حتى الآن إنما هي عن طريق الرصد بالمناظير أو مراقبة الإشعاعات و الموجات و نحوها فما بالك لو غاصوا في أعماق هذا الكون و عاينوا أجزاءه ماذا سيجدون؟
و قطر الجزء المدرك من الكون أربعة و عشرون ألف مليون سنة ضوئية و هذا قطره و ليس مساحته فما بالك بالجزء غير المدرك من الكون و الكون المدرك لا يدركون كل ما فيه و لا حتى جُله و لا نصفه بل يعلمون عنه القشور الذي ينبغي أن يجعلهم ينكسرون و يخضعون لله العظيم.

*** قال أبو حيان: ومصابيح مطلق الأعلام ، فلا يدل على أن غير سماء الدنيا ليست فيها مصابيح.
و قال الرازي: اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب مركوزة في السماء الدنيا ، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها ، فهي لا بد وأن تظهر في السماء الدنيا وتلوح منها ، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة بهذه المصابيح .
قلت : أما أن السماء الدنيا هي التي اختصت بالنجوم و الكواكب أو أنها تقع خارجها أو بعضها في داخلها و البعض الأخر خارجها فهذا مما لا أعلم فيه شيئا من الوحي و مثله لا يقال بالظن بل لا بد فيه من نقل صحيح أو أثارة من علم فالدليل هنا يحتمل الوجهان و لكن سواء كانت تلك الكواكب و النجوم مركوزة في السماء الدنيا أو كانت في السماوات الأخرى فالرسالة قد وصلت و هي عظيم خلق الله و صنعه و أنه سبحانه على كل شيء قدير و ما هذا الكون المرئي إلا يسير في الكرسي و العرش أعظم و هذا الكون المرئي فاق في حده كل خيال و الله أعلم بما لا ندركه و لا نراه و لو أراد الله سبحانه أن يخلق ملايين و بلايين الأضعاف المضاعفة لهذا خلقه و فوق ذلك فلا حد لقدرته سبحانه هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يعيها كل موحد بالله سبحانه و صدق الله سبحانه " والسماء بنيناها بأيد و إنا لموسعون " .

*** " وجعلناها رجوماً للشياطين " :
الضمير في جعلناها إما يعود على السماء أو يعود المصابيح و توجية الأول: جعلنا منها ، لأن السماء ذاتها ليست يرجم بها الرجوم قاله أبو حيان.
والظاهر عوده على مصابيح ونسب الرجم إليها ، لأن الشهاب المتبع للمسترق منفصل عنها ، والكوكب قارّ في ملكه على حاله.
فالشهاب كقبس يؤخذ من النار ، والنار باقية لا تنقص.
قال بن عاشور: وضمير الغائبة في ( جعلناها ) المتبادر أنه عائد إلى المصابيح أي أن المصابيح رجوم للشياطين
ومعنى جعل المصابيح رجوما جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) وقول العرب : قتلت هذيل رضيع بني ليث تمام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .
وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في ( جعلناها ) عائد إلى ( السماء الدنيا ) على تقدير : وجعلنا منها رجوما إما على حذف حرف الجر وإما على تنزيل المكان الذي صدر منه الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه قوله تعالى ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) في سورة البقرة ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعا إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) وقصتها هي المشار إليها بقوله ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) فالتقدير : فجعلنا منها أي من القرية نكالا وهم القوم الذين قيل لهم ( كونوا قردة خاسئين ).

*** "رجوما للشياطين":
1 - الرجوم جمع رجم ، وهو مصدر سمي به ما يرجم به تسمية للمفعول بالمصدر مثل الخلق بمعنى المخلوق في قوله تعالى ( هذا خلق الله ) و الشياطين هم مسترقو السمع ، وأن الرجم هو حقيقة يرمون بالشهب.
قال تعالى : "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)" [الصافات : 6 - 10]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَخْبَرَنِى رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ : بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رُمِىَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِىَ بِمِثْلِ هَذَا؟ ».
قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالُوا : كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ مَاتَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« فَإِنَّهَا لاَ تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ فَيَسْتَخْبِرُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيُلْقُونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنَّهُمْ يَقْذِفُونَ فِيهِ ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ.
وقال قتادة : خلق الله تعالى النجوم زينة للسماء ورجوماً للشياطين ، وليهتدي بها في البر والبحر؛ فمن قال غير هذه الخصال الثلاث فقد تكلف وأذهب حظه من الآخرة.
والذي جعل رجوما للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة ثم تلوح منقظة وتسمى الشهب
2 - معنى رجوماً : ظنوناً لشياطين الإنس ، وهم المنجمون ينسبون إلى النجوم أشياء على جهة الظن من جهالهم ، والتمويه والاختلاق من أزكيائهم ، ولهم في ذلك تصانيف تشتمل على خرافات يموهون بها على الملوك وضعفاء العقول ، ويعملون موالد يحكمون فيها بالأشياء لا يصح منها شيء.
قلت (شريف): و باقي الآية مع الأثار المروية يرجح التفسير الأول.

*** قال الرازي : فإن قيل : جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها وجعلها رجوماً للشياطين ورميهم بها يقتضي زوالها والجمع بينهما متناقض ، قلنا : ليس معنى رجم الشياطين هو أنهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى الشياطين بها ، وتلك الشعل هي الشهب ، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار باقية.

*** منافع النجوم:
1 - أن الله تعالى زين السماء بها .
2 - ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء ، ولذلك فإنه إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة ، وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها .
3 - ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، على ما قال تعالى : { وعلامات وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } [ النحل : 16 ]
4 - ومنها أنه تعالى جعلها رجوماً للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر .

*** وأصل ( اعتدنا ) أعددنا أي هيأنا قلبت الدال الأولى تاء لتقارب مخرجيها ليأتي الإدغام طلبا للخفة والضمير في لهم عائد على الشياطين.
و تأمل أن الله سبحانه العظيم أعد لهم هذا العذاب قال تعالي " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15)"
فهذا هو الهلاك الحقيقي و الشقاء الحقيقي و إن ما في الدنيا من شر إنما هو قليل قليل مقارنة بهذا الأمر الجسيم قال تعالى :"و من يحلل عليه غضبي قفد هوى".

*** قال المبرد : سعرت النار فهي مسعورة وسعير كقولك : مقبولة وقبيل .
قال البخارى في الصحيح: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :" ثُبُورًا "وَيْلًا وَقَالَ غَيْرُهُ السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ وَالتَّسَعُّرُ وَالْاضْطِرَامُ التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ.
قال بن عاشور:والسعير : اسم صيغ على مثال فعيل بمعنى مفعول من : سعر النار إذا أوقدها وهو لهب النار أي أعددنا للشياطين عذاب طبقة أشد طبقات النار حرارة وتوقدا فإن جهنم طبقات .
قلت :و تسمية الله سبحانه النار بالسعير تعظيم لأمر نارها و حرارتها و إحراقها و هذا التعظيم صدر من الله العظيم الذي نظرنا في خلقه و ملكه فرأينا أنا لا نطيق تقدير عظمته و جلاله و ملكه.
و هذا جزاء الشياطين في الدنيا شهب محرقة و في الآخرة نار موقدة و الذي بنى السماء على هذه الكيفية الهائلة التي تفوق الخيال هو الذي أعد لهم النار فكيف سيكون حالها؟ و من الذى يطيقها؟ اللهم أجرنا منها .

*** و الشياطين تعذب بالنار مع أنه خلقت منها كما أن الإنسان خلق من طين و هو يتلوث به لو أصابه و يتأذى به و يصاب لو قذف به و لو قذف بطين متحجر ضره ذلك و ربما قتله.

*** واحتج بالأية على أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية ، لأن قوله : { وَأَعْتَدْنَا } إخبار عن الماضي .
و استدل أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رآها بعيني رأسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء » رواه البخارى.
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الجنة نادى جبريل فقال له: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها!! فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فلما رجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد!! قال: ثم أرسله إلى النار قال: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها!! فأمر بها فحفت بالشهوات. ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر فيها فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها.
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن النار اشتكت إلى الله سبحانه وتعالى فقالت: [يا رب! أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين، نفساً في الشتاء، ونفساً في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها] .
وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه [إذا جاء رمضان فُتِحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين] (متفق عليه).

*** يقول أهل الفلك أن الشهاب لا يحترق فيعطى ذلك الضوء المعروف إلا إذا اخترق الغلاف الجوى و النكتة هنا أن الشياطين قدرتهم محدودة فلم يتجاوز صعودهم في السماء إلا قدرا يسيرا بالنسبة إلى هذا الملكوت العظيم ثم يمنعون من التصنت و الله أعلم .
و هل الصعود إلى هذه المسافة يجعل الإنسان قادرا على سماع كلام الملائكة ؟ الله أعلم فربما كان ذلك خاصا بالجن و لا ينطبق على الإنس و ربما انطبق.

*** و العجيب أن العلم الحديث يكشف حقائق أغرب من أبعد التصورات و الخيالات و قد كان الناس في الماضي يتعاملون مع أمور على أنها مسلمات ثم جاءت الحقائق العلمية فأثبتت غير ذلك و نسفت بنيانهم من قواعده و سبحان الملك ما كان في زمن من الأزمنة يعتبر من علوم الصفوة ثبت خطئه و أصبح الأطفال في المدارس يعلمون من الحقائق الثابتة ما يزيد عليه بكثير لذلك فأنا لا أريد أن أضع في هذا التفسير ظنونا و لا أوهاما إنما سأقتصر على بعض الإشارات و التنبيهات ثم النقولات عن علماء مسلمين معاصرين في علوم الدنيا.
أولا : في اللغة العربية يذكر العدد لإرادة التكثير، ويعبرون عنه بأنه عدد لا مفهوم له، وهذا كما تقول لصديقك: زرتك ألف مرة ولم تزرني فأنت لا تريد ألفاً بعدده، وإنما تريد زرتك مرات كثيرة فما ورد من تحديد لأبعاد السماوات و نحوها يحمل على هذا الأمر و لا أعلم ما يخلو سنده من مطعن و لكن على افتراض الصحة و ذلك أن عقول الخلق و علومهم في فترة نزول الوحي كانت لا تطيق معرفة ذلك إلا على وجه الإجمال الذي ذكر لهم و الله أعلم .
و قد يحمل العدد على أنه يقطع بوسائل مواصلات لا نعلمها و لم تكن العقول لتدركها زمان نزول الوحي.
و هناك وجة بعيد و هو ما ذكره علماء الفلك من أن الكون لا يزال في اتساع و تباعد بما يقارب سرعة الضوء فيحتمل أن هذه الأحجام كانت وقت نزول الوحي.
ثانيا: يلاحظ الاختلاف بين الاصطلاحات الفلكية و التي يتربى عليها الأطفال في المدارس فأصبح الصغير و الكبير لا يتبادر إلى ذهنه إلا هى و معاني اللغة العربية التي نزل بها القرآن فلا يشترط أن تكون النجوم المذكورة في القرآن الكريم هي عينها ما اتفق عليه اصطلاح الفيزيائيين حديثاً بأنها ذلك الجرم الكوني الضخم الغازي المضيء بذاته كالشمس بعكس سائر الأجرام المعتمة كالكواكب والأقمار.
و الكوكب لا يلزم أن يكون كالأرض و ليس نجما كالشمس بل لغويا الكوكب ينطبق على النجم ففي القاموس المحيط: الكَوْكَبُ : النَّجمُ كالكَوْكَبَةِ وبياضٌ في العَيْنِ و قال بن منظور :و قال ابن سيده وغيره الكَوْكَبُ والكَوْكَبةُ النَّجْم كما قالوا عَجوزٌ وعَجوزة وبَياضٌ وبَياضةٌ قال الأَزهري وسمعت غير واحد يقول للزُّهَرة من بين النُّجوم الكَوْكَبةُ يُؤَنثونها وسائرُ الكَواكِب تُذَكَّر فيقال هذا كَوكَبُ كذا وكذا.اه
فأنظر هنا إلى أنهم لم بفرقوا بين النجم و الكوب بالاصطلاح الفلكي بل عدوا كل منهما كوكبا.
ثالثا: اختلف الناس في معنى سبع سماوات طباقا فمنهم من قال بانها سبع سموات طباقا , الواحدة فوق الاخرى ومنهم من قال هن سبع سماوات بسبع عوالم كعالمنا وكل عالم منها له شمسه وكواكبه وكذلك بالنسبة للارض فمنهم من قال بانها سبع اراض , الواحدة فوق الاخرى ومنهم من قال هن سبع أراض كأرضنا.
و الأظهر أن بعضها على بعض قال تعالى: "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ".
فلا يكون القمر فيهن بالجمع للسماوات السبع إن لم تكن الطبقات سماء داخل الأخرى وداخلها جميعا سمائنا الدنيا التى فيها القمر.
رابعا :استدل البعض بقوله تعالى : "ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه " ( الحج 65) أن السماء هنا كافة الأجرام السماوية وليس البعض منها فقط .
خامسا : قد يأتي العلم بما يخالف ما تصوره الناس و ألفوه و لكنه لا يأتي بما يخالف نصوص الوحيين الثابتة التي لا مطعن فيها و لا مجال فيها لتفسير أخر و قد يأتي العلم بتفصيل ما علمه الناس على وجه الإجمال أو ظنوه على وجه من الوجوه فيظهر على غيره و الله أعلم و لو وجدنا مخالفة بين العلم و الوحي فنعلم أنه إما أن هذا العلم قاصر أو مجرد نظرية خاطئة أو مخطئ أو أننا فهمنا نص الوحي خطأ و ليس ذلك من باب التكلف و لكنه من باب تصديق المئات الأدلة المتظاهرة القوية على صدق النبي صلى الله عليه و سلم و لله الحمد أنا لا أعلم ما فيه مثل هذا الخلاف.
و الآن لنبحر سويا في أقوال أهل علوم الدنيا من أخر اكتشافات العلم الحديث في زماننا حول الكون و السماء و قد أختصرت كثيرا من هذا الكلام المختصر أصلا حتى لا يطول السرد.
1 – يقول د. حسني حمدان (أستاذ علوم الأرض في جامعة المنصورة):
والشمس تنطلق طاقة من سطحها الخارجي مقدارها 000.580 مليون مليون مليون حصان.
ويقول الدكتور/ منصور حسب النبي الثمن الذي يلزم علينا نحن سكان الارض أن ندفعه نظير ماتمدنا به الشمس من ضوء وحرارة بحوالي مليون مليون جنيه في الساعة الواحدة وصدق الله حيث يقول: "وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها" النحل: اية .18
2 - يقول المهندس : مراد عبد الوهاب الشوابكه (قسم الهندسة الكهربائية / هندسة الإتصالات )
وفي هذا البناء الكوني العجيب من الأجرام السماوية والمجرات بنجومها وكواكبها أعداد هائلة يصل عددها إلى أكثر من 120 مليار في الكون المعلوم و في كل واحدة منها مليارات النجوم والأجرام السماويّة وللمجرات كما تعلمون أشكال مختلفة وأبعاد هندسيّة وأقطار هائلة وإليكم بعض الأمثلة بالأرقام:
(1) مجرة درب التبانة(Milky Way Galaxy):
قطر المجرّة = 100 ألف سنة ضوئية ( السنة الضوئية = 9.46 تريليون كيلومتر)
100.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 946000 تريليون كيلومتر
بعد الأرض عن مركز المجرة = 25 ألف سنة ضوئية
25000 × 9.46 تريليون كيلو متر = 236500 تريليون كيلومتر.
(2) مجرَّة (NGC 4258) :
قطر المجرة = 131 ألف سنة ضوئية
131000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 1239260 تريليون كيلومتر
بعد المجرة عن الأرض ( نقطة إنطلاق الجن والإنس ) = 25 مليون سنة ضوئية
25.000.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 236.500.000 تريليون كيلومتر.
(3) مجرّة ( M87) :
قطر المجرة = 120 ألف سنة ضوئية
120.000 × 9.46 تريليون كيلومتر=1135200 تريليون كيلومتر
بعد المجرة عن الأرض ( نقطة إنطلاق الجن والإنس ) = 50 مليون سنة ضوئية
50.000.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 473.000.000 تريليون كيلومتر.
(4) مجرّة(Andromeda)
قطر المجرّة = 200 ألف سنة ضوئية
200.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 1892.000 تريليون كيلومتر
بعد المجرة عن الأرض ( نقطة إنطلاق الجن والإنس ) = 2 مليون سنة ضوئية
2.000.000 × 9.46 تريليون كيلومتر = 18920000 تريليون كيلومتر.
وهنالك الكثير من الارقام التي لا تتسع لها شاشة الجهاز الله أعلم بها !!!...
وعادة تكون آلاف من هذه المجرات متقاربة بحيث تشكل تجمعات عنقودية
(clusters ) يبلغ قطرها أكثر من 10 ملايين من السنين الضوئية.
وهناك أيضاً تجمعات عملاقة (superclusters) من المجرات محبوكة مع بعضها بأوتار وخيوط دقيقة ( Filaments) وتشكل منها نسيجاً رائعاً محبوكاً بعنايةٍ إلهية خارقة شأنها شأن السماء كلها قال تعالى:(( والسماء ذات الحُبُك )).
ومن أمثلة هذا التجمعات العملاقة ما يعرف بالحائط العظيم (Great Wall ) حيث تصل أبعاده إلى 200 مليون سنة عرضاً و 500 مليون سنة طولاً.
والآن أريد أن أسألكم سؤالاً : لو أن البشرية كلها بقوتها وتقنيتها أرادت أن تنفذ وتخرج من مجرّة درب التبانة فقط ولا نريد أن نتحدث عن غيرها هل إلى ذلك من سبيل ؟
هَبْ أن العلم أمكنهم من صنع مركبة تسير بسرعة الضوء وأمتطوا صهوتها هل سيسيرون في هذا المسار لمدة 25 ألف سنة وهو بعد مركز المجرة عن أرضنا
ومن هو هذا الكائن الذي يمتلك هذا العمر السحيق...؟!
ولو أنَّ لكائن ما هذا العمر، فمن أين لمركبته الخارقة الوقود الذي يسيرها على مدى هذه الآلاف والملايين والمليارات من السنين وليست السنين العادية بل السنين الضوئية...؟!
فعلى سبيل المثال أطلقت وكالة ناسا NASA عام 1980م رحلة voyager تحتوي على مركبتين وأطلقوا على هذه المهمة (The Interstellar Mission)، فمثلاً إحدى هاتين المركبتين (voyager 1) تتميز بسرعة هائلة، ولتقريب هذه السرعة إلى الأذهان فإنها تقطع المسافة بين لوس أنجيليس ونيويورك في أقل من أربع دقائق(قلت :يعني من شرق قارة أمريكا الشمالية إلى غربها) فلك أن تتخيل سرعتها، وهي مزودة ببطارية نووية طويلة الأمد، ولكن موضع الشاهد هنا " ينتهي عمر البطارية بحلول عام 2020 " وهي ماقطعت إلا جزءاً يسيرا من سنة ضوئية واحدة.
فبالله عليكم كيف لو أرادت البشرية بعلمها وتقنيتها أن تخترق ما يسميه العلماء اليوم بالحائط العظيم (Great wall) طولاً أو عرضاً ولديهم المركبة الضوئية التي تقطع 9.46 تريليون كيلومتر في ثانية واحدة من أين لأحدهم هو ومركبته الخارقة هذا العمر الخيالي ( 200 مليون سنة أو 500 مليون سنة ).......؟!
3 – يقول الدكتور منصور العبادي (جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية):
يقدر العلماء بشكل تقريبي عدد المجرات في الكون المشاهد بمائة بليون مجرة وتحتوي كل مجرة في المتوسط على مائة بليون نجم وما يتبع هذا النجم من كواكب وأقمار ويبلغ متوسط المسافة بين مجرتين متجاورتين 25 بليون بليون كيلومتر أو ما يعادل 2.5 مليون سنة ضوئية أما متوسط المسافة بين نجمين متجاورين فتبلغ في المتوسط سنتين ضوئيتين أو ما يعادل 20 ألف بليون كيلومتر وأما المسافة بين الكواكب المتجاورة فتقاس بعشرات الملايين من الكيلومترات وصدق الله العظيم القائل "فلا أقسم بمواقع النجوم وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم" الواقعة 75-76.
أما السرعات التي تتحرك بها هذه الأجرام في الفضاء فهي في غاية الضخامة فعلى سبيل المثال فإن الأرض تدور حول الشمس بسرعة 108 آلاف كيلومتر في الساعة والشمس تدور حول مركز المجرة يسرعة 800 ألف كيلومتر في الساعة أما المجرة فتندفع في خط مستقيم بسرعة تزيد عن مليوني كيلومتر في الساعة.
4 – يقول د. زغلول النجار في معرض بيان الإعجاز في قوله سبحانه "يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات و الأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان"
(أقطار‏):‏ قطر كل شكل وكل جسم الخط الواصل من أحد أطرافه إلي الطرف المقابل مرورا بمركزه‏.‏
قلت (شريف ):هذا التعريف الهندسي أما اللغوى فهو الناحية كما ورد في القاموس المحيط و مختار الصحاح و هو الشق كما ورد في المحيط في اللغة و الأخير لا يخالف التعريف الهندسي.
قال

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 7:15 pm

قال بن منظور: والقُطْر بالضم الناحية والجانب والجمع أَقْطار وفي التنزيل العزيز من أَقطار السموات والأَرض أَقطارُها نواحيها واحدها قُطْر وكذلك أَقتارُها واحدها قُتْرٌ قال ابن مسعود لا يعجبنك ما ترى من المرء حتى تنظر على أَيِّ قُطْرَيْه يقع أَي على أَي شِقَّيه يقع في خاتمة عمله أَعلى شق الإِسلام أَو غيره وأَقطارُ الفَرَس ما أَشرف منه وهو كاثِبَتُه وعَجُزُه وكذلك أَقطار الخيل والجمل ما أَشْرَفَ من أَعاليه وأَقطارُ الفَرس والبعير نواحيه.اه
قال‏ (تعالي‏):‏ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض وقال‏ (عز من قائل‏):‏ (ولو دخلت عليهم من أقطارها‏) (الأحزاب‏: 14)؛
أولا‏:‏ بالنسبة للنفاذ من أقطار الأرض‏:‏
إذا كان المقصود من هذه الآيات الكريمة إشعار كل من الجن والإنس بعجزهما عن النفاذ من أقطار كل من الأرض علي حدة‏,‏ والسماوات علي حدة‏,‏ فإن المعارف الحديثة تؤكد ذلك‏,‏ لأن أقطار الأرض تتراوح بين‏ (12756)‏ كيلو مترا بالنسبة إلي متوسط قطرها الاستوائي‏, (12713)‏ كيلو مترا بالنسبة إلي متوسط قطرها القطبي‏,‏ وذلك لأن الأرض ليست تامة الاستدارة لانبعاجها قليلا عند خط الاستواء‏,‏ وتفلطحها قليلا عند القطبين‏.‏
ويستحيل علي الإنسان اختراق الأرض من أقطارها لارتفاع كل من الضغط والحرارة باستمرار في اتجاه المركز مما لا تطيقه القدرة البشرية‏,‏ ولا التقنيات المتقدمة التي حققها إنسان هذا العصر‏,‏ فعلي الرغم من التطور المذهل في تقنيات حفر الآبار العميقة التي طورها الإنسان بحثا عن النفط والغاز الطبيعي فإن هذه الأجهزة العملاقة لم تستطع حتى اليوم تجاوز عمق ‏14‏ كيلو مترا من الغلاف الصخري للأرض‏,‏ وهذا يمثل‏0,2%‏ تقريبا من طول نصف قطر الأرض الاستوائي‏,‏ وعند هذا العمق تعجز أدوات الحفر عن الاستمرار في عملها لتزايد الضغط وللارتفاع الكبير في درجات الحرارة إلي درجة قد تؤدي إلي صهر تلك الأدوات‏,‏ فمن الثابت علميا أن درجة الحرارة تزداد باستمرار من سطح الأرض في اتجاه مركزها حتى تصل إلي ما يقرب من درجة حرارة سطح الشمس المقدرة بستة آلاف درجة مئوية حسب بعض التقديرات‏,‏ ومن هنا كان عجز الإنسان عن الوصول إلي تلك المناطق الفائقة الحرارة والضغط‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ ‏ مخاطبا الإنسان‏:‏ (وَلا تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً) (‏الإسراء‏:37)‏
ولو أن الجن عالم غيبي بالنسبة لنا‏,‏ إلا أن ما ينطبق علي الإنس من عجز تام عن النفاذ من أقطار السماوات والأرض ينطبق عليهم‏.‏
والآيات الكريمة قد جاءت في مقام التشبيه بأن كلا من الجن والإنس لا يستطيع الهروب من قدر الله أو الفرار من قضائه‏,‏ بالهروب إلي خارج الكون عبر أقطار السماوات والأرض حيث لا يدري أحد ماذا بعد ذلك‏,‏ إلا أن العلوم المكتسبة قد أثبتت بالفعل عجز الإنسان عجزا كاملا عن ذلك‏,‏ والقرآن الكريم يؤكد لنا اعتراف الجن بعجزهم الكامل عن ذلك أيضا‏,‏ كما جاء في قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ ‏ علي لسان الجن‏: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا) (الجن‏: 12)‏ وذلك بعد أن قالوا‏:‏ (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) (الجن‏: 8)‏
قلت (شريف): و الأظهر أن المقصود بالأرض هنا ما هو اعم من الكرة الأرضية و الأرض هنا اسم جنس و إلا فقد ذكر الله الأرض و أنها سبع كالسموات و المخترق للغلاف الجوى لا يجد سبع أرضين و الأظهر و الله أعلم عندى أنها ليست أيضا طبقات الكرة الأرضية و الخلاصة فالمختار أن المقصود بالأية الخروج خارج حدود عالم السماوات و الأرض و ليس الخروج من الكرة الأرضية و الله أعلم و هناك أيضا فائدة أخرى هامة و هي بيان قوله سبحانه "و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا" فالإنسان لما بدأ في مكتشفاته ظن نفسه ملك الكون و كفر بالله العظيم و استكبر على شرعه و ملكه و دينه و أعرض عن كل من يدعوه لله - و رأيناهم و سمعناهم قالوا و العياذ بالله بلسان حالهم و مقالهم العلم قتل الدين - فلم زاد علمه علم أنه صبي يلعب في قشرة الأرض التي يحيا عليها و التي هي ذرة في الكون و تبين مدى تفاهته و حقارته و كيف استخرج الله بهذا الابتلاء مكنون نفسه .اه
ثانيا‏:‏ بالنسبة للنفاذ من أقطار السماوات‏
تبلغ أبعاد الجزء المدرك من السماء الدنيا من الضخامة ما لا يمكن أن تطويها قدرات كل من الإنس والجن‏,‏ فمجرتنا‏ (سكة التبانة‏)‏ يقدر قطرها الأكبر بمائة ألف سنة ضوئية‏ (100.000*9.5‏ مليون مليون كيلو متر تقريبا‏),‏ ويقدر قطرها الأصغر بعشرة آلاف سنة ضوئية‏ (10.000*9.5‏ مليون مليون كيلو متر تقريبا‏),‏ ومعني ذلك أن الإنسان لكي يتمكن من الخروج من مجرتنا عبر قطرها الأصغر يحتاج إلي وسيلة تحركه بسرعة الضوء‏ (وهذا مستحيل‏)‏ ليستخدمها في حركة مستمرة لمدة تصل إلي عشرة آلاف سنة من سنيننا‏,‏ وبطاقة انفلات خيالية لتخرجه من نطاق جاذبية الأجرام التي يمر بها من مكونات تلك المجرة‏,‏ وهذه كلها من المستحيلات بالنسبة للإنسان الذي لا يتجاوز عمره في المتوسط خمسين سنة‏,‏ ولم تتجاوز حركته في السماء ثانية ضوئية واحدة وربع الثانية فقط‏,‏ وهي المسافة بين الأرض والقمر‏,‏ علي الرغم من التقدم التقني المذهل الذي حققه في ريادة السماء‏.‏
ومجموعتنا الشمسية تقع من مجرتنا علي بعد ثلاثين ألفا من السنين الضوئية من مركزها‏,‏ وعشرين ألفا من السنين الضوئية من أقرب أطرافها‏,‏ فإذا حاول الإنسان الخروج من أقرب الأقطار إلي الأرض فإنه يحتاج إلي عشرين ألف سنة وهو يتحرك بسرعة الضوء لكي يخرج من أقطار مجرتنا وهل يطيق الإنسان ذلك؟ أو هل يمكن أن يحيا إنسان لمثل تلك المدد المتطاولة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يتحرك بسرعة الضوء؟ كل هذه حواجز تحول دون إمكان ذلك بالنسبة للإنسان‏,‏ وما ينطبق عليه ينطبق علي عالم الجان‏...!!!‏
ومجرتنا جزء من مجموعة من المجرات تعرف باسم المجموعة المحلية يقدر قطرها بنحو ثلاثة ملايين وربع المليون من السنين الضوئية‏ (3.261.500)‏ سنة ضوئية‏,‏ وهذه بدورها تشكل جزءا من حشد مجري يقدر قطره بأكثر من ستة ملايين ونصف المليون من السنين الضوئية‏ (6.523.000)‏ سنة ضوئية‏,‏ وهذا الحشد المجري يكون جزءا من الحشد المجري الأعظم ويقدر قطره الأكبر بمائة مليون من السنين الضوئية وسمكه بعشرة ملايين من السنين الضوئية‏.‏ وتبدو الحشود المجرية العظمي علي هيئة كروية تدرس في شرائح مقطعية تقدر أبعادها في حدود‏150*100*15‏ سنة ضوئية‏,‏ وأكبر تلك الشرائح ويسميها الفلكيون مجازا باسم الحائط العظيم يزيد طولها علي مائتين وخمسين مليونا من السنين الضوئية‏.‏
وقد تم أخيرا اكتشاف نحو مائة من الحشود المجرية العظمي تكون تجمعا أعظم علي هيئة قرص يبلغ قطره الأكبر بليونين من السنين الضوئية‏.‏
والجزء المدرك من الكون وهو يمثل جزءا يسيرا من السماء الدنيا التي زينها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ ‏ بالنجوم وقال‏ (عز من قائل‏):‏ (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) (‏الملك‏: 5).‏
هذا الجزء المدرك من السماء الدنيا يزيد قطره علي العشرين بليون سنة ضوئية‏,‏ وهي حقائق تجعل الإنسان بكل إنجازاته العلمية يتضاءل تضاؤلا شديدا أمام أبعاد الكون المذهلة‏,‏ وكذلك الجان‏,‏ وكلاهما أقل من مجرد التفكير في إمكان الهروب من ملك الله الذي لا ملجأ ولا منجي منه إلا إليه‏...!!!‏
5 – و قال د.زغلول النجار في معرض الحديث عن السماوات و الإعجاز فيهن:
السماء في اللغة العربية
السماء لغة اسم مشتق من السمو بمعني الارتفاع والعلو‏,‏ تقول‏:(‏ سما يسمو سموا فهو سام‏)‏ بمعني علا يعلو علوا فهو عال أو مرتفع‏,‏ لأن السين والميم والواو‏..‏ أصل يدل علي الارتفاع والعلو‏,‏ يقال‏(‏ سموت وسميت‏)‏ بمعني علوت وعليت للتنويه بالرفعة والعلو‏,‏ وعلي ذلك فإن سماء كل شيء أعلاه‏,‏ ولذلك قيل‏:‏ كل ما علاك فأظلك فهو سماء‏.‏
ويقال فلان لا يسامى أي لا يباري‏,‏ وقد علا من ساماه أي الذي باراه‏,‏ وتساموا أي تباروا‏(‏ في اكتساب المعالي عادة‏).‏
وانطلاقا من ذلك قيل لسقف البيت سماء لارتفاعه‏,‏ وقيل للسحاب سماء لعلوه واستعير اللفظ للمطر بسبب نزوله من السحاب‏,‏ وللعشب لارتباطه بنزول ماء السماء‏.‏
والسماء دينا هي كل ما يقابل الأرض من الكون‏,‏ والمراد بها ذلك العالم العلوي من حولنا والذي يضم الأجرام المختلفة من الكواكب والكويكبات‏,‏ والأقمار والمذنبات‏,‏ والنجوم والبروج‏,‏ والسدم والمجرات‏,‏ وغيرها من مختلف صور المادة والطاقة التي تملأ الكون بصورة واضحة جلية‏,‏ أو مستترة خفية‏.‏
وقد خلق الله‏(‏ تعالى‏)‏ السماء ـ وهو خالق كل شيء ـ ورفعها بغير عمد نراها‏,‏ وجعل لها عمارا من الملائكة ومما لا نعلم من الخلق‏,‏ وحرسها من كل شيطان مارد من الإنس والجن‏,‏ فهي محفوظة بحفظه‏(‏ تعالى‏)‏ إلى أن يرث‏(‏ سبحانه‏)‏ هذا الكون بمن فيه وما فيه‏.‏
السماء في القرآن الكريم
جاءت لفظة السماء في القرآن الكريم في ثلاثمائة وعشرة مواضع‏,‏ منها مائة وعشرون بالإفراد‏(‏ السماء‏),‏ ومائة وتسعون بالجمع‏(‏السماوات‏).‏
كذلك جاءت الاشارة إلى السماوات والأرض وما بينهما في عشرين موضعا من تلك المواضع‏(‏ المائدة‏:18,17),(‏ الحجر‏:85),(‏ مريم‏:65),(‏ طه‏:6),(‏ الأنبياء‏:16),(‏ الفرقان‏:59),(‏ الشعراء‏:24),(‏ الروم‏:8),(‏ السجدة‏:4),(‏ الصافات‏:5),(‏ ص‏:66,27,10),(‏ الزخرف‏:85),(‏ الدخان‏:38,7),(‏ الأحقاف‏:3),(‏ ق‏:38),(‏ النبأ‏:37).‏
وجاء ذكر السحاب المسخر بين السماء والأرض في موضع واحد من الآية رقم‏164‏ في سورة البقرة‏,‏ والتي تشير إلى أن القرآن الكريم يفصل بين السماء والأرض بنطاق يضم السحاب‏,‏ وهو ما يعرف بنطاق المناخ الذي لا يتعدى سمكه‏16‏ كيلو مترا فوق خط الاستواء‏,‏ ويحوي أغلب مادة الغلاف الغازي للأرض‏(75%‏ بالكتلة‏).‏
وعلي ذلك فإن السماء في القرآن الكريم تشمل كل ما يحيط بالأرض بدءا من نهاية نطاق المناخ إلى نهاية الكون التي لا يعلمها إلا الله‏,‏ ويشير القرآن الكريم إلى أن الله تعالى قد قسم السماء إلى سبع سماوات‏,‏ كما قسم الأرض إلى سبع أرضين فقال‏(‏ تعالى‏):‏
الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله علي كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ‏(‏الطلاق‏:12)‏
وقال‏(‏ سبحانه وتعالى‏):‏ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا‏,‏ وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ‏(‏نوح‏:16,15)‏ وقال‏(‏ عز من قائل‏):‏ الذي خلق سبع سماوات طباقا‏...‏ ‏(‏ الملك‏:3)‏
قلت(شريف): و استثناء نطاق المناخ لا يظهر لقوله تعالى"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ " و "يرسل السماء عليكم مدرارا" "وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ " " اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " .
"أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" فالأظهر أن القرآن إنما يغلب على خطابه المعنى اللغوي للسماء و لكن في هذه الآية أعني قوله تعالى "و السحاب المسخر بين السماء و الأرض" إعجازا بأن يخبرنا الوحي أن السحاب و إن كنا نراه في العلو متصلا بالسماء و أجرامها إلا أنه في الحقيقة بين السماء و الأرض فلا هو من عالم السماء و أجرامها و بناءها و لا هي من عالم الأرض فهنا خالف القرآن ما عهدناه من استعمال المعنى اللغوى لبيان تلك المعجزة بالإخبار عن ذلك الامر في وقت كان لا يعلمه فيه أحد فالسحاب في السماء أي في العلو و هو مسخر بين السماء و الأرض لأنه لا من عالم السماء و لا من عالم الأرض و الله أعلم .اه
و يتضح من هذه الآيات بصفة عامة‏,‏ ومن آيتي سورة نوح‏(16,15)‏ بصفة خاصة أن السماوات السبع متطابقة حول مركز واحد‏,‏ يغلف الخارج منها الداخل‏,‏ وإلا ما كان جميع ما في السماء الدنيا واقعا في داخل باقي السماوات‏,‏ فيكون كل من القمر والشمس ـ وهما من أجرام السماء الدنيا ـ واقعين في كل السماوات السبع‏.‏
وجاء ذكر السماوات السبع في سبع آيات قرآنية كريمة هي‏:[(‏ الإسراء‏:44),(‏ المؤمنون‏:86),(‏ فصلت‏:12),(‏ الطلاق‏:12),(‏ الملك‏:3),(‏ نوح‏:16,15),(‏ النبأ‏:12)].‏
كذلك جاءت الإشارة القرآنية إلى سبع طرائق في الآية‏(17)‏ من سورة‏(‏ المؤمنون‏),‏ واعتبرها عدد من المفسرين إشارة إلى السماوات السبع‏,‏ وإن كان الاشتقاق اللفظي يحتمل غير ذلك‏.‏
ويشير القرآن الكريم إلى أن النجوم والكواكب هي من خصائص السماء الدنيا وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالى‏):‏
إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ‏(‏الصافات‏:6)‏
وقوله‏(‏ سبحانه وتعالى‏):‏ ‏....‏ وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ‏(‏فصلت‏:12)‏
وقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح‏...‏ ‏(‏الملك‏:5)‏
وفي زمن تفجر المعارف العلمية‏,‏ والتطور المذهل للوسائل التقنية الذي نعيشه لم يستطع الانسان إدراك سوي جزء صغير من السماء الدنيا‏,‏ ولم يتجاوز إدراكه لذلك الجزء‏10%‏ مما فيه‏...!!!‏
السماء في علوم الفلك
يقدر علماء الفلك قطر الجزء المدرك من الكون بأكثر من أربعة وعشرين بليونا من السنين الضوئية‏(24‏ بليون‏*9.5‏ مليون مليون كيلو متر‏),‏ وهذا الجزء من السماء الدنيا دائم الاتساع إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏(‏ تعالى‏),‏ وبسرعات لا يمكن للانسان اللحاق بها‏,‏ وذلك لأن سرعة تباعد بعض المجرات عنا وعن بعضها بعضا تقترب من سرعة الضوء المقدرة بنحو الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏,‏ وهذا الجزء المدرك من الكون مبني بدقة بالغة علي وتيرة واحدة‏,‏ تبدأ بتجمعات فلكية حول النجوم كمجموعتنا الشمسية التي تضم بالإضافة إلى الشمس عددا من الكواكب والكويكبات‏,‏ والأقمار والمذنبات التي تدور في مدارات محددة حول الشمس‏,‏ وتنطوي أمثال هذه المجموعة الشمسية بملايين الملايين في مجموعات أكبر تعرف باسم المجرات‏,‏ وتكون عشرات من المجرات المتقاربة ما يعرف باسم المجموعة المحلية‏,‏ وتلتقي المجرات ومجموعاتها المحلية فيما يعرف باسم الحشود المجرية‏,‏ وتنطوي تلك في تجمعات محلية للحشود المجرية‏,‏ ثم في حشود مجرية عظمي‏,‏ ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية العظمي إلى ما هو أكبر من ذلك إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏(‏ سبحانه وتعالى‏).‏
شمسنا‏:‏ هي عبارة عن كتلة غازية ملتهبة‏,‏ مشتعلة‏,‏ مضيئة بذاتها علي هيئة نجم عادي متوسط الحجم ومتوسط العمر‏.‏ ويقدر نصف قطر الشمس بنحو سبعمائة ألف كيلو متر‏(6.960*510‏ كم‏),‏ وتقدر كتلتها بنحو ألفي مليون مليون مليون مليون طن تقريبا‏(1.99*2710‏طن‏),‏ ويقدر متوسط كثافها بحوالي ‏1.41‏ جرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ بينما تصل كثافة لبها إلى‏90‏ جراما للسنتيمتر المكعب‏,‏ وتتناقص الكثافة في اتجاه إكليل الشمس لتصل إلى جزء من عشرة ملايين من الجرام للسنتيمتر المكعب‏.‏
ويزيد حجم الشمس علي مليون مرة قدر حجم الأرض‏,‏ كما تزيد كتلتها علي كتلة الأرض بنحو‏333.400‏ ضعف‏.‏
وتقدر درجة حرارة سطح الشمس بنحو ستة آلاف‏(5800)‏ درجة مطلقة‏,‏ ودرجة حرارة لبها بنحو‏15‏ مليون درجة مطلقة‏,‏ بينما تصل درجة حرارة هالتها‏(‏ إكليلها‏)‏ إلى مليوني درجة مطلقة‏.‏
وتتكون الشمس أساسا من غاز الايدروجين‏(70%),‏ والهيليوم‏(28%)‏ ومن نسب ضئيلة من عدد من العناصر الأخري‏(2%).‏ وتنتج الطاقة في الشمس‏(‏ وفي أغلب النجوم‏)‏ أساسا من تحول الإيدروجين إلى هيليوم بعملية الاندماج النووي‏,‏ وتستمر العملية لإنتاج آثار طفيفة من عناصر أعلي في وزنها الذري‏.‏
ونظرا للطبيعة الغازية الغالبة للشمس فإن دورانها حول محورها يتم بطريقة تفاضلية ‏(Differential Rotation),‏ وذلك لان قلب الشمس يدور كجسم صلب يتم دورته في‏36.5‏ يوم من أيامنا‏,‏ بينما الكرة الغازية المحيطة بهذا القلب الشمسي‏(‏ ويبلغ سمكها ثلثي نصف قطر الشمس‏)‏ يتم دورته حول مركز الشمس في نحو‏24‏ يوما من أيامنا‏,‏ وعلي ذلك فإن متوسط سرعة دوران الشمس حول محورها يقدر بنحو‏27‏ يوما وثلث يوم من أيام الأرض‏.‏
وتجري الشمس‏(‏ ومعها مجموعتها‏)‏ نحو نقطة محددة في كوكبة هرقل‏(‏ كوكبة الجاثي‏)‏ بالقرب من نجم النسر الواقع ‏(Vega)‏ بسرعة تقدر بنحو‏19.5‏ كيلو متر في الثانية‏,‏ وتسمي هذه النقطة باسم مستقر الشمس‏.‏ وتجري المجموعة الشمسية كذلك حول مركز مجرتنا‏(‏ الدرب اللبني‏)‏ بسرعة خطية تقدر بنحو‏250‏ كيلومترا في الثانية لتتم دورتها في نحو‏250‏ مليون سنة من سنينا‏.‏
مجموعتنا الشمسية‏
تضم مجموعتنا الشمسية بالإضافة إلى الشمس كواكب تسعة هي‏(‏ قربا من الشمس إلى الخارج‏):‏ عطارد‏,‏ الزهرة‏,‏ الأرض‏,‏ المريخ‏,‏ المشتري‏,‏ زحل‏,‏ يورانوس‏,‏ نبتيون‏,‏ بلوتو‏,‏ ثم مدارات المذنبات التي لم تعرف لها حدود‏,‏ هذا بالإضافة إلى عدد من التوابع‏(‏ الأقمار‏)‏ التي يقدر عددها بواحد وستين تدور حول بعض من هذه الكواكب‏,‏ وآلاف الكويكبات المنتشرة بين كل من المريخ والمشتري والتي يعتقد بأنها بقايا لكوكب منفجر‏,‏ وآلاف الشهب والنيازك‏,‏ وكميات من الدخان‏(‏ الغاز الحار والغبار‏).‏
والكواكب الأربعة الداخلية‏(‏ عطارد‏,‏ والزهرة‏,‏ والأرض‏,‏ والمريخ‏)‏ هي كواكب صخرية‏,‏ والكواكب الخارجية‏(‏ من المشتري إلى بلوتو‏)‏ هي كواكب غازية تتكون من عدد من الغازات المتجمدة علي هيئة جليد‏(‏ من مثل بخار الماء ثاني أكسيد الكربون‏,‏ الأمونيا‏,‏ الايدروجين والهيليوم‏)‏ حول لب صخري ضئيل‏.‏
وكواكب المجموعة الشمسية تدور كلها حول الشمس في اتجاه واحد‏,‏ وفي مستوي واحد تقريبا ما عدا بلوتو‏,‏ وذلك في مدارات شبه دائرية‏(‏ اهليلجية‏)‏ بحيث تقع الشمس في إحدى بؤرتيه‏,‏ وأبعد نقطة علي المدار يصل إليها الكوكب تسمي الأوج‏,‏ وأقرب نقطة تسمي الحضيض ومتوسط مجموعهما يمثل متوسط بعد الكوكب عن الشمس‏,‏ كذلك تزداد سرعة الكوكب بقربه من الشمس وتقل ببعده عنها بحيث يمس الخط الوهمي الواصل بينه وبين الشمس مساحات متساوية في وحدة الزمن‏.‏
وتقدر المسافة بين الأرض والشمس بنحو المائة والخمسين مليون كيلو متر‏(149.6‏ مليون كم‏)‏ وقد اعتبرت هذه المسافة وحدة فلكية دولية واحدة‏.‏
وتقدر المسافة بين الشمس وأقرب كواكبها‏(‏ عطارد‏)‏ بنحو الثمانية والخمسين مليونا من الكيلومترات‏(57.9‏ مليون كم‏),‏ كما تقدر المسافة بين الشمس وأبعد الكواكب المعروفة عنها‏(‏ بلوتو‏)‏ بنحو ستة بلايين من الكيلومترات‏5913.5‏ مليون كم‏),‏ ويلي مدار بلوتو إلى الخارج سحابة ضخمة من المذنبات التي تدور حول الشمس في مدارات يقدر بعد بعضها عن الشمس بأربعين ألف وحدة فلكية‏(‏ أي نحو ستة تريليونات من الكيلومترات‏),‏ ومن الممكن وجود مدارات حول الشمس أبعد من ذلك ولكنها لم تكتشف بعد‏,‏ وإذا كان امتداد المجموعة الشمسية يعبر عنه بأبعد مسافة نعرفها حول الشمس تتم فيها حركة مدارية حول هذا النجم فإن مدار بلوتو لا يمكن أن يعبر عن حدود مجموعتنا الشمسية‏,‏ وعليه فإننا في زمن التقدم العلمي والتقني المذهل الذي نعيشه لم ندرك بعد حدود مجموعتنا الشمسية‏...!!!‏
مجرتنا‏(‏ مجرة الدرب اللبني‏)‏ ‏(The Milky Way Galaxy)
تنطوي مجموعتنا الشمسية مع حشد هائل من النجوم يقدر بنحو التريليون‏(‏ مليون مليون‏)‏ نجم فيما يعرف باسم مجرة الدرب أو الطريق اللبني‏(‏ درب اللبانة‏)‏ علي هيئة قرص مفرطح يقدر قطره بنحو المائة ألف سنة ضوئية‏,‏ ويقدر سمكه بعشر ذلك‏(‏ أي حوإلى العشرة آلاف سنة ضوئية‏),‏ وتقع مجموعتنا الشمسية علي بعد يقدر بنحو الثلاثين ألف سنة ضوئية من مركزه‏,‏ وعشرين ألف سنة ضوئية من أقرب أطرافه‏.‏
وتتجمع النجوم حول مركز المجرة فيما يشبه النواة‏,‏ وتلتوي الأجزاء الخارجية من قرص المجرة مكونة أذرعا لولبية تعطي لمجرتنا هيئتها الحلزونية‏,‏ وترتبط النجوم في مجرتنا‏(‏ وفي كل مجرة‏)‏ مع بعضها بعض بقوي الجاذبية‏,‏ مشكلة نظاما يتحرك في السماء كجسم واحد وتتجمع النجوم في مجرتنا في ثلاث جمهرات نجمية ‏(Stellar populations)‏
علي النحو التإلى‏:‏
‏(1)‏ جمهرة القرص الرقيق وتقع علي مستوي‏1155‏ سنة ضوئية من مستوي المجرة وتضم أحدث النجوم عمرا بصفة عامة‏.‏
‏(2)‏ جمهرة القرص السميك‏;‏ وتقع علي ارتفاع‏3300‏ سنة ضوئية من مستوي المجرة‏,‏ وتضم نجوما متوسطة في العمر بصفة عامة‏.‏
‏(3)‏ جمهرة الهالة المجرية وتقع علي ارتفاع‏11.550‏ سنة ضوئية من مستوي المجرة وتضم أقدم نجوم مجرتنا عمرا بصفة عامة‏.‏
وتنتشر بين النجوم سحب دخانية ساخنة يغلب علي تركيبها غاز الايدروجين الحامل للغبار علي هيئة هباءات متناهية في الدقة من المواد الصلبة مكونة ما يعرف باسم المادة بين النجوم ‏(Interstellar Matter)‏
التي تمتص ضوء النجوم فتخفيها‏,‏ ولذلك فإن الراصد لمجرتنا من الأرض لا يري بوضوح أكثر من‏15%‏ من مجموع مكوناتها إلا باستخدام المقربات‏(‏ التليسكوبات‏)‏ الراديوية‏.‏
ونواة مجرتنا تجر معها أذرعها اللولبية التي قد ترتفع فوق مستوي النواة‏,‏ والسحب الدخانية في تلك الأذرع تتحرك بسرعات تتراوح بين الخمسين والمائة كيلو متر في الثانية‏,‏ وتتراكم هذه السرعات الخطية علي سرعة دوران محورية تقدر بنحو‏250‏ كيلو مترا في الثانية دون أن تنفصل أذرع المجرة عن نواتها بسبب التفاوت في سرعة الأجزاء المختلفة منها‏.‏
وهذا الدوران التفاضلي‏(‏ التفاوتي‏)‏ يؤدي إلى تسارع المادة الدخانية بين النجوم‏,‏ ثم إلى كبح سرعتها مما ينتج عنه تكثيفها بدرجة كبيرة و بالتالي تهيئتها لتخلق النجوم الابتدائية ‏(pro-or proro-stars)‏ التي تتطور إلى ما بعد ذلك من مراحل‏.‏
ومن نجوم مجرتنا ما هو مفرد‏,‏ وما هو مزدوج‏,‏ وما هو عديد الأفراد‏.‏
وتدور نجوم مجرتنا في حركة يمينية أساسية منتظمة حول مركز المجرة في اتجاه القطر الأصغر لها‏,‏ مع وجود الدوران التفاوتي لمختلف أجزائها‏.‏
ويحصي علماء الفلك في الجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي ألف مليون مجرة ــ علي الأقل ــ بعضها أكبر من مجرتنا كثيرا‏,‏ وبعضها الآخر أصغر قليلا‏,‏ والمجرات عبارة عن تجمعات نجمية مذهلة في أعدادها‏,‏ يتخللها الدخان الكوني بتركيز متفاوت في داخل المجرة الواحدة‏,‏ والتي قد تضم عشرات البلايين إلى بلايين البلايين من النجوم‏.‏
وتتباين المجرات في أشكالها كما تتباين في أحجامها‏,‏ وفي شدة إضاءتها‏,‏ فمنها الحلزوني‏,‏ والبيضاني‏(‏ الإهليلجي‏),‏ وما هو غير محدد الشكل‏,‏ ومنها ما هو شديد الاضاءة‏,‏ وما يبدو علي هيئة نقاط باهتة لا تكاد تدرك بأكبر المناظير المقربة‏(‏ المقاريب‏),‏ وتقع أكثر المجرات ضياء في دائرة عظمي تحيط بنا في اتجاه عمودي تقريبا علي مستوي مجرتنا‏.‏ وتبلغ كتلة الغازات في بعض المجرات ما يعادل كتلة ما بها من نجوم وتوابعها‏,‏ في حين أن كتلة الغبار تقل عن ذلك بكثير‏,‏ وكثافة الغازات في المجرة تقدر بحوإلى ذرة واحدة لكل سنتيمتر مكعب بينما يبلغ ذلك‏1910‏ ذرة‏/‏سم‏3‏ في الغلاف الغازي للأرض عند سطح البحر‏.‏
المجموعة المحلية ‏(The Local Group)‏
تحشد مجرتنا‏(‏ درب اللبانة‏)‏ في مجموعة من أكثر من عشرين مجرة في تجمع يعرف باسم المجموعة المحلية للمجرات ‏(The Local Group of Galaxies)‏
يبلغ قطرها مليون فرسخ فلكي ‏(One Million Parsec)
(‏ أي يساوي‏3,261,500‏ سنة ضوئية‏=3,0856*1910‏ كيلومتر‏)‏ وتحتوي المجموعة المحلية التي تتبعها مجرتنا علي ثلاث مجرات حلزونية وأربع مجرات غير محددة الشكل‏,‏ وأعداد من المجرات البيضانية العملاقة والقزمة‏,‏ وقد تحتوي علي عدد أكبر من المجرات الواقعة في ظل مجرتنا ومن هنا تصعب رؤيتها‏.‏
الحشود المجرية والحشود المجرية العظمي
‏(Galactic Clusters and Super clusters)‏
هناك حشود للمجرات أكبر من المجموعة المحلية من مثل‏,‏ حشد مجرات برج العذراء ‏(The Virgo Cluster of Galaxies)‏
والذي يضم مئات المجرات من مختلف الأنواع‏,‏ ويبلغ طول قطره مليوني فرسخ فلكي أي أكثر من ستة ملايين ونصف من السنين الضوئية‏(6,523,000‏ سنة ضوئية‏),‏ ويبعد عنا عشرة أضعاف تلك المسافة‏(‏ أي عشرين مليون فرسخ فلكي‏).‏ وهذه الحشود المجرية تصدر أشعة سينية بصفة عامة‏,‏ وتحوي فيما بينها دخانا توازي كتلته كتلة التجمع المجري‏,‏ وتتراوح درجة حرارته بين عشرة ملايين ومائة مليون درجة مطلقة‏,‏ ويحوي هذا الدخان الإيدروجيني علي نسبا ضئيلة من هباءات صلبة مكونة من بعض العناصر الثقيلة بما في ذلك الحديد‏(‏ بنسب تقترب مما هو موجود في شمسنا‏)‏ مما يشير إلى اندفاع تلك العناصر من قلوب نجوم متفجرة وصلت فيها عملية الاندماج النووي إلى مرحلة إنتاج الحديد‏(‏ المستعرات وما فوقها‏).‏ وتحوي بعض الحشود المجرية أعدادا من المجرات قد يصل إلى عشرة آلاف مجرة‏,‏ ويحصي علماء الفلك آلافا من تلك الحشود المجرية‏,‏ التي ينادي البعض منهم بتكدسها في حشود أكبر يسمونها باسم الحشود المجرية العظمي ‏(Galactic Super clusters).‏
على النحو التإلى‏:‏
‏(1)‏ جمهرة القرص الرقيق وتقع علي مستوي‏1155‏ سنة ضوئية من مستوي المجرة وتضم أحدث النجوم عمرا بصفة عامة‏.‏
‏(2)‏ جمهرة القرص السميك‏;‏ وتقع علي ارتفاع‏3300‏ سنة ضوئية من مستوي المجرة‏,‏ وتضم نجوما متوسطة في العمر بصفة عامة‏.‏
‏(3)‏ جمهرة الهالة المجرية وتقع علي ارتفاع‏11.550‏ سنة ضوئية من مستوي المجرة وتضم أقدم نجوم مجرتنا عمرا بصفة عامة‏.‏
وتنتشر بين النجوم سحب دخانية ساخنة يغلب علي تركيبها غاز الايدروجين الحامل للغبار علي هيئة هباءات متناهية في الدقة من المواد الصلبة مكونة ما يعرف باسم المادة بين النجوم ‏(Interstellar Matter)‏
التي تمتص ضوء النجوم فتخفيها‏,‏ ولذلك فإن الراصد لمجرتنا من الأرض لا يري بوضوح أكثر من‏15%‏ من مجموع مكوناتها إلا باستخدام المقربات‏(‏ التليسكوبات‏)‏ الراديوية‏.‏
ونواة مجرتنا تجر معها أذرعها اللولبية التي قد ترتفع فوق مستوي النواة‏,‏ والسحب الدخانية في تلك الأذرع تتحرك بسرعات تتراوح بين الخمسين والمائة كيلو متر في الثانية‏,‏ وتتراكم هذه السرعات الخطية علي سرعة دوران محورية تقدر بنحو‏250‏ كيلو مترا في الثانية دون أن تنفصل أذرع المجرة عن نواتها بسبب التفاوت في سرعة الأجزاء المختلفة منها‏.‏
وهذا الدوران التفاضلي‏(‏ التفاوتي‏)‏ يؤدي إلى تسارع المادة الدخانية بين النجوم‏,‏ ثم إلى كبح سرعتها مما ينتج عنه تكثيفها بدرجة كبيرة و بالتالي تهيئتها لتخلق النجوم الابتدائية ‏(pro-or proro-stars)‏ التي تتطور إلى ما بعد ذلك من مراحل‏.‏
ومن نجوم مجرتنا ما هو مفرد‏,‏ وما هو مزدوج‏,‏ وما هو عديد الأفراد‏.‏
وتدور نجوم مجرتنا في حركة يمينية أساسية منتظمة حول مركز المجرة في اتجاه القطر الأصغر لها‏,‏ مع وجود الدوران التفاوتي لمختلف أجزائها‏.‏
ويحصي علماء الفلك في الجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي ألف مليون مجرة ــ علي الأقل ــ بعضها أكبر من مجرتنا كثيرا‏,‏ وبعضها الآخر أصغر قليلا‏,‏ والمجرات عبارة عن تجمعات نجمية مذهلة في أعدادها‏,‏ يتخللها الدخان الكوني بتركيز متفاوت في داخل المجرة الواحدة‏,‏ والتي قد تضم عشرات البلايين إلى بلايين البلايين من النجوم‏.‏
وتتباين المجرات في أشكالها كما تتباين في أحجامها‏,‏ وفي شدة إضاءتها‏,‏ فمنها الحلزوني‏,‏ والبيضاني‏(‏ الإهليلجي‏),‏ وما هو غير محدد الشكل‏,‏ ومنها ما هو شديد الاضاءة‏,‏ وما يبدو علي هيئة نقاط باهتة لا تكاد تدرك بأكبر المناظير المقربة‏(‏ المقاريب‏),‏ وتقع أكثر المجرات ضياء في دائرة عظمي تحيط بنا في اتجاه عمودي تقريبا علي مستوي مجرتنا‏.‏ وتبلغ كتلة الغازات في بعض المجرات ما يعادل كتلة ما بها من نجوم وتوابعها‏,‏ في حين أن كتلة الغبار تقل عن ذلك بكثير‏,‏ وكثافة الغازات في المجرة تقدر بحوإلى ذرة واحدة لكل سنتيمتر مكعب بينما يبلغ ذلك‏1910‏ ذرة‏/‏سم‏3‏ في الغلاف الغازي للأرض عند سطح البحر‏.‏
المجموعة المحلية‏(The Local Group)‏
تحشد مجرتنا‏(‏ درب اللبانة‏)‏ في مجموعة من أكثر من عشرين مجرة في تجمع يعرف باسم المجموعة المحلية للمجرات ‏(The Local Group of Galaxies)‏يبلغ قطرها مليون فرسخ فلكي ‏(One Million Parsec)
(‏ أي يساوي‏3,261,500‏ سنة ضوئية‏=3,0856*1910‏ كيلومتر‏)‏ وتحتوي المجموعة المحلية التي تتبعها مجرتنا علي ثلاث مجرات حلزونية وأربع مجرات غير محددة الشكل‏,‏ وأعداد من المجرات البيضانية العملاقة والقزمة‏,‏ وقد تحتوي علي عدد أكبر من المجرات الواقعة في ظل مجرتنا ومن هنا تصعب رؤيتها‏.‏
الحشود المجرية والحشود المجرية العظمي
‏(Galactic Clusters and Super clusters)‏
هناك حشود للمجرات أكبر من المجموعة المحلية من مثل‏,‏ حشد مجرات برج العذراء ‏(The Virgo Cluster of Galaxies)‏
والذي يضم مئات المجرات من مختلف الأنواع‏,‏ ويبلغ طول قطره مليوني فرسخ فلكي أي أكثر من ستة ملايين ونصف من السنين الضوئية‏(6,523,000‏ سنة ضوئية‏),‏ ويبعد عنا عشرة أضعاف تلك المسافة‏(‏ أي عشرين مليون فرسخ فلكي‏).‏ وهذه الحشود المجرية تصدر أشعة سينية بصفة عامة‏,‏ وتحوي فيما بينها دخانا توازي كتلته كتلة التجمع المجري‏,‏ وتتراوح درجة حرارته بين عشرة ملايين ومائة مليون درجة مطلقة‏,‏ ويحوي هذا الدخان الإيدروجيني علي نسبا ضئيلة من هباءات صلبة مكونة من بعض العناصر الثقيلة بما في ذلك الحديد‏(‏ بنسب تقترب مما هو موجود في شمسنا‏)‏ مما يشير إلى اندفاع تلك العناصر من قلوب نجوم متفجرة وصلت فيها عملية الاندماج النووي إلى مرحلة إنتاج الحديد‏(‏ المستعرات وما فوقها‏).‏ وتحوي بعض الحشود المجرية أعدادا من المجرات قد يصل إلى عشرة آلاف مجرة‏,‏ ويحصي علماء الفلك آلافا من تلك الحشود المجرية‏,‏ التي ينادي البعض منهم بتكدسها في حشود أكبر يسمونها باسم الحشود المجرية العظمي ‏(Galactic Super clusters).‏
وقد أحصي الفلكيون منها إلى اليوم أعدادا كبيرة علي بعد مليوني سنة ضوئية منا‏.‏
ويعتقد أن المجموعة المحلية التي تنتمي إلىها مجرتنا‏(‏ درب اللبانة‏),‏ والحشود المجرية المحيطة بها من مثل حشد مجرات برج العذراء تكون تجمعا أكبر يعرف باسم الحشد المجري المحلي الأعظم (The Local Galactic Super cluster)‏ يضم قرابة المائة من الحشود المجرية علي هيئة قرص واحد يبلغ قطره مائة مليون من السنين الضوئية‏,‏ ويبلغ سمكه عشر ذلك‏(‏ أي عشرة ملايين من السنين الضوئية‏)‏ وهي نفس نسبة سمك مجرتنا‏(‏ درب اللبانة‏)‏ إلى طول قطرها‏,‏ فسبحان الذي بني السماء علي نمط واحد بهذا الانتظام الدقيق‏!!!‏
وتبدو الحشود المجرية والحشود المجرية العظمي علي هيئة كروية تدرس في شرائح مقطعية تكون أبعادها في حدود‏(150*100*15)‏ سنة ضوئية‏,‏ وأكبر هذه الشرائح ويسمي مجازا باسم الحائط العظيم ‏(The Great Wall)‏ يزيد طوله علي‏250‏ مليون سنة ضوئية‏.‏
وقد تم الكشف أخيراً عن حوالي المائة من الحشود المجرية العظمي التي تكون حشدا أعظم علي هيئة قرص يبلغ طول قطره ‏2‏ بليون سنة ضوئية‏,‏ وسمكه مائتي مليون سنة ضوئية‏,‏ ويعتقد عدد من الفلكيين المعاصرين بأن في الجزء المدرك من الكون تجمعات أكبر من ذلك‏.‏
والنجوم في مختلف تجمعاتها وحشودها‏,‏ وعلي مختلف هيئاتها ومراحل نموها تمثل أفرانا كونية يخلق الله‏(‏ تعالى‏)‏ فيها مختلف صور المادة والطاقة اللازمة لبناء الجزء المدرك من الكون‏.‏
وبالإضافة إلى النجوم وتوابعها المختلفة هناك السدم ‏(Nebulae)‏
علي تعدد أشكالها وأنواعها‏,‏ وهناك المادة بين النجوم
‏(Inter-Stellar Matter),‏ وهناك المادة الداكنة ‏(Dark Matter),‏
وغير ذلك من مكونات الكون المدرك‏,‏ والمحسوس منها وغير المحسوس من مختلف صور المادة والطاقة المدسوسة في ظلمة الكون‏.‏
ويقدر الفلكيون كتلة الجزء المدرك من السماء الدنيا بمائة ضعف كتلة المادة والطاقة والأجرام المرئية والمحسوسة فيه‏,‏ بمعني أننا ــ في زمن تفجر المعرفة الذي نعيشه ــ لا ندرك إلا أقل من عشرة في المائة فقط من الجزء الذي وصل إليه علمنا من السماء الدنيا وسبحان الذي انزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق‏:‏
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏*‏ ‏(‏ غافر‏:57)‏
وقوله الحق‏:‏ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏*‏ ‏(‏ الإسراء‏:85)‏
*** و من اللطائف ما ذكره د. زغلول النجار فقال:وقد اتصل بي أخ كريم هو الدكتور عبدالله الشهابي وأخبرني بأنه زار معرض الفضاء والطيران في مدينة واشنطن دي سي الذي يعرض نماذج الطائرات من بداياتها الأولي إلي أحدثها‏,‏ كما يعرض نماذج لمركبات الفضاء‏,‏ وفي المعرض شاهد قطاعا عرضيا في كبسولة أبو اللو وأذهله أن يري علي سطحها خطوطا طولية عديدة غائرة في جسم الكبسولة ومليئة بكربونات النحاس‏ (جنزار النحاس‏),‏ وقد لفتت هذه الملاحظة نظره فذهب إلي المسؤول العلمي عن تلك الصالة وسأله‏:‏ هل السبيكة التي صنعت منها الكبسولة يدخل فيها عنصر النحاس؟ فنفي ذلك نفيا قاطعا‏,‏ فأشار إلي جنزار النحاس علي جسم الكبسولة وسأله‏:‏ من أين جاء هذا؟ فقال له‏:‏ من نوي ذرات النحاس المنتشرة في صفحة السماء التي تضرب جسم الكبسولة طوال حركتها صعودا وهبوطا من السماء‏,‏ وحينما تعود إلي الأرض وتمر بطبقات بها الرطوبة وثاني أكسيد الكربون فإن هذه الذرات النحاسية التي لصقت بجسم الكبسولة تتحول بالتدريج إلي جنزار النحاس‏.‏ ويقول الدكتور الشهابي إنه علي الفور تراءت أمام أنظاره الآية القرآنية الكريمة التي يقول فيها ربنا تبارك وتعالي‏:‏ (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ).‏
هذه الملاحظة أكدت لي ما ناديت به طويلا بأن لفظة نحاس في الآية تعني فلز النحاس ولا تحتاج إلي أدني تأويل‏.‏ فسبحان الذي أنزل هذه الآيات الكريمة من قبل‏1400‏ من السنين وحفظها لنا في كتابه الكريم علي مدي ‏14‏ قرنا أو يزيد لتظهر في زماننا زمان رحلات الفضاء برهانا ماديا ملموسا علي أن هذا القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه‏ ‏ كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏.
*** قلت : و في نهاية تلك النقولات التي تفوق غرابتها أخصب الخيال لا يسعني إلا قول لاإله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير سبحان الله و الحمد لله و الله أكبر و لا حول و لا قوة إلا بالله.
كم أغتررنا بهذه الذرة التي نحيا فيها و كم أريقت دماء و ارتكبت أثام فاللهم غفرا لنا و سحقا للملحين و الكفارو المنافقين.

*** و انظر لسفاهة و حمق فرعون الحقير في قوله الذي ذكره الله عنه في كتابه "و قال فرعون يا هامان أبني لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب" ظن السفيه أن بناء أرضيا يمكنه من بلوغ السماء و ذلك المعتوه المأفون الأخر الذى قال لنبي الله ابراهيم صلى الله عليه و سلم :"أنا أحيي و أميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فئت بها من المغرب فبهت الذي كفر و الله لا يهدى القوم الظالمين"
حمقى و أغبياء لا يرون إلا ما تحت أقدامهم و لو قامت عليه كل أدلة الكون و لا يؤمنون إلا بملكهم و لو تدبروا لعلموا كم هو حقير زائل .
ملكهم الله ذرة × ثانية أعني المكان أقل من ذرة في حجم الكون و الزمان أقل من ثانية في عمر الكون فطغوا و بغوا و فعلوا و فعلوا ما أشد حقارتهم .
كم عظمهم من أناس و كم فتنوا من الخلق و كم فتن بهم خلق و هم ما ملكوا على الحقيقة إنما فقط أخرج الله مكنون نفوسهم اللهم غفرا.

*** و في إتحاف الفضلاء: وأدغم دال ولقد زينا أبو عمرو وهشام وابن ذكوان بخلفه وحمزة والكسائي وخلف.
*** و قد نقلت بعضا مما ذكره بعض الأفاضل على الشبكة العنكبوتية (و يلاحظ أنهم يستعملون المصطلحات الفلكية و ليست الشرعية فما يطلقن عليه نيزك لا مانع من أن ينطبق عليه وصف الشهاب المذكور في القرآن):
النيازك هي أجسام تنتمي للمجموعة الشمسية، وهي النفايات التي بقيت في فضاء المجموعة الشمسية بعد تشكل الكواكب، وحتى تدعى هذه الأجسام بـالنيازك Meteorite فإنها يجب أن ترتطم بسطح الكواكب أو أقمارها.
والنيازك تشكل تهديداً حقيقياً للأرض، ولكن بفضل الله ثم بفضل الغلاف الجوي للأرض تتحول هذه النيازك إلى شهب Meteor حيث تحترق وتتلاشى قبل أن تصل إلى سطح الأرض.
* عندما تقترب الكتل الصخرية المختلفة والتي تسبح في الفضاء من الأرض فإن الجاذبية الأرضية تؤثر عليها مما يؤدي إلى جذبها نحو الأرض، وعندما تدخل في الغلاف الجوي للأرض وتحتك بذرات عناصره الغازية فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارتها إلى أكثر من 2500 درجة مئوية، فإما أن تحترق وتتلاشى وهذا ما يعرف بـ [ الشهب Meteor ]، أو أنها تكون كبيرة فلا تتلاشى كلية بالجو وإنما يصل جزء منها إلى سطح الأرض، وهذا ما يعرف بـ [ النيازك Meteorite ] وقد ينفجر في الغلاف الجوي ويتساقط قطعاً على الأرض.
* يصل إلى الأرض يومياً من الفضاء ملايين من الكتل الصخرية، ولكن ولله الحمد معظم هذه الكتل الصخرية مجرد شهب لا تؤثر على الأرض، أما ما يعتبر منها نيزكاً فعدده قليل.
ويزداد وزن الأرض سنوياً من 0.7 إلى 7 كغم في الكيلو متر المربع سنوياً بسبب سقوط النيازك ورماد الشهب عليها.
سرعة وحجم الشهب والنيازك
عندما تصل الشهب إلى الأرض فإن سرعتها تكون بين 10 - 80 كم/ثانية، وتبدأ بالتوهج عندما تصبح على ارتفاع 100 كم عن سطح الأرض تقريباً، وتكون قد تبخرت تماماً عندما تصبح على ارتفاع من 48 - 80 كم عن سطح الأرض تقريباً، ويتراوح حجم الشهاب غالباً ما بين حبة الرمل إلى حبة الحمص، وعندما يظهر الشهاب بشكل ضوء ساطع فإن ذلك يسمى بـ [ الكرة النارية Fireball ] وهو يتميز بأنه يترك وراءه ذيلاً واضحاً من الغبار .
أما بالنسبة للنيازك فإن سرعتها قريبة من سرعة الشهب أما حجمها فيكون أكبر من حجم الشهب، فهو ما بين عدة أقدام إلى عدة أميال.
مصادر النيازك
1) حزام الكويكبات:
وهو يعتبر من أهم مصادر النيازك التي قد تصل إلى الأرض، ويوجد ما بين مداري المريخ والمشتري مسافة شاسعة تحتوي العديد من الكتل الصخرية التي تكون أحجامها ما بين حجم الحصى إلى عدة مئات من الأميال عرضاً، وكتلة جميع هذه الصخور لا تزيد عن 5% من كتلة القمر، ويسمى الكبير منها بـ [ الكويكبات ]، ومن حين لآخر تنطلق بعض الكتل الصخرية من مدارها وتدخل جو الأرض.
2) الأجرام الناتجة عن اصطدام جسم ما بأحد الكواكب، وهذه الأجسام تتسكع بشكل متواصل في المجموعة الشمسية، ويمكن أن تشكل خطراً باصطدامها بنا.
3) حزام كيوبر:
ويضم عدداً كبيراً من الأجسام، ولكن خطرها أقل نظراً لوجود كوكب المشتري ذي الجاذبية الرهيبة، والذي يقلل من احتمال وصولها إلينا، ويقع حزام كيوبر بعد مدار كوكب نبتون
تركيب النيازك
حسب تحليل العلماء للنيازك التي سقطت على الأرض، فإن النيازك تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: نيازك حديدية، تتكون معظمها من: الحديد والنيكل والكوبالت.
الثاني: نيازك صخرية، مشابهة بوجه عام لتركيب صخور الأرض، ولكن كثافتها أعلى من كثافة الأحجار الطبيعية.
الثالث: نيازك حديدية صخرية
أخطار النيازك
تتسبب النيازك الكبيرة بأضراراً هائلة على كوكب الأرض وعلى الحياة فيه. فاصطدام نيزك كبير بالأرض قد يؤدي إلى توليد فوهة يبلغ قطرها 10-20 ضعف قطر هذا النيزك، حيث أن اصطدام النيزك يؤدي إلى توليد قوة تعادل قوة انفجار ما بين قنبلة نووية واحدة إلى آلاف القنابل النووية، حيث تختلف القوة المتولدة بسبب الاصطدام حسب حجم وسرعة النيزك، فعلى سبيل المثال: كانت قوة انفجار نيزك سيبيريا في عام 1908 أقوى بـ 1000 مرة من قنبلة هيروشيما.
ومن أوضح الأمثلة على خطورة النيازك ما وضعه العلماء حول سبب انقراض الديناصورات على كوكب الأرض. فقبل 65 مليون سنة كانت الديناصورات هي الكائنات المسيطرة على كوكب الأرض ولا ينافسها على ذلك أحد، ولكن جرماً سماوياً ضرب كوكب الأرض وأباد ما يعادل ثلاثة أرباع الحياة التي كانت على كوكب الأرض بما فيها الديناصورات، ومن لم يمت بذلك الاصطدام مات بآثار ذلك الاصطدام ولعل أبرزها كان البرد الجليدي، حيث غطت الأرض سحابة غبارية كثيفة أدت إلى عصر جليدي غلف الكرة الأرضية بالثلج، وبعد انقضاء هذا الشتاء الطويل لم يبق أي أثر للديناصورات وتمكنت الثدييات الأخرى من التطور والاستمرار بعد انقراض الديناصورات.
الفوهات النيزكية وأشهر النيازك
اكتشف الجيولوجيون حتى الآن على سطح الأرض حوالي 175 حفرة ناتجة عن أحجار نيزكية، ويترواح عرضها بين مئة ميل وعدة مئات من الأقدام، ومن المؤكد أن عدد الحفر النيزكية أكبر من ذلك بكثير، ولكن بما أن ثلثي الكرة الأرضية مغطى بالمياه فاحتمال وقوع النيزك في المياه هو 3 على 4، وأيضاً ربما تكون العوامل الجوية وعوامل الحت والتعرية كفيلة بإخفاء آثار الضربات النيزكية الكبيرة التي حدثت في قديم الزمان ، أو ربما أن الحفرة قد امتلئت بالماء مع الوقت.
من أشهر الحفر النيزكية التي اكتشفت على سطح الأرض
فوهة ديب باي، التي تقع في منطقة ساسكاتشفان في كندا، وهذه الفوهة الدائرية يبلغ قطرها حوالي 13 كيلو متر، ويصل عمقها إلى أكثر من 220 متر، وهي جزء من بحيرة أكثر اتساعاً منها وغير منتظمة الشكل، ويقدر العلماء عمر هذه الفوهة بحوالي 99 مليون سنة.
- فوهتي كلير ووتر clear water، وتقع في الكيبك في كندا، وهما فوهتين نيزكيتين تشكلتا معاً منذ حوالي 290 مليون سنة، على أثر ضربة نيزكية مزدوجة، ويبلغ قطر الفوهة النيزكية الكبيرة حوالي 32 كم، أما الفوهة الصغرى فيبلغ قطرها حوالي 22 كم، وقد تحولت الفوهتان إلى بحيرتان كبيرتان.
-فوهة بارينغر الشهيرة الموجودة في أريزونا الأمريكية، ويبلغ عرضها أكثر من ميل وعمقها أكثر من 175 متراً. وقد تشكلت هذه الفوهة منذ حوالي 50,000 سنة لدى اصطدام نيزك حديدي قطره حوالي 50 متراً ووزنه يعادل بضعة ملايين الأطنان، وتعتبر هذه الفوهة من الفوهات النادرة جداً والتي ما تزال محافظة على شكلها.
-فوهة وولف كريك، التي تقع في المناطق الصحراوية في شمال أستراليا، وهي أيضاً من الفوهات القليلة جداً والتي لا تزال محافظة على شكلها. ويبلغ عمر هذه الفوهة حوالي 300,000 سنة، وقطرها 880 متراً، أما عمقها فيبلغ حوالي 60 متراً، وتم اكتشافها في عام 1947.
-فوهة بوستومتوي، وتقع في غانا في أفريقيا، ويبلغ قطرها 10.5 كم وعمرها أكثر من 1.3 مليون سنة، وهذه الفوهة مملوءة بالماء بشكل كامل تقريباً، وهي تدعى ببحيرة بوستومتوي.
-فوهة مانيكواغان، والتي تقع في الكيبك في كندا، وقد تشكلت منذ حوالي 212 مليون سنة، وتحولت هذه الفوهة حالياً إلى بحيرة مغطاة بالجليد قطرها حوالي 70 كيلومتر، وتظهر فيها الحلقة الخارجية من الصخور المحيطة بالفوهة. وتُظهر هذه الصخور علامات واضحة للانصهار بفعل الاصطدام العنيف، ويُعتقد بأن القطر الحقيقي للفوهة كان يبلغ 100 كيلومتر، ولكنه تعدل بفعل عوامل المناخ والتعرية.
من أشهر النيازك التي ارتطمت بالأرض
في 30 يونيو عام 1908م، وفي الصباح الباكر اخترق حجر نيزكي الغلاف الجوي الأرضي فوق سيبيريا، وكانت سرعته تقدر بحوالي 54000 كم/بالساعة، ووفقاً لشهود العيان فقد شوهد النيزك على بعد 400 كم من الموقع، وكان على هيئة كرة كبيرة ملتهبة يصاحبها صوت عاصف قوي، وقبل اصطدامه بالأرض بحوالي 6 كم ارتفاعاً، انفجر ذلك النيزك فوق نهر تنغوسكا Tunguska انفجاراً رهيباً أرسل خلاله موجات صدمية عبر الهواء فسمعه كل من في العالم في ذلك الوقت، وأدى الانفجار إلى مسح الغابة هناك على بعد مئات الأميال، واقتلاع أكثر من 60 مليون شجرة صنوبر بمساحة تقدر بـ 2150 كم مربع. وقيل بأن ذلك الانفجار كان أقوى بـ 1000 مرة من قنبلة هيروشيما.

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 7:22 pm

- نيزك هوبا الحديدي، والموجود الآن في جنوب أفريقيا، والذي يعد أكبر قطعة نيزك تم اكتشافها حتى الآن، ويصل وزنه إلى أكثر من 60 طناً، ويقدر العلماء سقوط هذا النيزك قبل أكثر من 80,000 سنة.
-نيزك ALH84001، الذي وجدته العالمة البرتا سكور عام 1984م في حقول آلان هيلز في القطب الجنوبي، ويلقى هذا النيزك اهتماماً عالمياً كبيراً بسبب أنه نيزك مريخي، مما يجعل دراسته قد تؤدي إلى معرفة الحياة على سطح المريخ بصورة أوضح. وهذا النيزك قد سقط على الأرض منذ حوالي 13,000 سنة.
- و هذا مقال أخر منقول من الموسوعة المجانية على الشبكة العنكبوتية:
إن التعريف الرسمي الحالي الذي وضعه الاتحاد الدولي للفلك لمصطلح النيزك يوضح أنه جسم صلب يسبح في الفضاء بين الكواكب السيارة الأخرى، وقد يكون حجمه أصغر إلى حد كبير من حجم الكويكب ولكنه أكبر إلى حد كبير أيضًا من حجم الذرة. "[1]. ولقد قدمت الجمعية الملكية للفلك تعريفًا جديدًا تصف فيه النيزك بأن عرضه يتراوح ما بين 100 ميكروجرام و10 ميكروجرام. [4] والتعريف الجديد يدخل في هذا التصنيف أجسام أكبر حجمًا قد يصل قطرها إلى 50 متر. أما النيازك البالغة الصغر فتُعرف باسم النيازك الدقيقة . (انظر أيضًا interplanetary dust) ـ والتي تعني غبار بين كوكبي أو جسيمات غبارية بين الكواكب السيارة.
ويمكن تحديد مكونات النيازك عندما تمر من الغلاف الجوي للأرض، وذلك عن طريق المسار المنحني الذي تسلكه والطيف الضوئي للشهب الناتجة. ويساعد تأثير هذه الظواهر على الموجات اللاسلكية في توفير المعلومات التي تكون مفيدة بشكل خاص في حالة الشهب التي تحدث بالنهار والتي يكون من الصعب ملاحظتها إذا لم يحدث ذلك. فمن خلال قياس المسارات المنحنية، تم اكتشاف أن النيازك لها العديد من المدارات المختلفة، فبعضها يتجمع في شكل سيل (انظر الوابل الشهبي) عادة ما يكون مصحوبًا بالمذنب الأم، ولكن هناك نيازك أخرى تظهر وحيدة بشكل واضح. إن الطيف الضوئي بجانب القياسات الخاصة بكل من المسار المنحني الذي تسلكه النيازك ومنحنى الضوء، كل هذا يزودنا بمعلومات عن التركيبات والكثافات المختلفة والتي تتراوح ما بين أجسام هشة مثل كرات الثلج وتصل كثافتها إلى ربع كثافة الثلج [2] وبين صخور أخرى كثيفة وغنية بحديد النيكل. وهناك عدد صغير نسبيًا من النيازك تستطيع أن تخترق الغلاف الجوي للأرض ثم تخرج منه مرة أخرى: ويطلق على هذه النيازك مصطلح الكرات النارية التي تدخل الأرض بزاوية مواربة والتي تمسها مسًا خفيفًا لئلا تصطدم بها. وجدير بالذكر أن الملايين من الشهب تنشأ يوميًا في الغلاف الجوي للأرض. والملاحظ أن معظم النيازك المسئولة عن تكون الشهب يبلغ حجمها حجم الحصاة. وتصبح هذه الشهب مرئية عندما تكون على بعد ما يقرب من 40 إلى 75 ميل (65 إلى 120 كيلومتر) فوق سطح الأرض. ولكن تتحطم هذه الشهب عندما تكون على ارتفاع 30 إلى 60 ميل (50 إلى 95 كيلومتر).
تتحرك النيازك حول الشمس في مجموعة متنوعة من المدارات كما أنها تدور بسرعات مختلفة. وأسرع هذه النيازك يتحرك بسرعة ما يقرب من 26 ميل في الثانية (42 كيلومتر في الثانية). أما الأرض فتدور بسرعة ما يقرب من 18 ميل في الثانية (29 كيلومتر في الثانية). لذا، عندما تدخل النيازك في الغلاف الجوي للأرض رأسيًا، فإن السرعة المشتركة لها جميعًا تصل إلى ما يقرب من 44 ميل في الثانية (71 كيلومتر في الثانية).
الشهب
الشهاب هو شعاع ضوئي مرئي يتكون عندما يخترق النيزك الغلاف الجوي للأرض. والشهب تتكون في طبقة الميزوسفير ومعظمها يتراوح ارتفاعه ما بين 75 كيلومتر و100 كيلومتر.Philip J. Erickson. Millstone Hill UHF Meteor Observations: Preliminary Results.
وفيما يخص الأجسام التي يكون مقياس الحجم فيها أكبر من متوسط المسار الحر في الغلاف الجوي (والذي يتراوح بين 10 سم والعديد من المترات)قالب:Clarifyme، تحدث الرؤية نتيجة احتكاك الهواء الذي يتولد عنه ارتفاع درجة حرارة النيزك، الأمر الذي يجعل النيزك يتوهج وينشأ عنه ذيل مضيء من الغازات وجسيمات النيزك المنصهرة. وتشتمل الغازات على مواد نيزكية متبخرة وغازات من الغلاف الجوي والتي ترتفع حراراتها بشدة عندما يمر النيزك من خلال الغلاف الجوي. وجدير بالذكر أن معظم الشهب تستمر مدة توهجها لما يقرب من الثانية.
ومن الممكن أن تحدث الشهب أيضًا في شكل وابل عندما تمر الأرض عبر مجموعة من الكتل الحجرية المتخلفة عن أحد المذنبات، ومن الممكن أن يحدث الشهاب أيضًا كشهاب وحيد (شهاب لا يترافق مع وابل الشهب أو سيلها المتكرر بانتظام) دون أن يرتبط حدوث ذلك بسبب معين. ولكن تتم رؤية الشهب بوضوح شديد عندما تحدث في شكل وابل شهبي.
الكرة النارية
الكرة النارية هي أحد الشهب التي تكون متوهجة بشكل أكثر من العادي. ولقد قام الاتحاد الدولي للفلك بتعريف الكرة النارية على أنها شهاب متوهج أكثر من أية كواكب أخرى" ( حيث تصل في الحجم إلى 4 أضعاف أو أكثر). [3] ولقد وضعت منظمة الشهب الدولية (إحدى المنظمات غير المتخصصة التي تقوم بدراسة الشهب) تعريفًا أكثر تحديدًا للكرة النارية؛ حيث عرَّفت هذه المنظمة الكرة النارية على أنها شهاب تبلغ درجة سطوعه 3- ضعف أو أكثر إذا تمت رؤيته من السمت (النقطة التي تقع فوق رأس الراصد مباشرة). لقد وضع هذا التعريف في الاعتبار زيادة المسافة بين الراصد والشهاب القريب من الأفق. فعلى سبيل المثال، الشهاب الذي تبلغ درجة 1- ويقع عند 5 درجات من الأفق يمكن تصنيفه على أنه كرة نارية لأنه إذا كان الراصد يقف تحت الشهاب مباشرة، فستبلغ درجة سطوع الشهاب 6-. International Meteor Organization - Fireball Observations
الشهاب المتفجر
يعني الشهاب المتفجر في اللغة الإنجليزية كلمة "bolide" وهي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية "βολις" والتي يمكن أن تعني القذيفة أو الوهج. وجدير بالذكر أن الاتحاد الدولي للفلك لم يضع أي تعريف رسمي للشهاب المتفجر، وذلك لأنه يعتبر أن هذا المصطلح يعد بشكل عام مرادفًا لمصطلح كرة النار. ويعد هذا المصطلح أكثر استخدامًا بين الجيولوجيين (جيولوجي) (علماء الأرض) من علماء الفلك (عالم فلك) حيث يعني هذا المصطلح بالنسبة لهم المتصادم الكبير. فعلى سبيل المثال، تستخدم هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية المصطلح ليعني القذيفة المحدثة للفوهات الكبيرة وذلك ليشير إلى أننا لا نعرف طبيعة الجسم المؤثر بشكل دقيق... سواء أكان هذا الجسم كويكبًا معدنيًا أم صخريًا أم مذنبًا ثلجيًا. usgs.gov - What is a Bolide?، يميل علماء الفلك إلى استخدام المصطلح ليعني كرات النار المتوهجة على نحو غير عادي، وخاصة تلك الكرات التي تنفجر (والتي أحيانًا ما تعرف باسم الكرات النارية المتفجرة).
الحجر النيزكي
يعد الحجر النيزكي جزءًا من النيزك أو الكويكب الذي نجح في مواصلة رحلته خلال الغلاف الجوي حتى اصطدم بسطح الأرض دون أن يتدمر. Oxford University Press. صفحة 533 إن الأحجار النيزكية قد تكون أحيانًا وليس دائمًا مصحوبة بفوهات صدمية (فوهة صدمية) ذات سرعة فائقة، فأثناء التصادم القوي، يمكن أن يتبخر الجسم المتصادم كله دون أن يترك وراءه أية أحجار نيزكية.
مدارات النيازك والشهب
تدور النيازك حول الشمس في مدارات مختلفة بشكل كبير. بعض النيازك تدور معًا في مدارات متماثلة، وربما تكون هذه بقايا المذنبات التي تكون وابلاَ شهبيَا. ومن الممكن أن ينتشر الحطام المتخلف عن الغازات الناتجة عن مرور الشهاب في النهاية في مدارات أخرى مختلفة. وهناك نيازك أخرى لا ترتبط بأي سيل من النيازك المشتركة في الاتجاه والسرعة (على الرغم من أنه لا بد أن تكون هناك نيازك تتحرك كلها في الاتجاه نفسه وبالسرعة نفسها تقريبًا في مدارات بحيث لا تتداخل مع مسار الأرض أو مسار أي كوكب آخر).
وأسرع هذه الأجسام يتحرك تقريبًا بسرعة 42 كيلومتر في الثانية (26 ميل في الثانية) في الفضاء القريب من مدار الأرض. وبالربط بين حركة هذه الأجسام والحركة المدارية للأرض التي تصل سرعتها إلى 29 كيلومتر في الثانية (18 ميل في الثانية)، نجد أن سرعات التصادم يمكن أن تصل إلى 71 كيلومتر في الثانية (44 ميل في الثانية) وذلك أثناء التصادم المتقابل. وقد يحدث هذا فقط إذا كانت الشهب تسير في مدار ارتجاعي (عكسي الحركة). وتصل فرصة اصطدام الشهب بالأرض أثناء النهار (أو بالقرب من النهار) إلى 50 في المائة، حيث يميل اتجاه مدار الأرض تقريبًا ناحية الغرب في فترة الظهيرة. وعلى الرغم من ذلك، نجد أن معظم الشهب تتم ملاحظتها في الليل؛ حيث إن انخفاض الإضاءة في هذه الفترة يسمح بملاحظة الشهب الأكثر خفوتًا.
وهناك عدد من الشهب المعينة تتم ملاحظتهاعن طريق عدد كبير من الأشخاص العاديين وغالبًا ما يكون ذلك بالصدفة، إلا أن ذلك يكون مصحوبًا بتفاصيل كافية للتعرف على مدارات الشهب التي تظهر والنيازك التي استطاعت الوصول إلى سطح الأرض. فجميعها جاءت من المدارات الموجودة في المنطقة المجاورة لحزام الكويكبات.
تدمير سفن الفضاء
حتى الشهب ضئيلة الحجم من الممكن أن تتدمر في السفن الفضائية. فلقد رصد تلسكوب هابل الفضائي ما يقرب من 572 فوهة صغيرة ومناطق مليئة بالشظايا.
*** و هنا إعجازان :
الأول:و هو أن العرب كانوا يرون الشهب كنور يعرض في السماء ثم يختفي مجرد نور فكيف يعرف رجل أمي – أعني خير البرية محمد صلى الله عليه و سلم – أنها عبارة عن أجسام صلبة تخترق الغلاف الجوى فتحترق محدثة هذا النور.
و الثاني:أن هذه الأجسام تسير بسرعات عالية جدا فتكون ثاقبة و قد سماها القرآن "فأتبعه شهاب ثاقب".
فلو تأملت فما أقرب هذه الشهب و النيازك إلى طلقات الرصاص المعروفة الآن أو إلى طلقات المدافع الثقيلة و منها ما هو أعظم من ذلك فكيف يتسنى لمن رأها في السماء أن يعلم حقيقتها قبل أن تعرف البشرية وسائل العلم الحديثة هذه بأكثر من ألف سنة و هل يعقل أن يعرف هذا بالخرص و التخمين ثم يأتي مطابقا للواقع؟
و لو فرضنا ذلك جدا فهذا قطرة من بحر الإعجاز العلمي في دين الإسلام.

*** الفوائد العملية في الأية:
1 – التأمل في زينة السماء و الرحمة الربانية في هذه الزينة و أمثالها من التحسينيات و أنها من آثار الرحمة التي قلما ينتبه إليها فالله زين الأرض و السماء جعل لنا في الأرض زينة نتزين بها و نتجمل .
2 – إذا كانت هذه زينة الله للدنيا الفانية الحقيرة فكيف بكرامة أولياءه؟
3 – معرفة عظيم خلق الله بتدبر ما وصل إليه العلم المعاصر و لا يزالون يكتشفون .
4 – إذا كانت هذه قدرته فكيف سيكون عذابه؟
5 – معرفة منافع النجوم.
6 – التدبر في أن الله العظيم هو الذى أعد تلك النار عقوبة لأعدائه و أن هذه النار موجودة الآن و ما ينبغي أن يثمره ذلك من الخوف.
7 – علاقة اسم النار – السعير - بحالها.
8 – ضعف قدرة الإنس و الجن البالغ فهم على غرورهم و كبرهم إنما هم يلعبون في قشرة الأرض و حولها و الكون الفسيح شاهد عظيم على مدى عجزهم و قلة علمهم.
9 – الإعجاز العلمي في القرآن في معرفة حقيقة الشهب و دلالة ذلك على صدق النبي صلى الله عليه و سلم .
10 – الانتباه للفروق بين المصطلحات الفلكية و اللغوية.
11 – الموقف عند حدوث ما يبدو أنه تعارض بين العلم و الوحي.
12 – القراءة الإجمالية لما ورد من الإعجاز العلمي في خلق السماوات و الأرض و يكفي فيه ما ذكروه أن درجة حرارة لب الشمس 15 مليون درجة مطلقة و حجمها يزيد عن مليون مرة حجم الأرض و الكون المشاهد – و الله أعلم بغير المشاهد فهذا ما ظهر من نافذتنا على الكون رأيناه بآلاتنا الضعيفة و نحن ذرة في هذا الكون – يحتوى على قرابة مائة ألف مليون مجرة في كل واحدة قرابة مائة ألف مليون نجم و قطر ذلك الكون المعلوم يقدر بأكثر من أربعة وعشرين ألف مليون من السنين الضوئية و المجرة التي نحن فيها تسير في خط مستقيم بما يقارب سرعة الضوء حوالي 555.55 كم /ثانية و الكون يتسع إلى حد لا يعلمه إلا الله فالمجرات تتباعد عن بعضها بسرعة تعادل تقريبا سرعة الضوء.



تفسير سورة الملك | الآية السادسة
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6)

*** قال أبو حيان: وقرأ الجمهور : { عذاب جهنم } برفع الباء؛ والضحاك والأعرج وأسيد بن أسيد المزني والحسن في رواية هارون عنه : بالنصب عطفاً على { عذاب السعير } ، أي وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم.

*** قال بن عاشور: وتقديم المجرور للاهتمام بتعلقه بالمسند إليه والمبادرة به .
وجملة ( وبئس المصير ) حال أو معترضة لإنشاء الذم وحذف المخصوص بالذم لدلالة ما قبل ( بئس ) عليه . والتقدير : وبئس المصير عذاب جهنم والمعنى : بئست جهنم مصيرا للذين كفروا.

*** بدأ سبحانه في الآية السابقة بذكر ما أعده للشياطين الذين يسترقون السمع في الدنيا ثم ثنى سبحانه بذكر عاقبة جنس الكافرين في الأخرة من الجن و الإنس و الرجال و النساء و الملحدين و المشركين و أهل الكتاب و السابقين و اللاحقين و من كل الأجناس و الألوان و الأشكال و اللغات المُعَظم و المُتبع و الحقير و الصغير و الكبير هم أمة واحدة لا فرق بينهم قد يكون عذابهم متفاوتا تبعا لأعمالهم و لكنهم كلهم أهل دار واحدة و هي جهنم عياذا بالله.
فهنا حقائق :
الأولى : أن لهم عذاب جهنم و ما أعظم عذاب الملك نسأل الله العافية و المغفرة.
الثانية : أن مصيرهم بئس المصير.
الثالث : أن لهم عقوبات في الدنيا تسبق عقوبات الآخرة.
و من أصدق من الله قيلا ؟ فتوشك أن تصبح تلك الحروف المكتوبة نيرانا و جحيما و مصيرا أسودا مظلما فليتدبر كل امرئ مصير نفسه أولا ثم مصير الكافرين بكل أنواعهم و أجناسهم فهم مهما بلغوا و ملكوا و حكموا و عُظموا و صالوا و جالوا و طغوا و بغوا إلى هذه النهاية.
و قد وصف الله سبحانه النار في كتابه في تسع مواضع بأنها بئس المصير و في ثلاث مواضع أنها بئس المهاد و في موضع أنها بئس القرار و في أخر أنها بئس مثوى الظالمين فليس هناك بؤس أشد من ذلك .
فتدبر بقلبك أحوالهم في الدنيا و حالهم في الآخرة و تخيل تقلبهم في دركات جهنم و مدى ألمهم فيها و حسرتهم يشفى قلبك من أمراض خطيرة فإن العين رائد القلب و الإنسان في دنياه غافل تسوقه شهوته فلما يرى تَمكُن المبطلين و الكافرين و المنافقين يتأثر قلبه بشدة إما طمع فيما عندهم أو خوفا مما عندهم و الناجي من أنجاه الله
فهى فتنة تدخل على الإنسان من كل جانب من سمعه و بصره و حواسه و ممن حوله من البشر و ربما كان الإنسان في ضيق فتشتد عليه الفتنة فلما يتأمل مصيرهم و نهايتهم و يوقن بصدق موعود الله يشفى قلبه بإذن الله .
أيضا في زماننا هذا خصوصية فقد مالت كفة العلوم و التقدم الدنيوي إلي جانب الكفار لأنهم أخذوا بأسباب التقدم و تسلطوا علينا بطرق مباشرة أو غير مباشرة جهلها أغلب المسلمين و نحن نبذنا ديننا و أخذنا بأسباب التخلف و سلط الله علينا بما كسبت أيدينا من لا يرقب فينا إلا و لا ذمة يسوموننا سوء العذاب و يصدوننا عن سبيل الله قهرا و يعلمون أبنائنا حضارة الغرب و يحقرون لهم تراث أبائهم المسلمين – الذين وصفهم الله سبحانه أنهم خير أمة أخرجت في الناس و لو فتشت الأمم لم تجد فيها أبدا كعظماء هذه الأمة ففي أمتنا من كانت الملائكة تستحي منه من أهتز عرش الرحمن لموته و من أدخل في النار و لم يمسه سوء – رغم أنه لا مقارنة بين الأمتين و يكفي أن أدلل على ذلك بأن أذكر مثال لمن يعظمونهم فهذا أحدهم اكتشف قاعدة رياضية فخرج من الحمام يجرى عاريا يصيح وجدتها وجدتها و هذا الأخر فيلسوف شهير ممن يعظمونهم و يعرفونه لأبنائهم ضاقت به الدنيا فأحرق نفسه بل قديسيهم الذين هم صفوتهم من رجال الدين يفتخرون لو أن أحدهم ظل في قبو لا يستحم لمدة عام و يعدون ذلك شرفا له .
و الخلاصة فقد وصل الحال إلى أن نشأ أغلب أبناء المسلمين بعيدين عن دينهم قريبين من حضارات الغرب الكافر يعظمون أهلها و يقتدون بهم و يتبعون سننهم حذو القذة بالقذة يرون التحضر و التقدم في إتباعهم و التخلف و التأخر في الرجوع إلى هدى الكتاب و السنة و منهم من يصرح بذلك و هم كثر مسلطون لا كثرهم الله و منهم من يجد في نفسه الغضاضة و لكن لا يصرح بها خوفا من الله و من تدين و سلك سبيل الهداية فأغلبهم على غير الجادة ما بين مبتدع و مُخلط و ليس عجيبا أن تجد العداوات و الخلافات الحادة بين المسلمين نتيجة الجهل و التعصب و الهوى .
و أصبح الصراع الداخلي في داخل الأمة ربما أشد من صراعها لأعدائها فمن جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا هم من يصدوننا عن سبيل ربنا و منهم العالم المعاند و المحارب لله و رسوله و منهم الجاهل و منهم المبتدع و صاحب الهوى و المأجور و صاحب المصلحة و من ترعرع في ظل التربية الغربية فشربها و أصبح سان حالها بيننا .
و المسلم إن قيض الله له من يهديه للسنة و الدين و يفهمه الأمر بصورتها الصحيحة يجد نفسه في غربة شديدة و فوق ذلك أنه بَشر له احتياجات بشرية المال و الطعام و المسكن فيسعى لاكتسابها و ربما وجد الضيق و يرى هؤلاء القوم ممكنون متكبرون مصدرون في المنابر الإعلامية و في سعيه على كسبه يغفل كثيرا و يفتن كثيرا و ليس الساعي على نفسه و أهله كمن تفرغ للعلم و العبادة ففرغ له قلبه قال الله سبحانه " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)" [النساء : 95] .
و لكن المعونة على قدر المؤونة و لم يزل الله سميعا مجيبا رفيقا بعباده و لولا الله و كرمه و لطفه و بره و عفوه ما زكى من الخلق من أحد أبدا و لكن الله يزكى من يشاء و يوسع على من يشاء و يلطف بعباده و يهيأ لهم سبل الخير من حيث يعلمون و لا يعلمون و يحسبون و من حيث لا يخطر ببالهم قط يرفق بهم في الدنيا و المتأمل لحالهم يقول هم في ضيق و هم في أعظم السعة جمعت لهم الدنيا بحذافيرها و لله الحمد و المنة على ما يليق به سبحانه.
والفائدة التي سقنا هذا الشرح لبيانها أن هذه الآية شفاء لصدر المؤمن في وقت غربته و تسلط عدوه عليه يتأمل فيها المصائر فتسكن نفسه و تثبت فالأمر ليس على ما هو عليه الآن بل هي لحظات و تتحدد المصائر فريق في الجنة و فريق في السعير.

*** قال بن منظور ( جهنم ) الجِهنّامُ القَعْرُ البعيد وبئر جَهَنَّمٌ وجِهِنَّامٌ بكسر الجيم والهاء بعيدة القَعْر وبه سميت جَهَنَّم لبُعْدِ قَعْرِها ولم يقولوا حِهِنَّام فيها وقال اللحياني جِهِنَّام اسم أَعجمي وجُهُنّام اسم رجل وجُهُنَّام لقب عمرو بن قَطَنٍ من بني سعد بن قيس بن ثعلبة وكان يُهاجِي الأَعشى ويقال هو اسم تابعته وقال فيه الأَعشى دَعَوْتُ خَلِيلي مِسْحَلاً ودَعَوْا له جُهُنَّامَ جَدْعاً للهَجِينِ المُذَمَّمِ وتَرْكُه إِجراءَ جهُنَّام يدل على أَنه أَعجمي وقيل هو أَخو هُرَيْرَة التي يَتَغَزّل بها في شعره وَدِّعْ هُرَيْرَةَ الجَوْهري جَهَنَّم من أَسماء النار التي يعذّب الله بها عباده نعوذ بالله منها هذه عبارة الجوهري ولو قال يعذب بها من استحق العذاب من عبيده كان أجود قال وهو مُلْحَق بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه ولا يُجْرَى للمعرفة والتأْنيث ويقال هو فارسي معرّب الأَزهري في جَهَنَّم قولان قال يونس بن حبيب وأَكثر النحويين جهنم اسم النار التي يعذّب الله بها في الآخرة وهي أَعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعُجْمة وقال آخرون جَهَنَّم عربيّ سميت نار الآخرة بها لبُعْد قَعْرِها وإِنما لم تُجْرَ لِثقَلِ التعريف وثِقَل التأْنيث وقيل هو تعريب كِهِنَّام بالعِبْرانية قال ابن بري من جعل جهنَّم عربّياً احتج بقولهم بئر جِهِنَّام ويكون امتناع صرفها للتأْنيث والتعريف ومن جعل جهنم اسماً أَعجميّاً احتج بقول الأَعشى ودَعَوْا له جُهُنَّامَ فلم يصرف فتكون جهنم على هذا لا تنصرف للتعريف والعجمة والتأْنيث أَيضاً ومن جعل جُهُنَّام اسماً لتابعة الشاعر المُقاوِم للأَعشى لم تكن فيه حجة لأَنه يكون امتناع صرفه للتأْنيث والتعريف لا للعجمة وحكى أَبو عليّ عن يونس أَن جهنم اسم عجمي قال أَبو عليّ ويقويه امتناع صرف جُهُنَّام في بيت الأَعشى وقال ابن خالويه بئر جِهِنَّامٌ للبعيدة القعر ومنه سميت جهنم قال فهذا يدل أَنها عربية وقال ابن خالويه أَيضاً جُهُنَّامُ بالضم للشاعر الذي يُهاجِي الأَعشى واسم البئر جِهِنَّام بالكسر.
قلت:و في حديث أبي هريرة : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعنا وجبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتدرون ما هذا ؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال " هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين عاما الآن انتهى إلى قعرها " رواه مسلم .

*** و في وصفهم بالكفر بربهم بيان لعظيم إجرامهم فقد خلقهم و أنعم عليهم و رحمهم حتى أنه من رحمته زين لهم سماء الأرض التي يحيون عليها و هو القدير الغني عنهم و هم أفقر ما يكون إليه و مع ذلك يكفرون به .
و جاءت الآية باسم ثان للنار و هو جهنم يدل على صفة غير الصفة الأولى التي ذكرت في الآية السابقة فهي مسعرة و موقدة و قعرها بعيد و هذه الصفات وصف إجمالى لها و الله أعلم بكنهها و تفاصيل العذاب فيها و لكن فيما علمناه إشارة إلى عظيم خطرها.
و في ذكر رجم الشياطين في الآية السابقة إشارة إلى العقوبات الدنيوية التي تنال جنس الكافرين فإن الشياطين هم رأس هذا الطرق و أصله و الله أعلم.

*** الفوائد العملية في الآية :
1 – مصير الكافرين ما بين عقوبات الدنيا و جحيم الآخرة.
2 – المصير البائس العظيم الذي ينتظر الكافرين .
3 – تأمل دخول كل أنواع و أجناس الكافرين تحت هذا الوعيد.
4- الشفاء القلبي للمؤمنين و المستضعفين بالتدبر في هذه الآية.


تفسير سورة الملك | الآية السابعة
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)

*** " إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور * تكاد تميز من الغيظ " :
الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان ذم مصيرهم في جهنم أي من جملة مذام مصيرهم مذمة ما يسمعونه فيها من أصوات مؤلمة مخيفة.
و ( إذا ) ظرف متعلق ب ( سمعوا ) يدل على الاقتران بين زمن الإلقاء وزمن سماع الشهيق .

*** " أَلْقَوْاْ ":
طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ويرمى به فيها ، ومثله قوله : { حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ]
و لفظة "ألقوا" فيها إشارة لهوانهم و إهانتهم ففيها غاية التحقير و الإذلال فكأنهم كوم من القمامة أو شيء فاسد يلقى في النار ليحرق و قد كانوا مُكَََََََرَمين كبشر في الدنيا و ربما كانوا جبابرة معظمين و لكن نهايتهم الإلقاء في النار .

*** " سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا ":
الشهيق في اللغة:
1 - الشَّهِيقُ أَقِبحُ الأصوات شَهِقَ وشَهَقَ يَشْهَقُ ويَشْهِقُ شَهِيقاً ردَّد البكاء في صدره .
و قيل : تردد الأنفاس في الصدر لا تستطيع الصعود لبكاء ونحوه أطلق على صوت التهاب نار جهنم الشهيق تفظيعا له.
2 - وشَهِيقُ الحمار آخر صوته وزفيره أوَّله وقيل شَهِيقُ الحمار نَهيقه .
قال بن منظور: قال وزعم بعض أَهل اللغة من البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار من النهيق والشهيق بمنزلة آخر صوته في الشَّهِيق وروي عن الربيع في قوله لهم فيها زَفِير وشَهِيق قال الزفير في الحلق والشَّهِيق في الصدر .
3 - ويقال الشَّهِيق ردُّ النفَس والزَّفِيرُ إخراجه الليث الشَّهِيقُ ضد الزفير والزفير إخراج النفس قال الله عز وجل في صفة أهل النار لهم فيها زَفِيرٌ وشَهِيق و يقال : يقال شَهِقَ يَشْهَقُ إذا تَنفَّس تنفُّساً.
4 - قال الزجاج الزَّفِير والشَّهِيق من أَصوات المكروبين قال والزفير من شديد الأنِين وقبيحه والشَّهِيقُ الأنِينُ الشديد المرتفع جدّاً .
5 - وفحل ذو شاهقٍ وذو صاهلٍ إذا هاجَ وصالَ فسمعت له صوتاً يخرج من جوفه الأَصمعي .
6 - والشَّهْقة كالصيحة يقال شَهَقَ فلانٌ وشَهِقَ شَهْقةً فمات .
أما الأثار :
وروى ابن جرير عن ابن عباس قال : " إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ فتقول: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف " . صححه بن كثير في النهاية
و قال السيوطي: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال : إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير ، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف ، وإن الرجل من أهل النار ما بين شحمة أذنيه وبين منكبيه مسيرة سبعين سنة ، وإن فيها لأودية من قيح تكال ثم تصب في فيه .
و أما العلماء فهم في تفسير ذلك على ثلاثة أقوال:
1 - أن المراد تشبيه صوت لهب النار بالشهيق و هو صوت قبيح كصوت الحمار أو تنفس كتنفس المتغيظ أو تصيح .
و هي تصوت مثل ذلك لشدة توقدها وغليانها.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { سمعوا لها شهيقاً } قال : صياحاً .
2 - قال عطاء : سمعوا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها شهيقاً
قال أبو حيان : ويحتمل أن يكون على حذف مضاف ، أي سمعوا لأهلها ، كما قال تعالى : { لهم فيها زفير وشهيق }
3 - سمعوا من أنفسهم شهيقاً ، كقوله تعالى : { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [ هود : 106 ] .
قلت (شريف): والصواب الذي لا محيد عنه هو التفسير الوارد في الأثر فالاحتمالات عديدة و كلها ظنية و لكن الأثر يفصل المسألة فالشهيق هنا النفس الداخل عكس الزفير و له صوت معروف إذا علا و أشتد و هو صوت منكر و الشهيق هنا شهيق إقبال و رغبة و ذلك من البغلة للشعير أما من النار للكافرين إقبال و رغبة في أذاهم و غضب و غيظ و الله أعلم اللهم أجرنا منها .

*** " وَهِىَ تَفُورُ " :
قال ابن عباس : تغلي بهم كغلي المرجل و قيل : تغلي وترتفع ألسنة لهيبها و قال مجاهد : تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.
قال الليث : كل شيء جاش فقد فار ، وهو فور القدر والدخان والغضب والماء من العين .
ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب ، قال المبرد : يقال تركت فلاناً يفور غضباً ، ويتأكد هذا القول بالآية التالية .
قلت (شريف): فالمعنى ارتفع و غلا .

*** قال بن عاشور: وجملة ( وهي تفور ) حال من ضمير ( فيها ).

*** قلت: و أظن الآية تفسير لقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم : 6] .
فصفة دخولهم النار كصفة صب الوقود على النار المشتعلة و ليس كصفة حرق النار لأي شيء عادى و أيضا إلقائهم و ليس دخولهم يؤكد هذا المعنى فكأنهم هم الوقود الذي تشتعل فيه النار يصب عليها فإذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا و إذا ألقوا قيها شهقت إليهم كشهوق البغلة للشعير و يزيد لهيبها و يزداد توهجها و يشتد غليانها و فورانها بهم .
و هنا صورة جديرة بالتأمل يعطيها لنا القرآن و هو مشهد النار كسجن كبير بعيد القعر تستعر ناره بشدة و يلقى فيه أعداء الله مهانين صاغرين أذلاء فيشهق إليهم و يفور بهم و يغلي و يرتفع ويحطم بعضه بعضا أو صورة النار كقدر كبيرة تستعر النيران فيها فإذا ألقى فيها الكافرين شهقت من شدة الغليان بهم و لك أن تجلس فتتدبر و تنظر كم سيكون هناك من صراخ يصم الأذان وألام و خوف و حسرات و اضطراب و لعنات و رعب و ذل و نحو ذلك .
و رغم أنهم فيها إلا أنهم يسمعون شهيقها زيادة في كربهم و عذابهم و المرء لما يعلم أن عدوه المحيط به من كل جانب قد اشتد غيظه عليه و يسمع زمجرته عليه يشتد رعبه و كربه فمن كان بين مخالب سبع يزمجر عليه فقد اجتمع عليه هم على همة فما بالك لمن في النار تشهق عليه و هي تغلي به و اشتد غيظها عليه.
و هذا يدلك على الصفة التي خلقت جهنم عليها فهى ليست كنار الدنيا بل هي سجن عظيم الله أعلم بمساحته فيه من الأهوال ما تشيب لها الولدان و لها حساسية خاصة للكافرين فهي تشهق لقدومهم و تغلي و تفور بهم غيطها عليهم كأعظم ما يكون.
هذا مصير الكافرين على اختلاف مللهم و نحلهم هذا مصير الجبابرة العظماء الملوك القاهرين الرؤساء الحاكمين الذين حادوا الله و رسوله (ص) و من تبعهم و والاهم و أعانهم و رضى سبيلهم " أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ".
كم ألقوا في السجون؟ و كم عذبوا من مؤمنين؟ و كيف كانوا يتلقونهم في التعذيب بالإهانة والأذى الشديد و شدة العذاب؟ فهذا هو الجزاء .

*** شيء مما ورد عن زفير النار في القيامة:
قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن جهنم تزفر زفرة لا يبقى معها ملك ولا نبي إلا خرّ ترعد فرائصه، حتّى إن إبراهيم ليجثو على ركبتيه ويقول: رب لا أسألك إلا نفسي اليوم.
قلت (شريف):رجاله ثقات و عبيد بن عمير من كبار التابعين مجمع على ثقته.
و زفرت النار : سُمِعَ لاتقادها صوت عكس الشهيق و الارتعاد : الرجفة والاضطرب من الخوف و الفَرِيصة : اللحم الذي بين الكتف والصدر ترتعد عند الفزع و الجثو : الجلوس على الركبتين.
* و في مصنف بن أبي شيبة حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ثقة) عَنِ الأَعْمَشِ (ثقة)، عَنِ الْمِنْهَالِ(ثقة ربما وهم) ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ(صدوق كثير الإرسال و الأوهام ، اختلف فيه الناس) ، عَنْ كَعْبٍ (صحابي) ، قَالَ : تَزْفِرُ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَفْرَةً ، فَلاَ يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَلاَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلاَّ وَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، يَقُول : يَا رَبِّ ، نَفْسِي نَفْسِي.
* قال بن السري (ثقة) حدثنا عبيده (هو بن حميد بن صهيب الكوفي:ثقة ربما أخطأ) عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال تزفر جهنم فلا يبقى ملك ولا نبي إلا وقع لركبتيه فرائصه ترعد قال حسبته يقول نفسي نفسي.
* قال هناد بن السري (الكوفي و هو ثقة) حدثنا محمد بن عبيد (هو الطنافسي و هوثقة من الطبقة :11 من أواسط الآخذين عن تبع الأتباع) عن سلمة بن نبيط (ثقة من الطبقة الخامسة من صغار التابعين) عن الضحاك (صدوق كثير الارسال ،مختلف فية)قال إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر ساجدا يقول رب نفسي نفسي.(قلت : و الأصح ما ورد آنفا من الجثو)

* قال بن الجوزى في تلبيس إبليس أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن احمد نا حمد بن احمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ ثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن الحسن البغدادي ثنا ابراهيم بن عبد الله الجنيد ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة ثنا سالم الخواص عن فرات بن السائب عن زاذان قال سمعت كعب الأحبار يقول إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ونزلت الملائكة وصارت صفوف فيقول يا جبرائيل أئتني بجهنم فيأتي بها جبريل فتقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتيه ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهب العقول فيفزع كل أمرىء الى عمله حتى أن ابراهيم الخليل يقول بخلتي لا أسألك إلا نفسي ويقول موسى بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي وان عيسى ليقول بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني
قلت (شريف):و في السند من لم أعرفهم .
* روى عبد الرزاق في تفسيره عن جعفر بن سليمان(ثقة) ، في قوله تعالى : ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) ، قال : سمعت علي بن زيد بن جدعان (ضعيف) يحدث عن مطرف بن عبد الله بن الشخير(ثقة) ، قال : نا كعب(ثقة) أن عمر ، قال له : حدثنا يا كعب خوفنا ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين أليس فيكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكمة ؟ ، قال : بلى ولكن خوفنا ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين اعمل عمل رجل لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملك مما ترى ، قال : فأطرق عمر مليا ثم أفاق ، ثم قال : زدنا يا كعب ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، لو فتح قدر منخر ثور من جهنم بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من شدة حرها ، قال : فأطرق عمر مليا ثم أفاق ، فقال : زدنا يا كعب ، قال : يا أمير المؤمنين إن جهنم تزفر يوم القيامة زفرة ما يبقى ملك مقرب ، ولا نبي مصطفى إلا خر جاثيا لركبتيه ، حتى إن إبراهيم خليل الله ليخر جاثيا لركبتيه ، يقول : لا أسألك اليوم إلا نفسي فأطرق عمر مليا ثم أفاق ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين أليس هذا في كتاب الله ؟ قال : كيف ؟ قال : قلت ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ).

*** الفوائد العملية في الآية :
1 – حقارة أهل النار مهما بلغ بهم الحال في هذه الدنيا.
2 – تدبر الكيفية التي خلقت عليها النار من عظمة العذاب و شدة الحساسية للكافرين.
3 – تدبر المشهد الوارد في الآية و الآثار المروية.
4 – تدبر نهاية الكافرين التي وصفها الله سبحانه بأنها بئس المصير.
5 – الخوف من الله و الاستعاذة من النار.


تفسير سورة الملك | الآية الثامنة
" تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ " الآية :8


*** وقوله ( تكاد تميز من الغيظ ) خبر ثان عن ضمير ( وهي ) مثلت حالة فورانها وتصاعد ألسنة لهيبها و رطمها ما فيها والتهام من يلقون إليها بحال مغتاظ شديد الغيظ لا يترك شيئا مما غاظه إلا سلط عليه ما يستطيع من الأضرار .

*** " تكاد تميز ":
1 – الأثار الواردة :
وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله : { تكاد تميز } قال : تتفرق .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { تكاد تميز } قال : يفارق بعضها بعضاً .
2 – أقوال أهل اللغة :
قال بن منظور: تَمَيَّزَ القومُ وامْتازوا صاروا في ناحية وتَمَيَّزَ من الغَيْظِ تَقَطَّع وفي التنزيل العزيز تَكادُ تَمَيَّزُ من الغَيْظِ .
3 – أقوال العلماء:
و ( تميز ) أصله تمييز أي تنفصل أي تتجزأ أجزاء تخييلا لشدة الاضطراب بأن أجزاءها قاربت أن تتقطع وهذا كقولهم : غضب فلان فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء و هذا وصف له بالإفراط في الغضب.
و قال بن عاشور: واستعمل المركب الدال على الهيئة المشبه بها مع مرادفاته كقولهم : يكاد فلان يتميز غيظا ويتقصف غضبا أي يكاد تتفرق أجزاءه فيتميز بعضها عن بعض وهذا من التمثيلية المكنية ونظير هذه الاستعارة قوله تعالى ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) في سورة الكهف إذ مثل الجدار بشخص له إرادة .

*** قال الرازى: " تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ " فإن قيل : النار ليست من الأحياء ، فكيف يمكن وصفها بالغيظ قلنا الجواب من وجوه: أحدها : أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة فلعل الله يخلق فيها وهي نار حياة.
وثانيها : أنه شبه صوت لهبها وسرعة تبادرها بصوت الغضبان وحركته.
وثالثها : يجوز أن يكون المراد غيظ الزبانية .
قلت(أبو يوسف): كيفية خلق النار و ماهيتها على التفصيل غير معلومة لنا بل تفاصيل عذابها غير معلوم لنا على وجه الحصر فنسلم بما ورد في الآثار و لا نزيد و لا ننقص .
و قد ورد حديث "اختصمت الجنة و النار........" الحديث فظاهر الحديث يخبرنا عن الجنة و النار كأن لهم صفة يعقلون بها و قال سبحانه "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا"و هنا أيضا ظاهر الآية يدل على غضب شديد تكاد النار تتقطع منه يجعلها تشهق إذا ألقى فيها الكافرين و تغلي بهم و تشتد.
و لا يكفى مجرد أننا لم نعتاد على هذه الصورة في الدنيا دليلا لإنكارها ووصفها بالمجاز لأن مجموع الأدلة يدل على أن للنار صفة تعقل بها و تتغيظ بها على الكافرين زيادة في عقوبتهم و إن كنا لا ندرى التفاصيل.
و قال سبحانه "إن عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" و قد سُمع أنين الجذع لفراق رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و لا شك أن ذلك عقوبة فوق العقوبة و بلاء فوق البلاء و عذاب فوق العذاب فالنار وحدها كافية فما بالك بتلك الصفة العظيمة من بعد القعر و الاستعار و الغيظ الذي يجعلها تكاد تتقطع و فورانها بهم و غليانها و اشتدادها بهم و زمجرتها عليهم إذا رأتهم من مكان بعيد
و هل هناك بلاء فوق أن تسلم لعدوك الذي يتغيط عليك أشد الغيظ ؟ و هل هناك عذاب فوق أن يكون عدوك هذا نارا مستعرة متأججة تغلي و تفور ؟ فهي نار محرقة تحترق غيظا على أعداء الله فاللهم أجرنا من النار فوا لله لو سلط الله على الكفار كلابا مسعورة لكان عذابا عظيما فما بالك بنار تكاد تتقطع من الغيظ .
فعذاب الله سبحانه يتضاءل بجواره كل عذاب من عذاب الدنيا.

*** و في إتحاف فضلاء البشر فى القراءات الأربعة عشر :
وقرأ " تكاد تميز " بتشديد التاء وصلا البزي بخلفه وأمال بلى بخلفه وحمزة والكسائي وخلف وبالفتح والصغرى الأزرق وأبو عمرو.
و قال أبو حيان:وقرأ الجمهور : { تميز } بتاء واحدة خفيفة ، والبزي يشدّدها ، وطلحة : بتاءين ، وأبو عمرو : بإدغام الدال في التاء ، والضحاك : تمايز على وزن تفاعل ، وأصله تتمايز بتاءين؛ وزيد بن علي وابن أبي عبلة : تميز من ماز من الغيظ على الكفرة ، جعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم ، ومثل هذا في التجوز قول الشاعر:
في كلب يشتد في جريه . . . يكاد أن يخرج من إهابه

*** و في لسان العرب :الغيْظُ الغَضب وقيل الغيظ غضب كامن للعاجز وقيل هو أَشدُّ من الغضَب وقيل هو سَوْرَتُه وأَوّله.
قلت(أبو يوسف): و المراد هنا الغيظ الذي هو أشد الغضب.

*** قال بن عاشور: و ( كلما ) مركب من ( كل ) اسم دال على الشمول ومن ( ما ) الظرفية المصدرية وهو حرف يؤول مع الفعل الذي بعده بمصدره .
والتقدير : في كل وقت إلقاء فوج يسألهم خزنتها الفوج .
وباتصال ( كل ) بحرف ( ما ) المصدرية الظرفية اكتسب التركيب معنى الشرط وشابه أدوات الشرط في الاحتياج إلى جملتين مرتبة إحداهما على الأخرى.
وجيء بفعلي ( ألقى ) و ( سألهم ) ماضيين لأن أكثر ما يقع الفعل بعد ( كلما ) أن يكون بصيغة المضي بأنها لما شابهت الشرط استوى الماضي والمضارع معها لظهور أنه للزمن المستقبل فأوثر فعل المضي لأنه أخف .

*** " كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلل كبير" (9)
أتبع وصف ما يجده أهل النار عند إلقائهم فيها من فضائع أهوالها بوصف ما يتلقاهم به خزنة النار .
فالجملة استئناف بياني أثاره وصف النار عند إلقاء أهل النار فيها إذ يتساءل السامع عن سبب عن وقوع أهل النار فيها فجاء بيانه بأنه تكذيبهم رسل الله الذين أرسل إليهم مع ما انضم إلى من وصف ندامة أهل النار على ما فرط منهم من تكذيب رسل الله وعلى إهمالهم النظر في دعوة الرسل والتدبر فيما جاءهم به.

*** الفوج الجماعة من الناس .
قال بن عاشور: والفوج : الجماعة أي جماعة ممن حق عليهم الخلود وجيء بالضمائر العائدة إلى الفوج ضمائر جمع في قوله (سألهم) الخ لتأويل الفوج بجماعة أفراده كما في قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ).
قلت: و كما كانوا في الدنيا أفواجا و جماعات و شعوب و قبائل يحادون الله و رسوله ففي الآخرة يلقون فيها بالجملة كالقمامة تلقى في القليب لتفور بهم النار هؤلاء أمما كانت قاهرة و حضارات دنيوية متقدمة أغلبهم من العتاة و الجبارين و المتكبرين و منهم الذين لكلمتهم تهتز العروش هؤلاء لا قيمة لهم في الآخرة .
روى البخارى في صحيحه عن سهل قال : مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ قَالَ ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا.
فلا ينبغي للمؤمن أن يغتر بكثرة الكافرين و قد قال سبحانه " و إن تطع أكثر من الأرض يضلوك عن سبيل الله" و قال " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) [الأعراف : 101 ، 102]" و قال سبحانه " لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهَادُ (197) [آل عمران : 196 - 198]" .
فكثرتهم و تقلبهم في الأرض فتنة و الدليل قائم على أنهم على أعظم الباطل.
و قال تعالى :" لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" (37)
قال بن الجوزى: قوله تعالى : { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } أي : يجمع بعضه فوق بعض ، وهو قوله : { فيركمه } . قال الزجاج : الركم : أن يُجعَل بعضُ الشيء على بعض ، يقال : ركمت الشيء أركُمه رَكماً ، والركام : الاسم؛ فمن قال : المراد بالخبيث : الكفار ، فانهم في النار بعضهم على بعض.اه بتصرف
*** " خَزَنَتُهَا ":
الملائكة الموكل إليهم أمر جهنم وهو جمع خازن للموكل بالحفظ وأصل الخازن : الذي يخزن شيئا أي يحفظه في مكان حصين فإطلاقه على الموكلين مجاز مرسل و هم مالك وأعوانه من الزبانية .

*** " أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ " :
وهو سؤال استنكار و توبيخ و تقريع ليزدادوا حسرة ، قال الزجاج : وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب.
قلت: فكأنه يقولون لهم ما الذي أتى بكم إلى هنا ألم تنذروا هذا العذاب العظيم؟ هل يمكن لعاقل أن يُحذر من مثل هذا ثم يقع فيه؟ ألم يأتكم نذير ؟
قال تعالى حاكيا عن المنافقين قولهم "أنؤمن كما آمن السفهاء" فأجابهم الله "ألا إنهم هم السفهاء و لكن لا يعلمون" فما أبلغ حمق و سفه من حُذر من النار و قامت له البراهين و الحجج على صدق الوحي فكذب و أبى ركونا إلى ما في يده من نعمة الله و كبرا بها على الحق.

*** و هذه المقالة من الملائكة تكرر قال سبحانه "وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)" [غافر : 50 ، 51]
فيمتنع الملائكة من الدعاء لهم و الشفاعة فيهم لهذه العلة فقد بلغتهم الرسالة و قامت عليهم الحجة فلا تنفعهم شفاعة الشافعين و لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به .
فكم في تكذيب الرسل من خسران تعرضوا له؟

*** وجملة ( ألم يأتكم نذير ) بيان لجملة سألهم كقوله ( فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ) .

*** والنذير : المنذر أي رسول منذر بعقاب الله.
قال بن عاشور:وهو مصوغ على غير قياس كما صيغ بمعنى المسمع السميع في قول عمرو بن معد يكرب : أمن ريحانة الداعي السميع .
و قال بعضهم: أن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المحذرة المخوفة ، ولا أحد يدخل النار إلا وهو مخالف للدليل غير متمسك بموجبه .

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 7:35 pm

قلت(أبو يوسف): و المختار أن النذير هنا الرسول البشري و يشمل ذلك أيضا الحجة الرسالية التي يقيمها أتباع الرسل و ذلك أن تلك اللفظة ذكرها القرآن ثلاثين مرة تقريبا بلفظ (نذير /النذير) و كلها تشير إلي الرسول البشرى باستثناء مرتين " أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) [الملك : 17] " قيل في النذير ههنا إنه المنذر ، يعني محمداً عليه الصلاة والسلام وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك ، والمعنى فستعملون رسولي وصدقه ، لكن حين لا ينفعكم ذلك ، وقيل : إنه بمعنى الإنذار ، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول و الثانية " هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) [النجم : 56] " فسر بالقرآن و فسر بالرسول صلى الله عليه و سلم .
أما باقي الأيات فتشير بوضوح للنذير البشرى مثل " إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ " و " فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ " و " وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا " و " إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ" و " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ " و " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ".

*** قال الرازى: احتجت المرجئة على أنه لا يدخل النار أحد إلا الكفار بهذه الآية ، قالوا : لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا : كذبنا النذير ، وهذا يقتضي أن من لم يكذب الله ورسوله لا يدخل النار .
قلت أبو يوسف:و هذا من أبطل الباطل فإن النصوص المتواترة جاءت بدخول عصاة الموحدين النار ثم خروجهم منها بشفاعة النبي(ص) أو الشهداء أو المؤمنين حتى يقول الله تعالى شفعت الملائكة وشفعت النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط و لكنهم موحدون.
و يمكن أن يجاب عن شبهتهم أن في النار مواقف عديدة و مواطن لا يعلمها إلا الله و هذا الموطن خاص بدخول الكفار و ليس عصاة المؤمنين أو أن السؤال يسأل لهم جميعا فيجيب الكفار هذه الإجابة و لم تتعرض الآية لإجابة عصاة الموحدين أو غير ذلك من الإجابات التي الغرض منها ليس تعيين جواب بعينه لأن الشرع لم يخبنا بذلك على حد علمي بقدر ما أن الغرض نفى التعارض لدرء الشبهه.

*** قال الرازي: احتج القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع بهذه الآية وقالوا : هذه الآية دلت على أنه تعالى إنما عذبهم لأنه أتاهم النذير ، وهذا يدل على أنه لو لم يأتهم النذير لما عذبهم .
قلت أبو يوسف: و أجمل من هذا و أوضح قوله تعالي " و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " فالله الكريم الحميد المجيد من آثار رحمته أنه يقيم حجته فيرسل رسله و ينزل كتبه و يقبل عذر المعذور و لا أحد أحب إليه العذر من الله و هذا من عظيم فضله و رحمته التي يغفل عنها كثير من الناس.
أخرج البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين " .
وأخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا شخص أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ، ولا شخص أحب إليه المدح من الله ولذلك وعد الجنة » .
و في رواية الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ما أحد أغير من الله وذلك أنه حرم الفواحش وما أحد أحب إليه المدحة من الله وذلك لأنه مدح نفسه ولا أحد أحب إليه العذر من الله وذلك أنه اعتذر إلى خلقه ولا أحد أحب إليه الحمد من الله وذلك أنه حمد نفسه "
وفيه عبد الله بن حماد بن نمير : لم أعرفه .
و في الآية أن الله أعذر إلى خلقه بأنه سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه و ذلك من كرم الله و رحمته و فضله.

*** و هنا قضية الخلق و هي قضية في غاية العدل فإن الله سبحانه الإله المستحق للعبادة الرب العظيم خلق الخلق جميعهم يعبدوه و لا يشركوا به شيئا و نخص هنا بالذكر خلق الإنسان.
فالإنسان مخلوق من مخلوقات الله حاله كحالهم لا يملك من الكون ذرة فما دونها بل لا يملك في جسده ذرة و لا طاقة له بتشغيل خلية واحدة فقط في جسده و إنما خلقه الله ليعبده فهو مخلوق من مخلوقات الله وهب الله له الحياة و خلق بدنه و روحه و سخرهم له فالإنسان عبد خلقه الله من تراب ثم من نطفة خرجت من مجرى البول ثم خرج للدنيا ملطخا بالأذى فقيرا عاجزا فأواه الله و مكنه في الدنيا و الله خلق العبد و أفعاله و أعماله و أرادته و كل ما فيه و له و لا طاقة للعبد على حركة واحده و لا فعل و لا قول إلا بتمكين الله إياه منه فكل خطوة يخطوها الإنسان قد خلقها الله كما خلقه و قس على ذلك .
و لكن لما كانت صورة الابتلاء التي قدرها الله عليه أن يكون في صورة مالك حر متحكم نسي حقيقته و غاب عنه فقره و عجزه بالملك الصوري و الحرية الزائفة التي وجدها في الدنيا و هو في الحقيقة لم و لن يتغير عن صورة المخلوق المربوب .
و انقسم الخلق فريقين فريق علم أصله و تدبر حاله و نظر في رسالة الرسل فرأى أنهم جاءوا بالحق المبين و أنه عبد مملوك لا يليق له التمرد و الشرود من سيده فعلم للربوبية حقها فاستسلم لله سبحانه و آمن برسله فجزاه الله في الدنيا حياة طيبة و في الآخرة الجنة.
و فريق أخر غرته صورة الحرية في الدنيا فهو يرى نفسه حرا متحكما في ذاته بل و في غيره و ربما في أمم و شعوب و رغم أنه يعلم عجزه عن نفع و ضر نفسه فهو يمرض و يحزن و يصيبه البلاء و أنه محدود بحدود لا يستطيع تجاوزها و أنه عما قريب ميت و أنه لم يهب لنفسه حتى الحياة بل أوجد في الدنيا قسرا كأي مخلوق .
اغتر بصورة الملك و ضن بها فلما جاءته الرسل و النذر أعرض عنها و جحدها و ربما تكبر على أهلها و حاربهم و عاداهم أشد الحرب و العداء و هو يعلم في داخله أنه كاذب فعوقب بالمعيشة الضنك و النار.
و بين هذين الرجلان من الدرجات درجات كثيرة ربها أعلم بها.
فالقضية العادلة أن الله إله الكون كله و رب العالمين لا إله غيره خلقنا من ضمن ما خلق لنعبده فإما عبد مطيع و إما عبد آبق فجزى الله المطيع خيرا و جزى الله الكافر بعمله.
و لكن إن ذكرنا ذلك فلا ينبغي أن لا نذكر أن الله سبحانه أكرمنا بعطايا جعلت عبوديتنا في أجمل صورة كرما منه و تفضلا فقد خلقنا سبحانه بيده في أحسن تقويم و أسجد لنا ملائكته و أظهر شرفنا لهم و سخر لنا ما في الأرض جميعا منه و رزقنا في الدنيا جنة الإيمان بالعبودية له سبحانه و التوكل عليه و الإخلاص له و دعاؤه و مناجاته فهو سبحانه سميع قريب مجيب خلق لنا من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها و جعل بيننا مودة و رحمة و جعل لنا من أزواجنا بنين و حفدة و رزقنا من الطيبات و جعل مع العسر في الدنيا يسرين و لم يغلق باب التوبة في وجه من أخطأ و بسط سبحانه يده بالليل ليتوب مسيء النهار و يده في النهار ليتوب مسيء الليل و رضى منا باليسير من العمل و تجاوز و عفا عن الكثير من الزلل فما أصابنا من مصيبة فبما كسبت أيدينا و يعفوا عن كثير و من كل ما سألناه أعطانا و أعطانا من النعم في الدنيا ما لا نعد و لا نحصي و جعل امتحاننا في الدنيا قصير جدا و أعاننا فيه بإرسال الرسل و إنزال الكتب و موالاة الحجج و لم يجعل النجاة قاصرة على الكُمل بل كل موحد ناج أصابه قبل ذلك ما أصابه.
ووعدنا في الآخرة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر مخلدين فيها لنا فيها ما نشاء في ملك كبير عظيم لا نحزن فيه أبدا .
فأي عدل فوق هذا و أي فضل فوق هذا فمن آبق فقد جحد حق الربوبية و الإلهية و جحد فضل الله فاستحق العقوبة.
و من آمن ناله من الخير العظيم ما هو فوق أمنيته مخلدا فيه.
و لو لم يكن من ذلك إلا أن الله خلق الخلق و أمرهم بعبادته و عاقب من أساء لكان عدلا و لو كلفهم أن يعبدوه الليل و النهار و لكنه سبحانه رحمن رحيم كريم له الأسماء الحسنى و الصفات العلا فتبارك الله رب العالمين.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – النار لها كيفية تدرك بها و تعقل و هي عظيمة الغيظ على الكافرين حتى كأنها تكاد تتقطع غيظا منهم و هذا من زيادة عقوبتهم و هذا يقود للخوف من الله فأشد عذاب الدنيا يتضاءل أمام هذا العذاب و نسأل الله العافية.
2 – عدم الاغترار بكثرة الكافرين و تقلبهم فكما كفروا أفواجا و حادوا الله أحزابا و تقلبوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد سيدخلون النار أفواجا يلقون فيها كالقمامة تلقى في القليب لا قيمة لهم و لا وزن .
3 – التأمل في سفه من بلغه النذير بهذا الوعيد الشديد و قام لديه دليل صدقه ثم لم يسعى في نجاة نفسه أو من بلغه النذير و لم يكلف نفسه عناء البحث عن صدقه فهؤلاء بسوء صنيعهم لا تنفع فيهم شفاعة شافع و لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به.
4 - عظمة الله و رحمته في إعذاره إلى خلقه بإرسال الرسل إليهم قبل عقوبتهم و هو غنى عنهم و سوء صنيع الكافرين بتكذيب النذير رغم عجزهم و فقرهم.
5 – التأمل في عدالة قضية الخلق و عظيم فضل الله على خلقه.


تفسير سورة الملك | الآية التاسعة
" قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ " الآية :9


*** قال في التحرير: وكان جوابهم جواب المتحسر المتندم فابتدئوا الجواب دفعة بحرف ( بلى ) المفيد نقيض النفي في الاستفهام فهو مفيد معنى : جاءنا نذير ولذلك كان قولهم ( قد جاءنا نذير ) مؤكدا لما دلت عليه ( بلى ) وهو من تكرير الكلام عند التحسر مع زيادة التحقيق ب ( قد ) وذلك التأكيد هو مناط الندامة والاعتراف بالخطأ.

*** و هنا اعتراف منهم بعدل الله ، وإقرار بأنه عز وعلا أزاح عللهم ببعثة الرسل وإنذارهم فيما وقعوا فيه ، وأنهم لم يؤتوا من قدره كما تزعم الجبرية ، وإنما أتوا من قبل أنفسهم واختيارهم بتكذيبهم الرسل.

*** " إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ " وجوه :
الوجه الأول : أنه من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين قال الرازي: و هو الأظهر و قال أبو حيان : هو الظاهر.
الوجه الثاني : يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار ، والتقدير أن الكفار لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم : " إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ " .
و على هذا الوجه يحتمل أن يكون المراد من الضلال الكبير ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الهلاك ، ويحتمل أن يكون سمي عقاب الضلال باسمه .
و قال في التحرير: وجملة ( قالوا بلى قد جاءنا نذير ) معترضة بين كلام خزنة جهنم اعتراضا يشير إلى أن الفوج قاطع كلام الخزنة بتعجيل الاعتراف بما وبخوهم عليه وذلك من شدة الخوف وفصلت الجملة لوجهين لأنها اعتراض ولوقوعها في سياق المحاورة كما تقدم غير مرة كقوله تعالى ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها) في سورة البقرة
وجملة ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) الأظهر أنها بقية كلام خزنة جهنم فصل بينها وبين ما سبقها من كلامهم اعتراض جواب الفوج الموجه إليهم الاستفهام التوبيخي كما ذكرناه آنفا ويؤيد هذا إعادة فعل القول في حكاية بقية كلام الفوج في قوله تعالى ( وقالوا لو كنا نسمع ) الخ لانقطاعه
الوجه الثالث: قال الزمخشري : أو من كلام الرسل لهم حكوه للخزنة ، أي قالوا لنا هذا فلم نقبله.
قلت (ش): و الوجوه الثلاثة صحيحة فقد قال الكفار ذلك لرسلهم كما ورد في الكتاب العزيز:" قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) [الأعراف : 60]" و " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) [الأعراف : 66]" و " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) [يس : 47]" و يحتمل أن الخزنة أجابتهم بهذا و قد كانت رسالة المنذرين لأقوامهم أنهم في ضلال مبين وورد التصريح بذلك كما ورد عن نبي الله إبراهيم " قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) [الأنبياء : 54]" " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) [الأنعام : 74]" و كما قال كفار قريش عن النبي (ص) أنه جاء يسفه أحلامهم و يضلل أبائهم.
و الأقرب و الأظهر أن المقصود قول الكفار لأقوامهم فهو ظاهر السياق و المتكرر في الكتاب العزيز عنهم رغم اختلاف مكانهم و زمانهم فكأنه سمة لهم و الله أعلم.

*** وعموم ( شيء ) في قوله ( ما نزل الله من شيء ) والمراد منه : شيء من التنزيل يدل على أنهم كانوا يحيلون أن ينزل الله وحيا على بشر وهذه دعوى أهل الكفر قال تعالى ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ) .

*** لماذا جاء الخطاب "إن أنتم " بالجمع ؟
1 - قال أبو حيان: فإن كان الخطاب في { إن أنتم } للرسل ، فقد يراد به الجنس ، ولذلك جاء الخطاب بالجمع.
قلت (ش): أظنه يعنى التكذيب بجنس الرسالات السماوية النازلة على البشر.
2 - و قال بن عاشور: وأوتي بضمير جمع المخاطبين مع إن لكل قوم رسولا واحدا في الغالب باستثناء موسى وهارون وباستثناء رسل أصحاب القرية المذكورة في سورة يس أما على اعتبار الحكاية بالمعنى بأن جمع كلام جميع الأفواج في عبارة واحدة فجيء بضمير الجمع والمراد التوزيع على الأفواج أي قال جميع الأفواج : ( بلى قد جاءنا نذير ) إلى قوله ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) على طريقة المثال المشهور " ركب القوم دوابهم ".
3 - و قال : وإما على إرادة شمول الضمير للنذير وأتباعه الذين يؤمنون بما جاء به .

*** قال في التحرير: ومعنى القصر لمستفاد من النفي والاستثناء ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) قصر قلب أي ما حالكم التي أنتم متلبسون بها إلا الضلال وليس الوحي الإلهي والهدى كما تزعمون .
والظرفية مجازية لتشبيههم تمحضهم للضلال بإحاطة الظرف بالمظروف.
ووصف الضلال ب ( كبير ) معناه شديد بالغ غاية ما يبلغ إليه جنسه حتى كأنه جسم كبير .

*** و النكتة هنا ليس أن تتدبر فقط الكلام بل أن تراه في واقع المكذبين كيف فعلوه؟ فتربط الكلام المسطور بالكون المعمور من حولك فهو كلام الله الذي يعم كل جيل و كل زمان و فيه شفاء القلوب من أمراضها و هو ليس كلاما يتلى للتبرك بل هو الواقع الذي تراه في كل يوم و تحياه .
قال تعالى :" وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ " أقام الله سبحانه الحجة على كل أمة و من مات في الفترة امتحن يوم القيامة إعذارا من الله العظيم سبحانه إلى خلقه و قد جاءت الرسل صلوات الله و سلامه عليهم بالبراهين الواضحة و الأدلة الناصعة القاطعة لكل من يريد الحق و اختارهم سبحانه ممن لا يُعلم عليهم كذبا و من أشراف قومهم و من لم يكن لآبائهم ملك فيقال يسعون لملك أبائهم.
أما الأمم الكافرة فقد كذبت الرسل و أنكرت نزول الوحي عليهم و تعللوا بعلل مختلفة فمنهم من أنكر أن يكون الرسول بشر و منهم من قال لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم و منهم ما نراك أتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي و عللهم متشابهة مع اختلاف أزمانهم و أجناسهم تشابهت قلوبهم.
و لم يكتفوا بالتكذيب بل اتهموا الرسل و أتباعهم بأعظم الضلال اتهموهم بالضلال و السفه و الجنون و الشعر و الافتراء على الله و أنهم مصابون بمس من الجن و أن الآلهة أصابتهم بسوء و أنهم اتبعه الأرذلون بلا حكمة و لا تدبر و أنهم جاءوا بذلك ليكون لهم الملك و الكبرياء في الأرض و في زماننا وصفوهم بالجهل و الظلام و الرجعية و التخلف و التحجر و الجمود و الغباء و التطرف و الأصولية والتكفير والجهل.
و الذين كذبوا من كل أمة هم الملأ و الكبراء و اتبعهم أقوامهم و لما قالوا مقالاتهم فوافقهم عليها أقوامهم نسب القول لهم جميعا و لما اجتمعوا على ذلك كان الجزاء أن يلقوا في النار أفواج و لم يكتفوا بهذه الاتهامات بل شهروا بهم في كل محفل و أطلقوا أبواقهم على أشدها لتصرخ بذلك في كل مكان كم كتبوا من مقالات و استأجروا من أقلام و صنعوا من برامج و أقاموا من دعايات و أطلقوا من قنوات فكم فتن بهم من أقوام و صُدوا عن السبيل و كم نشأت من أجيال منحرفة بسببهم ففتنتهم كم شب فيها من الصغير و هرم فيها من الشباب و مات فيها من الشيوخ كم كان في صد الكبراء و إتباع الخلق لهم من فتنة؟ ليصبح المؤمن غريبا هذا واقع يقصه القرآن مجملا فإن تدبرته أخرجت التفاصيل التي توجد في واقع الناس .
و انتبه أن هذا الاتهام رغم أنهم عرفوا صدقهم في رسالتهم و علموا أنهم هم المجرمون الصادون عن سبيل الله فاتبعوا التكذيب العظيم بحجود الرسل الكرام باتهام الرسل بالضلال الكبير فجمعوا أعظم التكذيب مع إيذاء الرسل الشديد و كان ذلك جوابهم على دعاة الله الذين ارسلهم إليهم و بما اقترفت أيديهم طبع الله على قلوبهم بظلمهم و نسوا الله فأنساهم أنفسهم و زين لكل أمة عملهم و أوحي بعضهم إلي بعض زخرف القول غرورا فصغت إليه قلوبهم و رضوه و اقترفوا ما هم مقترفون و تدبر موقف الصغار و الحسرة التي هم فيها الآن و قارن ذلك بكبرهم و بطشهم و غرورهم .

*** الفوائد العملية في الآية :
1 – كرم الله و رحمته في الإعذار إلى خلقه بإرسال الرسل .
2 - عظيم جحود الكافرين حيث لم يكتفوا بالتكذيب بالآيات البينات بل اتهموا الرسل بأعظم الضلال و آذوهم أشد الإيذاء فجمعوا بين السوءتين و تأمل أن هذا ردهم على رسالة ربهم الذي رحمهم بإرسال النذر و ألا يؤخذوا بغتة بدون نذير.
3 – الحسرة و الصغار و العذاب الذي تلقوه جزاء أعمالهم و التي إن تدبرها المؤمن هان عليه كيدهم و مكرهم و افتراءهم.
4 – آثار اتهامهم الرسل بالضلال الكبير على الخلق فكم ضلت من أمم بسبب تلك الدعاوى و الاتهامات.


تفسير سورة الملك | الآية العاشرة
" وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ " الآية : 10

*** أما مقالتهم هذه فإلى من َوجهوها قولان :
1 - قال في التحرير : ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحب السعير) أعيد فعل القول للإشارة إلى أن هذا كلام آخر غير الذي وقع جوابا على سؤال خزنة جهنم وإنما هذا قول قالوه في مجامعهم في النار تحسرا وتندما أي وقال بعضهم لبعض في النار فهو من قبيل قوله تعالى ( حتى إذا اداركوا فيها جميعا قال أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ) الخ .
2 - أي للخزنة حين حاوروهم.
قلت (أبو يوسف) : و سواء كانت مقالتهم هذه للخزنة أم تحسروا بعد ذلك فالمعنى واحد أنهم يندمون أعظم الندم على ما أسلفوه و يرون أنفسهم جاءوا بالخبل و الجنون كالمرء يندم على ما أسلف فيضرب نفسه بالنعال.

*** دلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل ، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ، وأنهم ما كانوا صم الأسماع ولا مجانين ، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع خاص و عقل خاص.
* و أقوال العلماء في ذلك السماع على ثلاثة أقوال:
1 – أن المقصود سماع التدبر و التفكر فكانوا كمن لا يسمع.
2 – أن المقصود سماع القبول و الإجابة.
3- أن المقصود أنهم رفضوا السماع كما حكى الله سبحانه عنهم ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ).
و المعنى الثالث و إن كان صحيحا إلا أنه و الله أعلم ليس المقصود بالآية و الأظهر أن المقصود الثاني و الأول قد يدخل معه على أنه سماع التدبر الذي يقود للهداية و إلا فإن منهم من تدبر ليصد عن سبيل الله و الدليل عل ذلك آيات الكتاب:
أ - " وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ " (179) [الأعراف : 179 ، 180]
فلم يكونوا معاقين بدنيا بل إيمانيا.
ب - " أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ " (100) [الأعراف : 100 ، 101]
و هذا يدلك أن هذا الصمم من عقوبات الإعراض كقوله تعالى :" خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) [البقرة : 7]".
ج – " وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) " [يونس : 42]
د – " أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) " [الفرقان : 44]
ه – " حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) " [فصلت : 1 - 4]
و – " وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) "
ز – " قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) "[الأنبياء : 45]
ح – " إنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) " [الأنعام : 36]
ط – " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)" [الحج : 46]
ي – " وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)" [الجاثية : 7 ، 8]
فحاسة السمع عندهم سليمة و لكنهم يستكبرون كأنهم لم يسمعوا فختم على سمعهم و كما كانوا لا يسمعون في الدنيا عوقبوا في الآخرة قال تعالى : " لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) [الأنبياء : 100 ، 101]
أما المؤمنون فبسماعهم في الدنيا كوفئوا ألا يسمعوا حسيس النار بعد دخولهم الجنة "لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102)" [الأنبياء : 102] قال ابن عباس : لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إِذا نزلوا منازلهم من الجنة .
* أما انتفاء العقل فهو بترك التدبر في آيات الرسل ودلائل صدقهم فيما يدعون إليه فقد كانوا عقلاء في أمر دنياهم بل منهم الخبراء و الأذكياء و الذين بلغوا أقصى مراتب العلم الدنيوي و لكنهم في أمر الدين إما متكبرين أو معرضين يصدون أنفسهم و من حولهم و لا يصغوا لداعي السمع و العقل قال تعالى "و هم ينهون عنه و ينئون عنه و إن يهلكون إلا أنفسهم و ما يشعرون".

*** و قد وصفهم الله سبحانه بأنهم لا يعقلون و أنهم أضل من البهائم و أنهم شر الدواب و وصف سبحانه المنافقين بالسفهاء و هل هناك جنون و سفه أعظم من أن ينذروا النار و تقام لهم الحجج و البراهين فيجحدوها و يؤذوا الرسل أعظم الإيذاء و يحاربون الله و رسله جهارا نهارا جماعات و فرادى و يبذلون وسعهم في ذلك و ينفقون أموالهم و يضحون بأبنائهم ؟ فأى غباء و حمق أكبر من ذلك ؟ فالذي يقفز من شاهق أو يقف أمام القطار أو يستفز سَبُعُ أكثر عقلا منهم.
و لكن الكبر و الجحود يقود لذلك و العقوبات القلبية بالطبع على القلب و السمع و البصر تجعلهم يستمرون .
" وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) [البينة : 5]" لم يكلفهم الله سبحانه إلا اليسير فما أعظم غبنهم و خسارتهم .

*** فالصمم الحقيقي هو أن يعرض المرء عن سماع الحق أو لا ينتفع به بعد سماعه و العمى عمى القلب عن الحق و السفه و الجنون ألا يتدبر الآيات فيهتدي و البَكم ألا يتكلم بالحق.
فالكفار معاقون مساكين على الحقيقة و لكنهم هم من قدموا ذلك لأنفسهم هم من دمر سمعه و بصره و قلبه و حسه فلا يلومون إلا أنفسهم.

*** قال في التحرير: ولا شك أن أقل الناس عقلا المشركون لأنهم طرحوا ما هو سبب نجاتهم لغير معارض يعارضه في دينهم إذ ليس في دين أهل الشرك وعيد على ما يخالف الشرك من معتقدات ولا على ما يخالف أعمال أهله من الأعمال فكان حكم العقل قاضيا بأن يتلقوا ما يدعوهم إليه الرسل من الإنذار للامتثال إذ لا معارض له في دينهم لولا الإلف والتكبر بخلاف حال أهل الأديان اتباع الرسل الذين كانوا على دين فهم يخشون إن أهملوه أن لا يغني عنهم الدين الجديد .

*** قال بن عاشور: وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى ( أم تأمرهم أحلامهم بهذا ) من سورة الطور عن كتاب الحكيم الترمذي إنه أخرج حديثا " إن رجلا قال : يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني فقال النبي صلى الله عليه و سلم : مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير ) قال وفي حديث ابن عمر فزجره النبي صلى الله عليه و سلم وقال : " مه إن العاقل من يعمل بطاعة الله " ولم أقف عليه فيما رأيت من كتب التفسير ولم يذكره السيوطي في التفسير بالمأثور في سورة الطور ولا في سورة الملك .
قلت : و لم أجده.

*** و في الآية مراعاة للترتيب الطبيعي لأن سمع دعوة النذير هو أول ما يتلقاه المنذرون ثم يعملون عقولهم في التدبير فيها و جمع بين السمع و العقل لان مدار التكليف على أدلة السمع و العقل.

*** قال الزمخشري : ومن بدع التفاسير : أنّ المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي ، كأنّ هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين ، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم ، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة؛ وعدّة المبشرين من الصحابة : عشرة ، لم يضم إليهم حادي عشر ، وكأن من يجوز على الصراط أكثرهم لم يسمعوا باسم هذين الفريقين.
قال في التحرير: ولم أقف على تعيين من فسر الآية بهذا و لا أحسبه إلا من قبيل الاسترواح .

*** قال الرازي: احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية ، وقالوا : دلت الآية على أن للسمع مدخلاً في الخلاص عن النار والفوز بالجنة ، والبصر ليس كذلك ، فوجب أن يكون السمع أفضل .

*** و هنا حسرة يعيشونها فإنه لما سألهم الخزنة ألم يكن لكم نُذر تذكروا أمرهم و إجرامهم و سفههم و ندموا حين لا ينفع الندم و تمنوا لو كانوا سمعوا فأجابوا و تدبروا فعملوا .
و من تدبر هذه الحسرة التي هي ألم محض لا تفيد و لا تنفع وجدها زيادة في عذابهم فجُمع عليهم العذاب الحسي و النفسي و لات حين مناص.

*** ويؤخذ في هذه الآية أن قوام الصلاح في حسن التلقي وحسن النظر وأن الأثر والنظر هما أصلا الهدى فتعلم العلم الشرعي بدليلة المشار إليه في الآية بسماع الرسل ثم تدبره أعظم سبل الهداية و النجاة .
و أعظم ما يكون فيه ذلك القرآن المعين الذي لا ينضب الذي لم يزل الخلق يستخرجون منه من الفوائد الكثيرة المختلفة و لا يستطيع أحد مهما بلغ أن يحصي عجائبه و فوائده فهو كلام الله سبحانه.
ثم الأحاديث القدسية الصحيحة فهي خير الكلام بعد القرآن لأنها كلام الله سبحانه
ثم ما صح من النبي صلى الله عليه و سلم فهو خير رسل الله و قد أوتي صلى الله عليه و سلم جوامع الكلم و عصمه الله سبحانه من أن يُقر على خطأ في أمر الدين فكلامه صلى الله عليه و سلم في أمر الدين وحي معصوم.
ثم كلام الأئمة الثقات في شرح و بيان ما أسلفنا من القرآن و الحديث.
و هذا الذكر من أعظم ما يفنى المرء به عمره فأهل القرآن أهل الله و خاصته و العلماء ورثة الأنبياء و هذا و الله شرف الدنيا و الآخرة و لذتهما و سعادتهما و جنتيهما اللهم أنا نسألك لا إله إلا أنت أن تجعلنا منهم.

*** الفوائد العملية في الآية :
1 – تدبر سلوك الكفار في إعراضهم و كبرهم عن الحجج و الآيات و صدهم عن سبيل الله و ما سيعقبه ذلك من ندامة و حسرة عليهم.
2 – حقيقة الكفار أنهم شر البرية و شر الدواب و هم سفهاء لا يعقلون مهما بلغوا من علم و تقدم دنيوي و حضارة مادية فقد جاوزوا الحد في الغباء و السفه.
3 – معرفة الصمم الحقيقي و الجنون الحقيقي و النظر في إعاقة الكفار.
4 – قوام الصلاح في حسن التلقي وحسن النظر.
5 – الاستعاذة بالله من العقوبات القلبية.


تفسير سورة الملك | الآية الحادية عشر
" َفاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ " الآية : 11

*** قال في التحرير : الفاء الأولى فصيحة والتقدير : إذ قالوا ذلك إذ تبين أنهم اعترفوا هنالك بذنبهم أي فهم محقوقون بما هم فيه من العذاب .
والفاء الثانية للتسبب أي فهم جديرون بالدعاء عليهم بالإبعاد أو جديرون بالتعجب من بعدهم عن الحق أو عن رحمة الله تعالى .
ويحتمل أيضا أن يقال لهم يوم الحساب عقب اعترافهم تنديما يزيدهم ألما في نفوسهم فوق ألم الحريق في جلودهم .

*** " فاعترفوا بِذَنبِهِمْ " :
قال مقاتل : يعني بتكذيبهم الرسول وهو قولهم : { فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء } [ الملك : 9 ]

*** قال الرازي: وقوله : { بِذَنبِهِمْ } فيه قولان :
أحدهما : أن الذنب ههنا في معنى الجمع ، لأن فيه معنى الفعل ، كما يقال : خرج عطاء الناس ، أي عطياتهم هذا قول الفراء.
والثاني : يجوز أن يراد بالواحد المضاف الشائع ، كقوله : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله } [ النحل : 34 ] .

*** "فسحقا":
1 – الأثار:
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { فسحقاً } قال : بعداً .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { فسحقاً } قال : بعداً ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول حسان :
ألا من مبلغ عني أبياً ... فقد ألقيت في سحق السعير
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { فسحقاً لأصحاب السعير } قال : سحق واد في جهنم .
2 – المعنى في اللغة :
قال بن منظور : سَحَقَ الشيءَ يَسْحَقُه سَحْقاً دقَّه أشد الدقّ .
والسُّحُق البُعْد وكذلك السُّحْق مثل عُسْر وعُسُر وقد سَحُق الشيء بالضم فهو سَحِيق أي بعيد .
وفي الدعاء سُحْقاً له وبُعْداً نصبوه على إضمار الفعل غير المستعمل إظهارُه وسَحَقَه اللهُ وأسْحَقه الله أي أبعده .
ومكان سَحِيق بَعِيد وفي التنزيل أو تَهْوِي به الريحُ في مكان سَحِيق .
قال الزجاج فسُحْقاً منصوب على المصدر أسْحَقَهم الله سُحْقاً أي باعَدَهم من رحمته مُباعَدة وفي حديث الحوض فأقول سُحْقاً سُحْقاً أي بُعْداً بُعْداً ومكان سَحِيق بعيد .اه بتصرف
3 – أقوال العلماء: قال المفسرون : فبعداً لهم اعترفوا أو جحدوا ، فإن ذلك لا ينفعهم و نصبه على جهة الدعاء عليهم وقيل : يجوز أن يراد من هذا الدعاء التعجب من حالهم كما يقال : قاتله الله وويل له في مقام التعجب.
أ – قال أبو حيان : أي فبعداً لهم ، وهو دعاء عليهم ، والسحق : البعد ، وانتصابه على المصدر : أي سحقهم الله سحقاً ، قال الشاعر :
يجول بأطراف البلاد مغرباً . . . وتسحقه ريح الصبا كل مسحق
والفعل منه ثلاثي.
وقال الزجاج : أي أسحقهم الله سحقاً ، أي باعدهم بعداً و هو منصوب على المصدر.
وقال أبو علي الفارسي : القياس إسحاقاً ، فجاء المصدر على الحذف كقولهم عمرك الله ، كما قيل :
وإن أهلك فذلك كان قدري . . .
أي تقديري. انتهى .
ولا يحتاج إلى ادعاء الحذف في المصدر لأن فعله قد جاء ثلاثياً ، كما أنشد :
وتسحقه ريح الصبا كل مسحق . . .
ب - قال ابن عطية : { فسحقاً } : نصباً على جهة الدعاء عليهم ، وجاز ذلك فيه ، وهو من قبل الله تعالى من حيث هذا القول فيهم مستقر أولاً ، ووجوده لم يقع إلا في الآخرة ، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى به ، كما تقول : سحقاً لزيد وبعداً ، والنصب في هذا كله بإضمار فعل ، وإن وقع وثبت ، فالوجه فيه الرفع ، كما قال تعالى : { ويل للمطففين } و { سلام عليكم } وغير هذا من الأمثلة. انتهى.
قلت (أبو يوسف): و المختار أن السحق هنا البعد و انتصابه على الدعاء عليهم.

*** قال بن عاشور: واللام الداخلة على ( سحقا ) لام التقوية إن جعل ( سحقا ) دعاء عليهم بالإبعاد لأن المصدر فرع في العمل في الفعل ويجوز أن يكون اللام لام التبيين لآياته تعلق العامل بمعموله كقولهم : شكرا لك فكل من ( سحقا ) واللام المتعلقة به مستعمل في معنييه .

*** و في تحبير التيسير في القراءات العشر: قرأ الكسائي وأبو جعفر ، ( فسحقا ) بضم الحاء ، والباقون بإسكانها.

*** " أصحاب السعير": يعم المخاطبين بالقرآن وغيرهم فكان هذا الدعاء بمنزلة التذييل لما فيه من العموم تبعا للجمل التي قبله .

*** واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد المؤمنين كعادة القرآن في الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب.

*** و في الآية هنا مشاهد هامة :
1 – المشهد الأول و هو مشهد أهل النار بعد الكبر و الغطرسة على الرسل و أتباعهم و بعد الملك و القهر معترفين بالخطيئة نادمين الندم العظيم و هذا مشهد جدير أن يستحضره المؤمن في دنياه .
2 - هي أن أهل النار في الآخرة دخلوا النار على بصيرة و هم في الآخرة يقرون بقيام حجة الله عليهم في العذاب و يعترفون بخطيئتهم بل يقرون أنهم كانوا على أعظم السفه و الضلال و إن كان هذا الإقرار و الاعتراف لا يغني عنهم شيئا.
و الله سبحانه يقص علينا أمرهم هذا لنعلم أنهم ما عوقبوا بهذه العقوبة إلا بجرم عظيم اقترفوه و أقروا به.
3 – الخطيئة التي ارتكبوها هي جحد أعظم حق في الكون و هو حق الإلهية لله سبحانه .
فأعظم حق في الكون هو حق الله سبحانه في ملكه و مخلوقاته أن يعبدوه و يوحدوه لذلك كان صلب الدين لا إله إلا الله و لذلك أيضا حرم الله الانتحار فالإنسان عبد ليس له أن يقرر متى يهب لنفسه الحياة و متى يمنعها بل هو عبد عليه أن يكون في الموضع الذي يضعه فيه سيده.
نعم إن علم في سيده الخير العظيم قد يرجوه أن يضعه هنا أو هناك و لكنه لا يفتئت على حق الربوبية و يتصرف كمالك لنفسه.
و لذلك كان على الإنسان لزاما أن يصبر على قضاء الله – و نسأل الله العافية – لأنه مخلوق عبد و ليس حر فعليه أن يكون في الموضع الذي أراده له سيده و أن يتصرف كما أمره سيده قد يسأله و يرجوه ألا يشدد عليه و يضيق لكنه لا يملك إلا طاعة أمره في السراء و الضراء و العسر و اليسر و المنشط و المكره لأن هذا حق السيد على عبده.
و لذلك كانت التفريط و المعاصي لا تخرج الإنسان للكفر لأنه معترف بحق ربه و معترف على نفسه بالظلم أم الاستحلال أو الجحود فيخرج العبد للكفر لأن فيه المعنى الذي أسلفناه.
فالكون كله و ليس الإنسان فقط ليسوا أحرارا بل هم عبيد لله مخلوقون مربوبون ليس لهم حق تصرف الحر و إن كانوا ابتلوا أنهم على صورة الأحرار يتصرفون كيف شاءوا و هم لا يملكون في الكون أقل من ذرة و لا يستطيعون لأنفسهم فضلا عن غيرهم أي شيء مطلقا و إنما حولهم و قوتهم بما أقدرهم الله عليه و ملكهم ما ملكهم الله إياه .
و من وقع في تلك الخطيئة فقد ارتكب أعظم الظلم قال تعالى "و الكافرون هم الظالمون" و قال سبحانه حاكيا نصيحة لقمان لأبنه "يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم".
و الله سبحانه له حق الألهية و علينا العبودية و لكنه أكرمنا بفوق ما يخطر لنا ببال من النعم و فوقه ثوابه في الآخرة كرما منه و جودا و الحديث عن هذا يحتاج لبسط .
4 - الكافر جحد حق الربوبية و ظلم نفسه بتعريضها لغضب الجبار و عداوته لذلك كان عاقبة هذا الظلم و مصيره أسوأ مصير في الكون فخطيئة الكفر ليست كأي خطيئة فالكافر عرض نفسه لعداوة الله و عقوبته الأبدية و قد أعد الله له عذابا أليما يُخلد فيه لا يناله رحمة و لا عفو بل هو ملعون مطرود من رحمة الله و تأمل في قوله سبحانه "فسحقا لأصحاب السعير" الله سبحانه مالك الملك رب العالمين العظيم القدير يقول لهم سحقا لكم فماذا يغنى عنهم غيره و من يجيرهم من عذابه و لو تمتعوا في الدنيا سنين طويلة هي في عمر الزمان لا تساوى شيئا.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون , و فيه رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد و من فيه " صححه الألباني في الصحيحة.
5 – إنما النعيم و الجنة في الدنيا و في الآخرة في القرب من الله و أعظم أهل الدنيا أو الآخرة سعادة أقربهم من الله فأسعد أهل الدنيا الأنبياء و المرسلين و المصطفين من المقربين من الصديقين و الشهداء و الصالحين و بالعكس فالشقاء في الدنيا و الآخرة في البعد عن الله و أعظم أهل الدنيا أو الآخرة شقاء أبعدهم عن الله و أشقى أهل الدنيا إبليس و شياطين الإنس و الجن و كلما زاد البعد زاد الشقاء .
لذلك كان السحق:البعد هنا في الآية عقوبة و لذا كان كتاب الفجار في سجين و هي الأرض السفلى كما صح في الحديث و كتاب الأبرار في عليين و هي مشتقة من العلو.
و الخلاصة في كلمتين السعادة هي القرب من الله و الشقاء هو البعد عنه سبحانه و الناس في ذلك درجات اللهم أجعلنا من المقربين.
6 – و الكفار رغم هذا البلاء و العذاب لا تزال قلوبهم على الجحود و النكران قال تعالى : " و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضل سبيلا " و قال سبحانه :" وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)".
فلا تحسبن أنهم ظُلموا فهم اعترفوا بحجة الله عليهم و أقروا بها لكنهم لو عادوا للدنيا لعادوا للتكذيب فاستحقوا الخلود في النار و لله الحجة البالغة و الله اعلم.

*** الفوائد العملية في الآية :
1 – مشهد الكافر مقرا بذنبه ذليلا حين لا ينفعه ذلك.
2 – اعتراف الكفار بقيام الحجة عليهم و دخولهم النار على بصيرة .
3 – أعظم الحقوق حق الله في أن يعبده خلقه و جحد هذا الحق أعظم الظلم مطلقا .
4 – سوء عاقبة الكافرين .
5 – السعادة القرب من الله و الشقاء البعد عنه سبحانه و الناس في ذلك درجات.
6 – رغم إقرارهم بالحجة إلا أن الجحود و الظلم متأصل فيهم و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و إنهم لكاذبون.

تفسير سورة الملك | الآية الثانية عشر
" إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ " الآية : 12


*** الآثار في الآية:
1 - وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } قال : أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح .
2 - روى الحاكم في المستدرك :ذكروا عند عبد الله أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم و إيمانهم قال فقال عبد الله : إن أمر محمد كان بينا لمن رآه و الذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ : { الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه } إلى قوله تعالى { يؤمنون بالغيب }
قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخان و لم يخرجاه ووافقه الذهبي.
3 - و في المعجم الكبير عن أم نويلة بنت مسلم قالت : صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا ركعتين ثم جاءنا من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد استقبل البيت الحرام فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام فحدثني رجل من بني حارثة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( أولئك رجال آمنوا بالغيب ) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه إسحاق بن إدريس الأسواري وهو ضعيف متروك.
4 – و في أمثال الحديث لأبي الشيخ الاصبهاني حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَسْلَمَ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ (ثقة) يَذْكُرُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَتُجَاهِدُونَ فِي اللَّهِ ، ثُمَّ تَظْهَرُ فِيكُمُ السَّكْرَتَانِ : سَكْرَةُ الْجَهْلِ ، وَسَكْرَةُ حُبِّ الْعَيْشِ ، وَسَتُحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَا تَأْمُرُونَ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تَنْهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ ، وَلَا تُجَاهِدُونَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، الْقَائِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ صِدِّيقًا " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : " بَلْ مِنْكُمْ " *
5 - قال صلى الله عليه و سلم : "إن من ورائكم زمان صبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا منكم" .
صححه الألباني في صحيح الجامع قلت : و زيادة "شهيد" للطبراني و قد روى بدون الزيادة.

*** قال في التحرير: ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) اعتراض يفيد استئنافا بيانيا جاء على سنن أساليب القرآن من تعقيب الرهبة بالرغبة فلما ذكر ما أعد للكافرين المعرضين عن خشية الله أعقبه بما أعد للذين يخشون ربهم بالغيب من المغفرة والثواب للعلم بأنهم يترقبون ما يميزهم عن أحوال المشركين .

*** "إن الذين يخشون ربهم بالغيب" وجهان:
1 - أي الذي أخبروا به من أمر المعاد وأحواله.
2 - غائبين عن أعين الناس ، أي في خلواتهم ، كقوله : ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.
قلت (أبو يوسف) : و الأول أظهر لتكراره غير مرة في القرآن بهذا المعنى "يؤمنون بالغيب" "ليعلم الله من يخافه بالغيب" "ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب" فالمراد في ما سبق التصديق بالوحي و ليس ذلك قاصرا على الخلوات.
و خشية الله بالغيب هي صفة أهل الإيمان و قد بشر الله سبحانه أهل هذه الصفة في موطنين من كتابه هذا أحدهم و الأخر قال تعالى "فبشره بمغفرة و أجر عظيم" فأهل الخشية هم أهل المغفرة و الجنة و ما أعظم بشارة الله.
و في الحديث " " مررت بجبريل ليلة أسري بي بالملإ الأعلى , و هو كالحلس البالي من خشية الله عز وجل " صححه الألباني و قال النبي صلى الله عليه و سلم "والله إني أتقاكم لله وأخشاكم له "صحيح . * و يكفي في شرف الخشية أن الله سبحانه لما وصف حال الكافرين ثم قابله بحال المؤمنين لم يذكرهم بوصف الإيمان إنما ذكرهم بذلك الوصف فكأن هذا الوصف نَاقًَََََََض وصف الكفر و ساوى وصف الإيمان فهي تجمع أغلب معاني الإيمان و هي البذرة التي ينبثق منها الأعمال الصالحة و المواقف الإيمانية.
والكفار رفضوا الإيمان بالغيب رغم قيام الحجج و البراهين الدامغة على صدق الرسل فإنهم إما جحدوها أو أعرضوا عنها والمؤمنين صدقوا المرسلين و سلموا لله و علموا عظمة الله و شدة عقابه فخافوه بالغيب و هذا مقتضى العقل الذي وضعه الله في البشر.
و الخشية عباده كل مؤمن و لكنها أخص بالعلماء قال تعالى " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) [فاطر : 28] ".

*** قال بن عاشور: وقدم المغفرة تطمينا لقلوبهم لأنهم يخشون المؤاخذة على ما فرط منهم من الكفر قبل الإسلام ومن اللمم ونحوه ثم أعقبت بالبشارة بالأجر العظيم فكان الكلام جاريا على قانون تقديم التخلية أو تقديم دفع الضر على جلب النفع والوصف بالكبير بمعنى العظيم نظير ما تقدم آنفا في قوله ( ان أنتم إلا في ضلال كبير )
وتنكير ( مغفرة ) للتعظيم بقرينة مقارنته ب ( أجر كبير ) وبقرينة التقديم وتقديم المسند على المسند إليه في جملة ( لهم مغفرة ) ليأتي تنكير المبتدأ ولإفادة الاهتمام وللرعاية على الفاصلة وهي نكت كثيرة

*** الله سبحانه واسع المغفرة و هو أهل التقوى و أهل المغفرة و قد ورد ذكر لفظة المغفرة في القرآن سبعة عشر مره اقترنت فيها بذكر الجنة أربعة عشر مرة – وصفت فيها الجنة بأنها أجر كبير في ثلاث مواضع و بأنها أجر عظيم في أربع مواضع و بأنها زرق كريم في أربعة مواضع و بأنها تجرى من تحتها الأنهار في موطن و أن عرضها السماوات و الأرض في موطن و أن عرضها

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 7:42 pm

السماوات و الأرض في موطن و أن عرضها كعرض السماوات و الأرض في موطن – و اقترن ذكرها بأن الله شديد العقاب في موطن "إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم و إن ربك لشديد العقاب " و بأنه سبحانه ذو عقاب أليم في موطن و اقترن ذكرها بفضل الله في موطن الحث على الصدقة.
و لم يقدم علي المغفرة شيئا قط في أي آية بل دائما تذكر المغفرة أولا حتى قبل الجنة و ذلك في كل المواطن التي ذكرت فيها و النبي صلى الله عليه و سلم لما سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن دعاء ليلة القدر فقال صلى الله عليه و سلم : " قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " و هذه خير ليالي العام فدل ذلك أنه هذا خير ما يدعى به مطلقا فالدعاء بالمغفرة مُقدم على سؤال الجنة بل و مُقدم على كل دعاء و سؤال و أيضا لما ذكر أهل الإيمان بوصف الخشية بشرهم أولا بالمغفرة ثم الجنة.
و روى الحاكم في مستدركه عن سليم بن عامر قال : قال : سمعت أوسط البجلي على منبر حمص يقول : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : قال : فاختنقته العبرة و بكى ثم قال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم على هذا المنبر يقول عام أول : سلوا الله العفو و العافية و اليقين في الأولى و الآخرة فإنه ما أوتي العبد بعد اليقين خير من العافية ".
قال :هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه و قد روي بغير هذا اللفظ من حديث ابن عباس. و سكت عنه الذهبي.
و لا يعنى هذا ألا يسأل العبد الجنة و الثواب و لكن ليقدم سؤال العافية و المغفرة على أي سؤال أعنى في المنزلة و الله أعلم.

*** وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله : { لهم مغفرة وأجر كبير } قال : الجنة .

*** عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً أربعين سنة ، شاخصة أبصارهم ، ينتظرون فصل القضاء " . قال : " وينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ، ثم ينادي مناد : أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، أن يولي كل أناس منكم ما كانوا يعبدون في الدنيا ، أليس ذلك عدلاً من ربكم ؟ " . قالوا : بلى ، قال : " فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ، ويقولون ويقولون في الدنيا " . قال : " فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون ، فمنهم من ينطلق إلى الشمس ، ومنهم من ينطلق إلى القمر والأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون " . قال : " ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ، ويمثل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير ، ويبقى محمد صلى الله عليه وسلم وأمته " . قال : " فيتمثل الرب تبارك وتعالى فيأتيهم فيقول : ما لكم لا تنطلقون كانطلاق الناس ؟ فيقولون : إن لنا لإلهاً ما رأيناه ، فيقول : هل تعرفونه إن رأيتموه ؟ فيقولون : إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها ، قال : فيقول : ما هي ؟ فتقول : يكشف عن ساقه " . قال : " فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخر كل من كان نظره ، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهو سالمون ، ثم يقول : ارفعوا رؤوسكم ، فيرفعون رؤوسهم ، فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه ، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ، ومنهم من يعطى مثل النخلة بيده ، ومنهم من يعطى أصغر من ذلك ، حتى يكون آخرهم رجلاً يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة ، فإذا أضاء قدم قدمه وإذا طفئ قام " قال : " والرب تبارك وتعالى أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف " . قال : " فيقول : مروا ، فيمرون على قدر نورهم ، منهم من يمر كطرفة العين ، ومنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالسحاب ، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كشد الفرس ، ومنهم من يمر كشد الرحل ، حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يجثو على وجهه ويديه ورجليه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل ، وتصيب جوانبه النار ، فلا يزال كذلك حتى يخلص ، فإذا خلص وقف عليها فقال : الحمد لله فقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً إذ نجاني منها بعد إذ رأيتها " قال : " فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة ، فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم ، فيرى ما في الجنة من خلل الباب ، فيقول : رب أدخلني الجنة ، فيقول الله : أتسأل الجنة وقد نجيتك من النار ؟ فيقول : رب اجعل بيني وبينها حجاباً لا أسمع حسيسها " قال : " فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك ، كأن ما هو فيه إليه الحلم ، فيقول : رب أعطني ذلك المنزل ، فيقول له : لعلك إن أعطيتكه تسأل غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، وأنى منزل أحسن منه ؟ فيعطى فينزله ، ويرى أمام ذلك منزلاً كأن ما هو فيه إليه حلم ، قال : رب أعطني ذلك المنزل ، فيقول الله تبارك وتعالى : فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره ، فيقول : لا وعزتك يا رب ، وأنى منزل يكون أحسن منه ؟ فيعطاه وينزله ، ثم يسكت فيقول الله جل ذكره : ما لك لا تسأل ؟ فيقول : رب قد سألتك حتى قد استحييتك ، وأقسمت حتى استحييتك ، فيقول الله جل ذكره : ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه ؟ فيقول : أتهزأ بي وأنت رب العزة ؟ فيضحك الرب تبارك وتعالى من قوله . قال : فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث هذا الحديث مراراً ، كلما بلغت هذا المكان ضحكت ! قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث هذا الحديث مراراً ، كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه . قال : " فيقول الرب جل ذكره : لا ولكني على ذلك قادر ، سل . فيقول : ألحقني بالناس ، فيقول : الحق بالناس ، قال : فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة ، فيخر ساجداً فيقال له : ارفع رأسك ما لك ؟ فيقول : رأيت ربي - أو ترأءى لي ربي - فيقال له : إنما هو منزل من منازلك . قال : " ثم يلقى رجلاً فيتهيأ للسجود له ، فيقال له : مه ، فيقول : رأيت أنك ملك من الملائكة ، فيقول : إنما أنا خازن من خزانك وعبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه " قال : " فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر " قال : " وهو من درة مجوفة ، سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها ، تستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء ، فيها سبعون باباً ، كل باب يفضي إلى جوهرة خضراء مبطنة ، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى ، في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف ، أدناهن حوراء عيناء ، عليها سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من وراء حللها ، كبدها مرآته وكبده مرآتها ، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانت قبل ذلك فيقول لها : والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفاً ، وتقول له : وأنت ازددت في عيني سبعين ضعفاً ، فيقال له : أشرف ، فيشرف فيقال له : ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصرك " . قال : فقال عمر : ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلاً ؟ فكيف أعلاهم ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، إن الله جل ذكره خلق داراً جعل فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة ، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة ، ثم قال كعب : {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} . قال : " وخلق دون ذلك جنتين ، وزينهما بما شاء ، وأراهما من شاء من خلقه ، ثم قال : من كان كتابه في عليين نزل في تلك الدار التي لم يرها أحد ، حتى إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فلا تبقى خيمة من خيم الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه ، فيستبشرون لريحه فيقولون : واهاً لهذا الريح ، هذا ريح رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه " . قال : ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها ، فقال كعب : إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ، ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لركبتيه ، حتى إن إبراهيم خليل الله ليقول : رب نفسي نفسي ! حتى لو كان لك عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أن لا تنجو وفي رواية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقوم الناس لرب العالمين أربعين سنة شاخصة أبصارهم ، ينتظرون فصل القضاء " . قال : فذكر مثل حديث زيد بن أبي أنيسة .
قال الهيثمي: رواه كله الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة .
والحديث في المستدرك وقال الحاكم: رواه هذا الحديث عن آخرهم ثقات غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالانى في الصحيحين لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة فأما الأئمة المتقدمون فكلهم شهد له بالصدق والإتقان الحديث صحيح ولم يخرجاه وأبو خالد الدالانى ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة وقال الذهبي: ما أنكره حديثاً على جودة إسناده .
قلت (أبو يوسف) : و نسب صاحب جامع الأحاديث القدسية تضعيف هذا الحديث لابن حجر في المطالب العالية و لم أجده.
و نسب أبو عدى صاحب موسوعة الأحاديث القدسية تحسين الذهبي له في كتاب العلو و موافقة الألباني له في مختصر العلو و لم أجده هنالك.
و في رواية من روايات القصة :" فيقول تبارك وتعالى سل وتمن ويلقنه الله ما لا علم له به فيسأل ويتمنى مقدار ثلاثة أيام من أيام الدنيا فيقول بن آدم لك ما سألت قال أبو سعيد الخدري ومثله معه قال أبو هريرة وعشرة أمثاله معه ثم قال أحدهما لصاحبه حدث بما سمعت وأحدث بما سمعت" رجالها ثقات إلا على بن زيد جدعان قال بن حجر : ضعيف و قال الذهبي: أحد الحفاظ و ليس بالثبت و قال الدارقطني : لا يزال عندى فيه لين . و ضعفه غير واحد من أهل العلم .
و في المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم :" قال الله له تمنه فيتمنى حتى إن الله يذكره فيقول ومن كذا ومن كذا فإذا انقطعت به الأماني قال الله لك ذلك ومثله معه ) قال عطاء بن يزيد الليثي وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة قال لك ذلك وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد لكني أشهد لحفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ذلك لك وعشرة أمثاله معه )".

*** و في الحديث "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ولا يهلك على الله إلا هالك" متفق عليه

*** الله سبحانه - أرحم من ملك و أكرم من أعطي و أحق من حُمد – جعل سبحانه ثوابا لعباده إن هم أطاعوه و هو خالقهم و بارئهم و مصورهم و محييهم و مالكهم و ملكهم و هو الذي هداهم لطاعته و إنما شكروه بنعمته و رزقه و فضله عليهم فلو أمرهم بطاعته و توعدهم على معصيته لكان عدلا لأنه ربهم و إلههم فهذا حقه و لكنه وعدهم النعيم و لم يعدهم النعيم على قدر ما أسلفوا في الدنيا من العمر أو حتى ألف ألف ضعف عمرهم بل وعدهم الخلود في النعيم و لو كان مقدار النعيم هو مقدار ما أسلفوا لأنفسهم من خير يخلدون فيه لكان كرما و فضلا عظيما و لو كان مقدار النعيم أن يعطى كل منهم ربع غاية أمنيته أو ثلثها أو نصفها أو كلها فهذا كرم لا يوصف
و لو كان مقدار النعيم أن يعطى كل منهم غاية أمنيته و حلمه لكان ذلك غاية مراد العباد من ربهم و لكن أن يعطوا ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و فوق ما عرفوا و تمنوا فهذا فضل الله و كرم الله.
و الأعظم من هذا و الأكبر أن العباد لا يطيقون أداء حق الله و لولا فضل الله و رحمته ما زكى منهم من أحد أبدا و لا يدخل أحدهم الجنة بعمله و لا حتى خيرهم فقبل منهم اليسير من العمل و تجاوز لهم عن الكثير من الزلل و أعظم لهم الأجر في أقل العمل و هداهم و كفاهم و أواهم و عافاهم و عفا عنهم و أيدهم و نصرهم و مكنهم ووالاهم و ثبتهم و علمهم و غفر لهم و أرسل لهم الرسل و أنزل لهم الكتب و خفف عنهم و أوهن كيد عدوهم و أعطاهم في حياتهم الدنيا ما لا يحصوه من النعم حتى بلغوا رضاه و لا يهلك على الله إلا هالك .
فسبحان من خلق عباده فأكرمهم فعاشوا كالأحرار و هم عبيد ووعدهم الثواب أن يكونوا ملوكا مخلدين و هم عبيد فأوجدهم من عدم ليسعدوا سعادة هي فوق غاية أمنيتهم .
فسبحان من العبودية له خير من الحرية و سبحان من إن أعطى العبد جعله أعظم الملوك و هو غني عن العالمين لا يملك أحد ضره فيضره و لا يملك أحد نفعه فينفعه .
و فوق ذلك كله أنه أحبهم أعظم الحب و أرقه و أصفاه فالله هو الودود و الود أصفى الحب و أخلصه و صفوته فهو الذى يحب عباده هذا الحب و يحبه عباده هذا الحب و قال تعالى :"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ".
فلو كان الله كلفهم حق العبودية فقد أعانهم و أيدهم و خفف عنهم و رضي منهم بالوسع و هو العظيم و بعد أن لم يكن أحد منهم شيئا مذكورا أعطاهم الحياة و أعطاهم فوق مرادهم منها و جعلهم ملوكا مخلدين لهم ما يشاءون و يعطيهم عليه المزيد و أحبهم و رضي عنهم .
و مع ذلك كله فإن الله عرض على أبينا آدم التكليف أولا فقبله طوعا و رغبة و أقول و الله أعلم أن كل منا يجد ذلك في نفسه أنه لو عرض عليه لقبل فكيف نقبل ثم لا نوفي فلله الحجة البالغة.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – فضيلة الخشية و لزومها لكل مؤمن و خصوصيتها للعلماء.
2 – فضيلة سؤال العفو و المغفرة على باقي الأدعية .
3 – التأمل في عظيم ثواب الجنة.
4 – عظيم فضل الله على المؤمنين في إكرامه لهم بالجنة.
5 – إن كان سبحانه كلف عباده حق العبودية فقد أعانهم و خفف عنهم فهم لن يستطيعوا القيام بحقه و عفا عنهم و غفر لهم و أحياهم في دنياهم حياة طيبة ثم أعطاهم فوق الأمنية في الجنة.
6 – و فوق ذلك كله محبة الله و رضا الله.
7 – و لله الحجة البالغة فلا يهلك على الله إلا هالك.

تفسير سورة الملك | الآية الثالثة عشر
" وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " الآية : 13

*** "و أسروا قولكم أو اجهروا به" فيها وجهان للعلماء:
الوجه الأول : قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فأنزل الله هذه الآية .
قال في التحرير:عطف على الجملة السابقة عطف غرض على غرض وهو انتقال إلى غرض آخر لمناسبة حكاية أقوالهم في الآخرة بذكر أقوالهم في الدنيا وهي الأقوال التي كانت تصدر منهم بالنيل من رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان الله يطلعهم على أقوالهم فيخبرهم النبي صلى الله عليه و سلم بأنكم قلتم كذا وكذا فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد فأنزل الله الآية .
قلت (أبو يوسف) : و لم أجد سند لسبب النزول هذا فيما تحت يدي من مصادر و هذا السبب منتشر في كتب التفاسير.
القول الثاني : أنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال ، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد ، فالحال واحد في علمه تعالى بهذا فاحذروا من المعاصي سراً كما تحترزون عنها جهراً فإنه لا يتفاوت ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى ، وكما بين أنه تعالى عالم بالجهر وبالسر بين أنه عالم بخواطر القلوب .

*** قال بن عاشور: وصيغة الأمر في ( أسروا ) و ( اجهروا ) مستعملة في التسوية كقوله تعالى ( اصبروا أو لا تصبروا ) وهذا غالب أحوال صيغة افعل إذا جاءت معها ( أو ) عاطفة نقيض أحد الفعلين على نقيضه .

*** ( إنه عليم بذات الصدور ) تعليل لما سبق أي فسواء في علم الله الإسرار والجهر لأن علمه محيط بما يختلج في صدور الناس بله ما يسرون به من الكلام ولذلك جيء بوصف عليم إذ العليم من أمثلة المبالغة.

*** و ( ذات الصدور ) ما يتردد في النفس من الخواطر والتقادير والنوايا على الأعمال . وهو مركب من ( ذات ) التي هي مؤنث ( ذو ) بمعنى صاحب والصدور بمعنى العقول وشأن ( ذو ) أن يضاف إلى ما فيه رفعة.

*** هنا حقيقة كونية هامة وردت في القرآن اثنتي عشرة مرة فهي قاعدة ينبغي أن يعرفها كل مسلم و هي أن الله سبحانه عليم بذات الصدور و أن الصدور له سبحانه أظهر من الصفحة المكشوفة .
فالله عليم فوق كل ذي علم مهما بلغ و علمه سبحانه لا حد له و لا يُعلم مداه أحاط علمه بكل شيء الظواهر و البواطن و الدقيق و الجليل و الماضي و الحاضر و المستقبل و في قصة الخضر و موسي عليهما السلام في البخاري " فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ الْخَضِرُ يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ" .
الله يعلم ما كان و ما سيكون و ما لم يكن لو كان كيف كان سيكون فالله تعالى عليم و هي من صيغ المبالغة و ليس فقط عالم بكل شيء.
و لكن الدلالة هنا في الآية على علم خاص و هو علم ما في الصدور فالإسرار: الإخفاء و الجهر معلوم و في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت للنبي (ص): "مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ قال :نَعَمْ ".
فالله سبحانه يعلم ظواهر العباد و بواطنهم و ما يجيش في صدورهم و الخطرات التي تخطر ببالهم و نياتهم و عزمهم و أمرهم كله بل إن أحدنا أحيانا لا يعلم على وجه الجزم ما سيفعل لو حدث له كذا و كذا لكن الله يعلم ما هو فاعل جزمت و يقينا و هذا من عظمة ملك الله أنه أحاط علمه بكل موجود ظاهر و باطنا .
و ليس ذلك قاصرا على الإنس فقط بل الإنس و الجن و الملائكة و كل مخلوق قال تعالى للملائكة "ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات و الأرض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون".
و هذه الآية ملحقة بما قبلها فالظاهر عندي أن الخطاب عام يشمل البشر جميعا أهل الخشية و أهل الكفر فهو لأهل الكفر نذارة و وعيد أن الله يعلم ما يعملون و ما يسرون و علانيتهم و سرهم عنده سواء لأنه عليم بما في صدورهم فهو سبحانه يعلم تكذيبهم للرسل و إيذائهم لهم و تضليلهم له و فوق ذلك يعلم ما تضمره قلوبهم من الشر و ما أضمرته و ما منعهم العجز منه فهم مكشوفين مفضوحين محاصرين بعلمه سبحانه فقبل أن يستطيعوا أن يفعلوا ما يغضب الله هو سبحانه عليم بأول خطرة جاءتهم بهذا الفعل حتى قيل أن تخطر ببالهم و عليم فيم يفكرون و لن يقتصر علمه على أحوالهم في الدنيا بل في البرزخ و الآخرة أيضا.
و هو لأهل الإيمان و الخشية المذكورين في الآية السابقة تسلية و ترجية و تحذير أن الله عليم بقلوب أعدائهم و أفعالهم و أقوالهم - فلا تبتئسوا و لا تحسبوا الله غافلا عما يعمل الظالمون - و هو يعلم ما في قلوبكم من خشيته ومحبته و عقد العزم على طاعته و نصرته فابشروا و اصلحوا سرائركم .
فالإنسان محاط بقدرة الله و علمه و ذلك العلم ليس بظاهره فقط بل بخطرات نفسه و ما دونها و ما فوقها الله يعلم صدق الصادق و كذب الكاذب و ماذا أراد كل فاعل بفعله؟
و فوق ذلك فإن الله خلق العبد و خلق فعله قال تعالى "الله خالق كل شيء و هو على كل شيء وكيل" و قال سبحانه حاكيا عن إبراهيم في مناظرة قومه: "أتعبدون ما تنحتون * و الله خلقكم و ما تعملون " و قال النبي (ص):"إن الله صنع كل صانع و صنعته" صححه الألباني فالصدور من خلق الله و خطرات النفوس من خلق الله و كل شيء من خلق الله سبحانه.
و من رحمة الله أن العبد المؤمن لا يكلف ما يدور في خلده و يخطر بباله ما لم يتكلم أو يعمل و الوساوس التي يجدها في صدره فينكرها و يكرها لا تضره بل هي صريح الإيمان .
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم{ لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها{ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا }قال نعم{ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا }قال نعم{ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }قال نعم{ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين }قال نعم .
و روى الحاكم في مستدركه عن سالم : أن أباه قرأ : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء } فدمعت عيناه فبلغ صنيعه ابن عباس فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حين نزلت فنسختها الآية التي بعدها { لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت }
قال الحاكم :هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه و قال الذهبي في التلخيص : صحيح
قلت (أبو يوسف) : و هذا من عظيم رحمة الله أن علم و عفا و أن قدر و تجاوز فالله عليم و من العدل أن يحاسب كل إنسان بما في نفسه و لكنه سبحانه تفضل علينا ووسع و لو عذبنا بذلك عذبنا غير ظالم لنا و سبحان الله فلولا فضله ما بلغ أحد أداء حقه و سبحان من بلغ عباده رضاه و هو العظيم الذي لا يستطيعون أداء حقه فلو عذبهم عذبهم غير ظالم لهم و لكنه خفف عنهم و عفا عنهم فهذه نعمة لا يكافئها شكر و كيف يكافئها و الإنسان لن يبلغ بعمله رضا الله فبلغه الله بفضله.
و في صحيح البخاري: عن أبي هريرة قال قال النبي - عليه الصلاة والسلام " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم".
و في صحيح مسلم: عن أبي هريرة قال " جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان ".
و فيه عن علقمة عن عبد الله قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال تلك محض الإيمان.
و في المسند : عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : " يا رسول الله إني أحدث نفسي بالحديث لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أتكلم به قال ذلك صريح الإيمان ".
قال شعيب الأرنؤوط : صحيح وهذا إسناد قوي وهو على شرط مسلم
قال السيوطي: ذاك صريح الإيمان معناه إن استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان فإن استعظام ذلك وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا وانتفت عنه الريبة والشكوك وقيل معناه إن الشيطان إنما يوسوس لمن يئس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد فعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة صريح الإيمان أو الوسوسة علامة صريح الإيمان.
قلت (أبو يوسف): و الأظهر أنه من الشيطان يكيد به المؤمن لما يراه يحرص على طاعة الله فلا يستطيع صرفه فيكون أقصى وسعه و غاية عزمه أن يسلط عليه تلك الوساوس ليحزنه بها أعظم الحزن و يشككه في أمر نفسه و من رحمة الله أن ذلك غاية ما يستطيع فعله .
روى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال الله أكبر الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. صححه الألباني
و الوساوس نوعان:
1 - وساوس أمرنا بالكف عن الاسترسال معها و الاستعاذة بالله .
أخرج البخاري عن النبي (ص) : (( يأتي الشيطان أحدَكُم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربَّك ؟ فإذا بلغه فليستعذْ بالله ولينتَهِ )) .
و في رواية عند أبي داود :" فإذا قالوا ذلك فقولوا الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ثم ليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ من الشيطان " حسنها الألباني.
2 – وساوس تستقر في النفس بشبهة معينه و علاجها البحث عن رد الشبهة بسؤال أهل العلم و البحث في مصنفاتهم .

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – الله بكل شيء عليم و من علمِه علمُه ببواطن النفوس أكثر من أصحابها و هو سبحانه يستوي في علمه البواطن و الظواهر و السر و العلانية و أن يصدق المرء في مقالته أو أن يكذب و هو يعلم عن عباده أكثر بكثير مما يعلموا عن أنفسهم و الماضي و الحاضر و المستقبل في علمه سبحانه سواء.
2 – في الآية وعيد شديد لأهل الكفر و بيان أنهم لن يعجزوا الله فهو يعلم خطرات نفوسهم قبل أن تحصل لهم فهم محاصرون بعلمه و قدرته سبحانه.
3 – في الآية تسلية لأهل الإيمان أن الله عليم بحال أعدائهم و مكرهم و كيدهم و حتى خطرات نفوسهم و أنه سبحانه إن أمهلهم فلحكمة و لكن يوشك الأمر أن ينتهي و الله عليم بمن يخدعهم و يمكر بهم و هو وليهم و نصيرهم و الله عليم بمحبتهم له سبحانه و خشيتهم و عقد عزمهم على طاعته.
4 – رحمة الله بالمؤمنين بعد محاسبتهم على خطرات النفوس و فقه التعامل مع الوساوس.
5 – التأمل في علم الله ببواطن النفوس.
تفسير سورة الملك | الآية الرابعة عشر
" أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " الآية : 14

*** ثم إنه تعالى لما ذكر كونه عالماً بالجهر وبالسر وبما في الصدور ذكر الدليل على كونه عالماً بهذه الأشياء و هو أن الخالق لشيء لا بد أن يكون عالما به وإذا كان الله سبحانه هو الذي خلقهم و خلق صدورهم و خلق ما فيها و سخرها لهم فكيف لا يعلم ما فيها.

*** " ألا يعلم من خلق " :
الهمزة للاستفهام ولا للنفي .
و في الآية وجهان قال :
1 - أن من مفعول ، والمعنى : أينتفي علمه بمن خلق ، وهو الذي لطف علمه ودق وأحاط بخفيات الأمور وجلياتها.( و استظهر هذا الوجه أبو حيان).
2 - وأجاز بعض النحاة يكون ( من خلق ) فاعل ( يعلم ) والمراد الله تعالى وحذف مفعول ( يعلم ) لدلالة قوله ( وأسروا قولكم أو اجهروا به ) والتقدير : ألا يعلم خالقكم سركم وجهركم وهو الموصوف بلطيف خبير .
و هو استفهام معناه الإنكار، أي كيف لا يعلم ما تكلم به من خلق الأشياء وأوجدها من العدم الصرف وحاله أنه اللطيف الخبير المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن؟

*** قال بن القيم : قوله تعالى وأسروا قولكم أو أجهروا به إنه عليم بذات الصدور إلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وذات الصدور كلمة لما يشتمل عليه الصدر من الاعتقادات والإرادات والحب والبغض أي صاحبة الصدور فإنها لما كانت فيها قائمة بها نسبت إليها نسبة الصحبة والملازمة .
و قال :و على التقديرين – قلت :يعني التقديرين المذكورين في الإعراب آنفا - فالآية دالة على خلق ما في الصدور كما هي على علمه سبحانه به وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها فقال ألا يعلم من خلق أي كيف يخفى عليه ما في الصدور وهو الذي خلقه فلو كان ذلك غير مخلوق له لبطل الاستدلال به على العلم فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك وهذا من أعظم الكفر برب العالمين وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وعلم بالضرورة أنهم القوة إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد لا شريك له .
و قال في موطن أخر : ومن ذلك قوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا وهذا تفسير الهلوع وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك وذلك صريح في أن هلعه مخلوق لله كما أن ذاته مخلوقة فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق لله ليس فيه شيء خلق لله وشيء خلق لغيره بل الله خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها فالهلع فعله حقيقة والله خالق ذلك فيه حقيقة فليس الله سبحانه بهلوع ولا العبد هو الخالق لذلك .

*** الله سبحانه خالق الأجسام و خالق الأعراض و الأحوال التي تعرض لها فخلق الإنسان و الموت و الحياة و الصحة و المرض و الشقاوة و اللذة والألم و الراحة و جوع و شبع و خلق سبحانه الصدور و ما فيها من الخطرات و الوساوس و العزمات و المشاعر و الأحوال المختلفة فكما خلق الله سبحانه الأجسام و هو بصير بها عليم خبير سميع لها كذلك خلق الصدور و هو سبحانه بها كذلك يستوي عنده سبحانه السر و الجهر إنما السر و الجهر و الغيب و العلن و المخافتة و البعد و القرب قيود علينا نحن المخلوقين أما هو سبحانه فهو الخالق لما في النفوس ففي دلالة الآية وجهان:
1 – الله خلق الإنسان فكيف لا يعلم سره و جهره و هو اللطيف الخبير؟
2 – الله خلق الصدور و ما فيها و كل ما فيها من خلق الله فكيف لا يعلم الله ما خلق و هو اللطيف الخبير؟
و الوجهان صحيحان فالإنسان من مخلوقات الله و صدره و ما فيه من مخلوقات الله.
و الله خالق كل شيء و هو بكل شيء عليم فكل ما في الكون من إنس و جان و ملائكة و طير و حيوان و نبات و جماد و ما علمناه و رأيناه من المخلوقات و ما لم يصل إلية علمنا و لم تدركه حواسنا كل ذلك مخلوقات مربوبة لله و خلق الأعراض التي تعرض لها و كلها معلومة له على وجه الدقة و التفصيل و إنما نعلم نحن منها فقط مقدار إدراك حواسنا و عقولنا و مقدار ما أتيح لنا رؤيته و معرفته .
فالمخلوقات قدراتها محدودة و هي محصورة في الحدود التي جعلها الله من مكان و أعراض تعرض لها كالنوم و المرض و الغفلة و الموت و غير ذلك و أيضا من قصور بطبيعة كونها مخلوقات مربوبة و الكمال لله وحده "الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد".
الله سبحانه خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق و كل مخلوق يعرض له و يمر به من الأحوال المخلوقة التي خلقها الله و هو بكل شيء لطيف خبير يعلم دقائقه و عظائمه و دقائق أحواله و عظائمها و تفاصيل ما فيه و به و إليه و حوله و هو بكل شيء محيط و هو سميع بصير و هو رب كل شيء و مدبره لا يغيب عنه شيء و لا لجزء من المليار من الثانية و لا أقل منه فهو سبحانه لا تأخذه سنة و لا نوم يدبر مخلوقاته في كل لحظة " يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِه ِ" هو القيوم الذي قام بذاته و قام به كل مخلوق فهو المقيم لهم خلقهم و خلق سكناتهم و حركاتهم و كلامهم و صمتهم و يقظتهم و نومهم و أفكارهم و مشاعرهم و أحوالهم و إراداتهم و أفعالهم و كل موجود في الكون مخلوق له .
هو خلقه و يعلمه و يدبره لا يخرج عن هذا الحصر شيء.
و أصغر وحده علمية معروفة للأجسام هى الذرة فلو افترضنا جدلا أن هذه الوحدة هي أصغر وحده كونية فعلا – و الذرة لكي تُرى تحتاج للتكبير بالمجهر الالكتروني إلى ألفي ضعف حجمها- فكم في المكان المُشاهد لك فقط من ذرات الله يقيمها كم في متر مكعب واحد فقط من الأرض من ملايين الذرات .
فيا الله ما أعظمك في كل لحظة تمر أنت مقيم لكل الكون – الذي نراه و لا نراه الصغير و الكبير فكل ذرة في كل مخلوق الله مقيمها و لو تركتها ما قامت - أنت الخالق لأفعالهم سكناتهم و حركاتهم و كل ما بهم و أنت المحيط بهم العليم الخبير الرب الإله أنت الله الملك العظيم.
و أنت الذي أودعت الأسباب منافعها و جعلتها تؤول إلى ما اعتدناه منها و لو شئت لجعلت النار بردا و الجليد جحيما سبحانك سبحانك فأين فرعون المعتوه و أين هامان المأفون و أين جنودهما الطاغين و أين أتباعهما المجرمين أين الملوك أين الجبابرة ؟

*** واستدل بالآية على خلق أفعال العباد لخلقه سبحانه ما في الصدور و لا تعويل على من أنكر هذا.

*** ووجه الدلالة من الآية واضح أنه استفهام إنكاري كيف يخفى على الله شيء خلقه و هو اللطيف الخبير فاجتمع هنا أمران:
1 – أنه الخالق و كيف لا يعلم الخالق ما خلق؟
2 – أنه سبحانه من أسماءه الحسنى اللطيف الخبير فهما صفتان لا تنفكان عنه أبدا يعلم الدقائق و اللطائف فما فوقها على وجه الخبرة .
و الخبرة العلم ببواطن الأمور التي يتم بها التدبير و التصريف و إعطاء كل ذى حق حقه من الخلق و التكوين و العناية و الحفظ و تيسير كل لما خلق له فاللطيف الذي يعلم ما دق و خفي و الخبير الذي يحيط خبرا بهذه الدقائق.
فكيف لمن اجتمع له الخلق و اللطف و الخبرة ألا يعلم ما خلق؟ و هذا الوصف الذي اسلفناه من علم الله و إحاطته ينطبق على كل موجود فالله به لطيف خبير.

*** ورد اسم اللطيف في القرآن الكريم سبع مرات و اقترن بوصف الخبير في خمس مواطن "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ " [الحج : 63] "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ " [لقمان : 16] "وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا " [الأحزاب : 34] "لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " [الأنعام : 103 ] و الآية التي نتدارسها و تلاحظ في تلك الآيات معنى العلم بالدقائق و الإحاطة بها فاللطيف عليم بالدقائق و الخبير خبير بتلك الدقائق و هذا فوق العلم.
و بوصف العليم الحكيم في موطن " وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " [يوسف : 100]و بوصف القوى العزيز في موطن " اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ " [الشورى : 19]
و تلاحظ في هاتين الآيتين معنى الخفاء في أساليب التدبير و إيصال المنافع و معنى الرفق.

*** اللطيف :
قال الزجاج: اللطيف أصل اللطف في الكلام خفاء المسلك ودقة المذهب
واستعماله في الكلام على وجهين يقال فلان لطيف إذا وصف بصغر الجرم و فلان لطيف إذا وصف بأنه محتال متوصل إلى أغراضه في خفاء مسلك وفلان لطيف في علمه يراد به أنه دقيق الفطنة حسن الاستخراج له
فهذا الذي يستعمل منه وهو في وصف الله يفيد أنه المحسن إلى عباده في خفاء وستر من حيث لا يعلمون
ويسبب لهم أسباب معيشتهم من حيث لا يحتسبون وهذا مثل قول الله تعالى ويرزقه من حيث لا يحتسب
فأما اللطف الذي هو قلة الأجزاء فهو مما لا يجوز عليه سبحانه
1 - الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا، والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور.
2 - والرّفْق في الفِعْل والتنفيذ ، يُقال لَطَف به وله والله لطيف بعباده رفيق بهم قريبٌ منهم ، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان .
و اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال، ولسان الحال هو من الرحمة بل هو رحمة خاصة فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف فإذا قال العبد: يالطيف الطف بي أو لي وأسألك لطفك فمعناه تولني ولاية خاصة بها تصلح أحوالي الظاهرة ، والباطنة وبها تندفع عني جميع المكروهات من الأمور الداخلية والأمور الخارجية.
3 - هو المحسن إليهم في خفاء وستر من حيث لا يعلمون ، وهو الذي يرزقهم بفضله من حيث لا يحتسبون الموصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرق لا يشعرون بها.
4 - ومن المعاني اللغوية للطيف هو الذي لطف عن أن يدرك لكماله وجلاله ، كما في قوله تعالى : ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَي الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَي طَعَاما فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدا ) (الكهف19) فمن المعاني التي يشملها اسمه اللطيف لطف الحجاب ، فإن الله لا يرى في الدنيا لطفا وحكمة ، ويرى في الآخرة إكراما ومحبة ، وإن لم يدرك بإحاطة من قبل خلقه.
5 – القريب فاللواطف من الأضلاع هي القريبة.

*** الخبير :
1 - قال الزجاج :الخبير قال أبو علي أخذ هذه الكلمة أبو إسحاق من قولهم خبرت الأرض إذا شققتها وفلان خبير بالشيء إذا كان عالما به وكأنه هو الذي بحث عن ذلك الشيء حتى شق عنه الأرض قال أبو علي وهو عندنا من الخبر الذي يسمع لأن معنى الخبير العالم وقال :
إذا لاقيت قومي فأسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا
فالعلم أبدا مع الخبر فما حاجة أبي إسحاق إلى أن يأخذه من الخبر والشق .
2 - الخبير هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا تتحرك حركة إلا وهو يعلم مستقرها ومستودعها فهو صاحب العلم الكامل بدقائق الأشياء وحقائقها و بواطنها وخفاياها وبما كان وما يكون.
3 - أو الخبير العالم بالأشياء عن طريق الخبر والسماع ، فالله خبير يعلم الأشياء قبل الإخبار عنها وبعد الإخبار عنها ، فله جنود السماوات والأرض يخبرونه بالوقائع على سبيل تحقيق الحكمة في الخلق ، فعند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ) .
4 - ويخبر بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه، الخبير بمصالح الأشياء ومضارها
5 - العليم الذي لا تعزب عنه الحوادث الخفية التي من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضا بحدوثها فلذلك اشتق هذا الوصف من مادة الخبر.
6 – المخبر قال تعالى :"و لا ينبئك مثل خبير ".

*** و في الآية دلالة قاهرة على سفاهة من اعترض على الأحكام الشرعية فالله هو الخالق لكل موجود الذي أحكم خلقه على أكمل الوجوه و هو اللطيف الخبير بهذا الخلق فهو أحق وأعلم و أحكم من حكم و شرع لخلقه فكيف لمخلوق عاجز قاصر ضعيف لا يقوم بنفسه و هو أعجز أن يعرف حقائق بدنه و جسمه أن يعترض على الخالق العظيم تالله إنه لأسفه السفه و أغبى الغباء .
فلا أحد أبدا أعلم بخلق الله منه فهذه حقيقة عظيمة تقررها الآية ينبغي أن تحفر في قلب كل مسلم.
و الله يبتلى عباده بشيء من العلم يُخيل لهم أنه عظيم و جسيم و أنهم طالما عرفوه فقد بلغوا الغاية و قاربوا النهاية و حقروا من سبقهم و قالوا للدعاة على طريقة فرعون لموسى و هارون عليهما السلام:"و يذهبا بطريقتكم المثلى" ثم يزيدون في علومهم فيعرفوا أنهم يلعبون و أن الأمر أعظم بكثير مما ظنوا و لكن الله استخرج بذلك مكنون نفوسهم و قلوبهم.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – كيف لا يكون الله عليما بكل موجود من أعراض و أجسام و هو الخالق لها و صفة ذاته أنه اللطيف الخبير؟
2 – التأمل في عظمة علم الله.
3 – دلالة الآية على خلق أفعال العباد.
4 – مراجعة معنى اسم الله اللطيف و اسم الله الخبير و الكمال الناتج عن الجمع بين الاسمين.
5 – دلالة الآية على حق الله سبحانه في الحكم و التشريع و بيان سفه و جهل من اعترض على أحكام الله.
6 – التأمل في حال بعض الخلق الذين إن فتح لهم باب صغير من العلم فظنوه عظيما فكان أول فعلهم الاعتراض على أحكام ربهم و الثقة بأنفسهم و اتهام ربهم سبحان الله و تعالى عما يقولون علوا كبيرا.

تفسير سورة الملك | الآية الخامسة عشر
"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"الآية:15


*** و السياق يحتمل وجهان:
1 – أن الخطاب موجه للخلق عموما مؤمنهم و كافرهم بيانا للقدرة الهائلة و امتنانا بالنعمة العظيمة و تذكيرا للخلق كي يتدبروا فلا يكفروا.
2 – أن الخطاب موجه للكافرين.
قال الرازي: هذه الآية على سبيل التهديد ، ونظيره من قال لعبده الذي أساء إلى مولاه في السر : يا فلان أنا أعرف سرك وعلانيتك فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك ، كل هذا الخير الذي هيأته لك ولا تأمن تأديبي ، فإني إن شئت جعلت هذه الدار التي هي منزل أمنك ومركز سلامتك منشأ للآفات التي تتحير فيها ومنبعاً للمحن التي تهلك بسببها ، فكذا ههنا ، كأنه تعالى قال : أيها الكفار اعلموا أني عالم بسركم وجهركم ، فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي ، فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها ، وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم ، أنا الذي ذللتها إليكم وجعلتها سبباً لنفعكم ، فامشوا في مناكبها ، فإنني إن شئت خسفت بكم هذه الأرض ، وأنزلت عليها من السماء أنواع المحن .

*** "ذلولا":
والذُّلُّ والذِّلُّ ضد الصعوبة و هو الانقياد و الهوان و اللين .
والذلول من كل شيء : المنقاد الذي يذل لك و يكون في الإِنسان والدابة والذلول من الدواب المنقادة المطاوعة و هو فعول للمبالغة بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث و أنكر أبوحيان ما ذكره بن عطية أن يكون فعول بمعنى مفعول أي مذلولة قال : وليس بمعنى مفعول لأن فعله قاصر ، وإنما تعدى بالهمزة كقوله : { وتذل من تشاء } وأما بالتضعيف لقوله : { وذللناها لهم } وقوله : أي مذلولة يظهر أنه خطأ.اه
و ذلولية الأرض تذليل الانتفاع بها مع صلابة خلقها تشبيها بالدابة المسوسة المروضة بعد الصعوبة .

*** و من مظاهر ذلولية الأرض أمور:
أحدها : أنه تعالى ما جعلها صخرية خشنة بحيث يمتنع المشي عليها ، كما يمتنع المشي على وجوه الصخرة الخشنة.
وثانيها : أنه تعالى جعلها لينة بحيث يمكن حفرها ، وبناء الأبنية منها كما يراد ، ولو كانت حجرية صلبة لتعذر ذلك .
وثالثها : أنها لو كانت حجرية ، أو كانت مثل الذهب أو الحديد ، لكانت تسخن جداً في الصيف ، وكانت تبرد جداً في الشتاء ، ولكانت الزراعة فيها ممتنعة ، والغراسة فيها متعذرة ، ولما كانت كفاتاً للأموات والأحياء.
ورابعها : أنها في إدراكنا ثابتة ساكنة و لو كانت تتحرك و تجرى لشق الأمر علينا مشقة شديدة.
خامسها: أنها خلقت على كيفية جامدة ساكنة لا تتحرك و لا ترتج و لا تضطرب و لا تثور فيها في كل موطن البراكين و الزلازل.
سادسها:أن ما بها و ما فوقها و ما تحتها مسخر للإنسان ينتفع به كيف شاء و متى شاء.
سابعها :رغم أن للأرض كيفية تعقل بها و هى التي أبت بها أن تحمل الأمانة لما عرضت عليها إلا إنها في إدراكنا جماد ساكن لا يتحرك و لا يطالبنا بشيء بل منفعته مباحه لنا بلا ثمن .
و سبحان من سخر الأرض ذلك المخلوق الكبير العظيم الذي يحوى الجبال و الكنوز و البراكين للإنسان ذلك المخلوق الضعيف الهزيل الصغير الذي تكفي ضربة حجر لقتله و الأعجب من ذلك تسخير ما في السماوات أيضا الشمس و القمر و النجوم وينتفع المرء بالسحاب و يحميه الغلاف الأرضي من الشهب و يمسك المياه أن تتبخر في الكون قال تعالى :" أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ " [لقمان : 20]
و الإنسان يعتاد و يألف ما يراه و يسمعه و ما خلق فوجد نفسه فيه و لا يتدبر أن تسخير ما حوله كان بفعل الله منة و نعمة عليه و لو ترك الإنسان و ما حوله لهلك لضعفه و عجزه و أعجب من ذلك أن الإنسان وجد نفسه في هذا الدنيا فلم يخلق نفسه و لم يكن له أي دور في إيجادها و لما جاءته رسالة الرسل بالبراهين الصادقة أنكرها و جحدها و استنكر النشأة الأخرى.

*** الإنسان مخلوق واحد يعيش على وجه الأرض و يوجد معه من المخلوقات ما لا يعلم عدده إلا الله سبحانه و مع ذلك فالأرض مسخرة له كالسيد يحيا عليها و باقي المخلوقات رغم أنها تحيا معه على الأرض إلا أنها تحت قهره و سيطرته إما بالقوة الفعلية أو بالعقل الذي وهبه الله إياه فمكنه به من السيادة على الأرض .
و تخيل كانت الأرض على صورة حي يرهق البشر بالتكاليف لكي يتركهم على ظهره و كذا البحار و الأفلاك و الجبال و الهواء و الماء و غير ذلك.
تخيل لو كانت الأرض كلها جبال و قفار أو براكين و زلازل ماذا سيفعل بن آدم المسكين؟ فإذا تأملت ذلك الحال علمت حقيقة الضعف البشرى و عظمة المنة الإلهية عليه.

*** و تأمل أن الله سبحانه لما ذلل الأرض العظيمة ذلت فوطئها كل أحد و لما سخر الشمس و القمر و الأفلاك ذلوا و خضعوا و لم يخرج منهم أحد عن الناموس الذي و

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 7:46 pm

*** و تأمل أن الله سبحانه لما ذلل الأرض العظيمة ذلت فوطئها كل أحد و لما سخر الشمس و القمر و الأفلاك ذلوا و خضعوا و لم يخرج منهم أحد عن الناموس الذي وُضع له و بن آدم المتناهي في الصغر لا يتعظ و لا يتدبر و لو تدبر مقدار قدرة الله عليه و أن لو يشاء الله لأخضعه و لكنه يمهله امتحانا له و حلما عليه.

*** و هنا أمر هام يغفل و هو أنه لولا تسخير الله سبحانه للأرض لما استطاع الإنسان أن يصل إلى التقدم و الرقي الذي وصل إليه اليوم فالبعض قد ينظر للحضارة المعاصرة و ينبهر بها غاية الانبهار و لا يلتفت أنه لولا أن الله سبحانه سخر لنا الأرض و ما فيها و مكننا فيها و جعلنا فيها آمنين لما استطاع البشر الوصول لشيء من ذلك .
فكثيرون ينظرون إلى جانب العلم و العمل البشرى فينبهرون إذا رأوا شيئا من المخترعات الحديثة التي تيسر أمرا لم يكن متصورا قبل ذلك و لا ينظرون إلى السيل الجرار من المنن و النعم التي لولا أن الله وهبنا إياها لما وصلنا إلى شيء فالإنسان أعجز من أن يوجد من العدم ذرة فما دونها و لا أقول فما فوقها و الله سبحانه استودع له في هذه الأرض من المنافع الشيء العظيم من المطاعم و المشارب و المواد الخام و المخلوقات العظيمة و الدقيقة و أعطاه المناخ الملائم لحياته و أمنه على ظهر الأرض بما يضمن بقاء نوعه و أسبغ عليه نعمه ظاهرة و باطنه و سخر له ما في السماوات و الأرض و أعطاه العقل .
فجاء الإنسان فاستعمل المادة الخام و العقل الذي وهبه الله إياه و الأمن الذي يحيا فيه و أخذ يكتشف في القوانين الكونية التي فطر الله الأرض عليها فلما جاء بتلك الاكتشافات لم ينظر إلى سابق المنن و النعم بل نظر فقط إلى ذلك الاكتشاف أو الاختراع و تعاظم في نفسه و ليس شأنه أكثر من شأن الطفل الذي يحبو فلما مشى ظن نفسه أقوى الأقوياء و أقدر القادرين و هو لا يعدو كونه طفل يلهو و يلعب.
لذلك يظهر هذا الأمر جليا حينما يرسل الله فيروسا أو ميكروب لا يُرى بالعين المجردة هو أصغر مما يكون فيقهر الله به تلك الغطرسة و يثبت به لإنسان عجزه و حقيقة أمره و أن الخير الذي يحيا فيه بما فيه العلم الذي علمه الله إياه إنما هو محض نعمة و منة من الله سبحانه فلو اقتربت الشمس قليلا من الأرض لأحرقت من فيها و لو هبط نيزك كبير من السماء لأباد أهل الأرض و لو سلط الله سباع الأرض على البشر لما استطاعوا الحياة و لو استطاعوا لكانت في قمة المشقة و لم يستطيعوا أن يصلوا للتقدم و الرقي الذي وصلوا إليه و لولا أن الله استودع الأسباب منافعها و علم بن آدم لما استطاع الانتفاع بالأشياء و صنع ما ينفعه و نسأل الله العافية في الدنيا و الآخرة.

*** "مناكبها":
1 – الآثار:
أ - أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { مناكبها } قال : جبالها .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة أن بشير بن كعب(ثقة ، من كبار التابعين) قرأ هذه الآية { فامشوا في مناكبها } فقال لجاريته : إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله ، قالت : فإن مناكبها جبالها ، فسأل أبا الدرداء رضي الله عنه ، فقال : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك .
ب - و عن ابن عباس وبشر بن كعب و قتادة في قوله : { مناكبها } قال : أطرافها .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { مناكبها } قال : أطرافها وفجاجها قلت: و كذا رواه أبو حيان عن الحسن والسدي .
2 – أقوال اللغويين:
قال بن منظور:ومَناكِب الأَرضِ جبالُها وقيل طُرُقها وقيل جَوانِبُها وفي التنزيل العزيز فامْشُوا في مَناكِبها قال الفراء يريد في جوانبها وقال الزجاج معناه في جبالها وقيل في طُرُقها قال الأَزهري وأَشبَهُ التفسير واللّه أَعلم تفسير من قال في جبالها لأَن قوله هو الذي جَعَل لكم الأَرضَ ذَلُولاً معناه سَهَّلَ لَكم السُّلوكَ فيها فأَمكنكم السلوك في جبالها فهو أَبلغ في التذليل والمَنْكِبُ من الأَرض الموضعُ المرتفع.
3 - أقوال العلماء:
أ – جوانبها و أطرافها:
فالمناكب تخييل للاستعارة لزيادة بيان تسخير الأرض للناس فإن المنكب هو ملتقى الكتف مع العضد جعل المناكب استعارة لأطراف الأرض أو لسعتها .
قال بن عاشور : وجمع المناكب تجريد للاستعارة لأن الذلول لها منكبان والأرض ذات متسعات كثيرة .
وقال الفراء والكلبي ومنذر بن سعيد : جوانبها ، ومنكبا الرجل : جانباه ، قلت و المقصود :طرقها و أطرافها و جوانبها.
ب- لما شبهت بالبعير في الذلولية استعير وصف المناكب لسهولها و طرقها لأن مناكب البعير أرق ما فيه.
قال الزمخشري : والمشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنبأه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه ، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم ينزل. انتهى.
ح – الجبال :
قال الزجاج : سهل لكم السلوك في جبالها فهو أبلغ التذليل.اه
و قيل:وسميت الجبال مناكب ، لأن مناكب الإنسان شاخصة والجبال أيضاً شاخصة ، والمعنى أني سهلت عليكم المشي في مناكبها ، وهي أبعد أجزائها عن التذليل ، فكيف الحال في سائر أجزائها.
قلت (أبو يوسف): و المختار أن المقصود السير في طرقها ودروبها و سبلها لأن:
1 - فإن هذا هو الذي تتم به المنة و الأية في سياق الامتنان.
2 - و الآية تتحدث عن تذليل الأرض و الجبال صعبة فالحمل على السهول و الأودية أولى من الحمل على الجبال و الهضاب.
3 - الأظهر أن في هذا الموطن أمر بالاكتساب و ابتغاء فضل الله و هو يحصل بالسير في طرق الأرض أبلغ ما يحصل بالسير في الجبال.
4 – أن هذا يتناسب مع الآيات القرأنية الأخرى التي ذكرت هذه المنه فهي تتحدث عن السير في طرق الأرض.
قال تعالى:"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا (20)" و"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (53)"و"وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)" و"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)".
5 – المنكبين أرق أجزاء البعير الذلول.
و لو قيل إن المعنى أن السير ممكن في جبالها و هي أصعب أجزائها ففيما دون ذلك أسهل و أيسر لكانت المحصلة النهائية للمعنى واحدة.

*** "فامشوا في مناكبها" :
قال أبو حيان: أمر بالتصرف فيها والاكتساب و قال الرازي: أمر إباحة ، وكذا القول في قوله : { وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } .
قلت (أبو يوسف):و ليس الأمر بالتكسب في كل أحواله على الإباحة بل أحيانا يجب و هو أمر قرآني لا ينافي التوكل و لا الكمال و ما من نبي إلا و قد رعى الغنم و صح أن نبي الله زكريا صلى الله عليه و سلم كان نجارا و قد عمل نبي الله موسي الكليم صلى الله عليه و سلم عشر سنين على عفة بطنه و فرجه
و قد صح عن أبي هريرة أنه قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله الموعد إني كنت امرءا مسكينا، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم فشهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وقال: من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه فلن ينسى شيئا سمعه مني فبسطت بردة كانت علي فو الذي بعثه بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه. متفق عليه
و في صحيح مسلم : عن حنظلة الأسيدى قال - وكان من كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال - لقينى أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « وما ذاك ». قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « والذى نفسى بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندى وفى الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفى طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ». ثلاث مرات.
و لم يزل العلماء يثنون على عبد الرحمن بن عوف في عدم قبوله هبة أخيه الأنصارى الذي عرض عليه اقتسام أهله و ماله معه روى البخاري في صحيحه عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال : لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه و سلم بين عبد الرحمن ابن عوف وسعد بن الربيع قال لعبد الرحمن إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجتها . قال بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فلما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تابع الغدو. الحديث.
و لا أعلم أن أحدا من أهل العلم قال أن الأولى له كان التفرغ للعبادة وقبول عطية أخيه بل عدها العلماء له مكرمة كما كانت عطية أخيه العظيمة له مكرمة و الله أعلم.
و روى عن عمر : لولا هذه البيوع صرتم عالة على الناس.
و في مصنف بن أبي شيبة قال:حدثنا وكيع (ثقة) قال : حدثنا محمد بن شريك(ثقة) ، عن ابن أبي مليكة(ثقة فقيه) ، قال : قالت عائشة(أم المؤمنين) : كان أبو بكر أتجر قريش.
و قال حدثنا وكيع ، قال : حدثنا يزيد ، عن ابن سيرين ، قال : نبئت أن أبا بكر كان أتجر قريش.
و قال :حدثنا وكيع (ثقة) عن حماد بن زيد(ثقة) ، عن أيوب(ثقة) قال : كان أبو قلابة(ثقة فاضل من أئمة التابعين) يثني على الاحتراف والطلب ، وقال أبو قلابة : الغنى من العافية.
و في شعب الإيمان عن عَلِيَّ بْنَ عَثَّامٍ، يَقُولُ: " مَا أَحَبُّ إِلَيَّ يَكُونَ الْمُسْلِمُ مُحْتَرِفًا، إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا احْتَاجَ أَوَّلَ مَا يَبْذُلُ دِينَهُ "
( على بن عثام بن على العامرى الكلابى من كبارالآخذين عن تبع الأتباع الوفاة : 228 هـ مرتبته عند ابن حجر : ثقة فاضل مرتبته عند الذهبـي : صدوق أديب فقيه صالح).
نعم ليس الاحتراف و التكسب مردا لذاته بل لأن الإنسان فطر على احتياجات لا بد له منها منها الضروريات التي لا تقوم حياته بدونها و منها الحاجات التي يشق عليه فقدها و منها التحسينيات التي يستعملها لراحته و زينته و لو استغنى الإنسان عن الأخيرة فلا بد له من الأولى و الثانية و لو ترك الثانية فهو لا يقدر على ترك الأولى و الشرع لم يقل لنا اتركوا الأعمال و السعي و الكسب و تفرغوا للعبادة و ستمطر عليكم السماء الذهب و الفضة بل جاء الشرع بالسعي و طلب الفضل من الله من وجهه الحلال الذي أمرنا به ونبذ الحرام الذي نهانا عنه أسلفنا الأثار التي فيها أن خير الخلق كانوا يعملون و يتكسبون و كما أسلفنا فالتكسب ليس فضيلة في ذاته بل هو الوسيلة الشرعية التي أمرنا بها لتحقيق مطالبنا و احتياجاتنا فهو طاعة و عباده من هذا الوجه و لا أعلم حديثا صح في فضل التكسب لذاته و إليك الآثار:
أخرج الطبراني وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان والحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله يحب العبد المؤمن المحترف » ضعفه الألباني و غير واحد من هل العلم و قال السخاوي: له شواهد قلت (أبو يوسف): لم أعثر له على شواهد تصلح للتقوية.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سالم إلا عاصم بن عبيد الله ولا يروى عن بن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد به أبو الربيع السمان (منزلته عند بن حجر: متروك و عند الذهبي :ضعيف)
و في مسند الشهاب: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز بن ثرثال (ثقة) ثنا أبو إسحاق محمد بن إبراهيم بن علي بن بطحاء ثنا محمد بن أحمد بن عبد الله الزيات ثنا عبيد بن إسحاق ثنا قيس عن ليث عن مجاهد عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله يحب المؤمن المحترف .(فيه من لم أعرفهم)
و فيه: وأنا أبو سعد الصوفي أنا محمد بن علي بن عبد الله الجرجاني الفقيه نا عمران بن موسى نا مجاشع نا شيبان بن أبي شيبة (صدوق) نا الربيع : بإسناده إن الله يحب المؤمن المحترف.(فيه من لم أعرفهم)
و حديث "أفضل الأعمال الكسب من الحلال " ضعيف و "إن الله يحب أن يرى عبده تعبا في طلب الحلال"موضوع
و من كان له كفاية أو كفله بعض الأخيار و أختار التفرغ لأمر الآخرة من العبادة و العلم أو غيرها من المصالح الخاصة و العامة و نحو ذلك فبها و نعمت و هو بركة على من حوله روى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك قال : كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه و سلم فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه و سلم و الآخر يحترف فشكا المحترف أخاه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : لعلك ترزق به .
قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم و رواته عن آخرهم أثبات ثقات و لم يخرجاه و قال الذهبي: على شرط مسلم
أما ما قد يظنه البعض أن أشرف المنازل التخلي عن المال و ترك التكسب و أن ذلك كمال التوكل فهذا مخالف لهدي السلف أخرج البخاري من حديث جَابِرٍ، قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلاَمًا عنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ.
وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال : مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال : من أنتم؟ قالوا : المتوكلون ، فقال : أنتم المتأكلون ، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه .(لم أعثر على سنده)
قال الغزالي في الإحياء:المقصود إصلاح القلب ليتجرد لذكر الله ورب شخص يشغله وجود المال ورب شخص يشغله عدمه والمحذور ما يشغل عن الله عز وجل وإلا فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها ولا عدمها ولذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصناف الخلق وفيهم التجار والمحترفون وأهل الحرف والصناعات فلم يأمر التجار بترك تجارته ولا المحترف بترك حرفته ولا أمر التارك لهما بالاشتغال بهما بل دعا الكل إلى الله تعالى وأرشدهم إلى أن فوزهم ونجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا إلى الله تعالى وعمدة الاشتغال بالله عز وجل القلب.
و لا يظنن ظان أن سعي الرجل على نفسه و أهله ليس بالعمل العظيم ففي مجمع الزوائد عن كعب بن عجرة قال : مر على النبي صلى الله عليه و سلم فرأى أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من جلده ونشاطه فقالوا : يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان
قال الهيثمي :رواه الطبراني في الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح
و قال صلى الله عليه و سلم :"كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول" و كل نفقة ينفقها المرء على نفسه و أهله يحتسبها فهي له صدقه قال صلى الله عليه و سلم :" " يا أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله ، فإن بخل أحدكم أن يعطي ماله للناس فليبدأ بنفسه ، و ليتصدق على نفسه فليأكل و ليكتس مما رزقه الله عز وجل "صححه الألباني.
و أفضل دينار ينفقه المرء هو الذي ينفقه على أهله قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ». قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ : وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ فَأَىُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يَقُوتُهُمُ اللَّهُ وَيَنْفَعُهُمْ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ عَنْ أَبِى الرَّبِيعِ و قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« دِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ مِسْكِينًا وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِى رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ قَالَ الدِّينَارُ الَّذِى أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُ أَجْرًا ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ.
قال العلماء: المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع العيال ويستغرق الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق والاشتغال بالكسب ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته بل يواظب على التسبيحات الأذكار وقراءة القرآن فإن ذلك يمكن أن يجمع إلى العمل وإنما لا يتيسر مع العمل الصلاة إلا أن يكون ناظورا فإنه لا يعجز عن إقامة أوراد الصلاة معه ثم مهما فرغ من كفايته ينبغي أن يعود إلى ترتيب الأوراد .
و يجدر بالذكر هنا الإشارة إلى أن أفضل النفقة على الأقرب ثم الأقرب قال صلى الله عليه و سلم : "أمك و أباك ثم أختك و أخاك ثم أدناك أدناك" و قال صلى الله عليه و سلم لمَيْمُونَةَ أم المؤمنين لما أعتقت وليدة : "وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ .أخرجه البخاري
و هناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى ليس هذا موطن ذكرها.

*** " وكلوا من رزقه ":
قال في التحرير: ومناسبة (وكلوا من رزقه) أن الرزق من الأرض والأمر مستعمل في الإدامة أيضا للامتنان وبذلك تمت استعارة الذلول للأرض لأن فائدة تذليل الذلول ركوبها والأكل منها فالمشي على الأرض شبيه بركوب الذلول والأكل مما تنبته الأرض شبيه بأكل الألبان والسمن وأكل العجول والخرفان ونحو ذلك .

*** و في الآية إشارة لطيفة فالله سبحانه يقول لعبادة لقد ذللت لكم الأرض و لم يكن لكم أبدا أن تسخروها و أودعت لكم فيها أرزاقكم و الطيبات و ليس عليكم إلا مجرد السعي و الاكتساب فاسعوا و كلوا من رزق الله و تمتعوا بالطيبات .
فالله سبحانه خلق لنا المطاعم الكثيرة و المشارب المختلفة و الطيبات المتنوعة و لو اجتمع الأنس و الجن على خلق ذبابة لم و لن يقدروا و لم يكلفنا إلا مجرد السعي و قد قدر لنا الأرزاق.
و بالمثال تتضح الأمور فكأن هناك ملكا عظيما خلق دارا كبيرة جدا تسع الخلق كلهم و تزيد ثم أودعها من المطاعم و المشارب و المنافع الشيء الكثير التي لم يكن لأحدهم بها علم و لا قدرة على إيجادها و قال للخلق اسكنوها و ليس عليكم إلا تحصيل الطيبات
و اشكروا فضلي عليكم و لكم المزيد.
قال سبحانه "ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما" فهو الذي خلق لكم الطيبات و هو الذي يسير لكم السفن في البحر لتنالوا من البعيد الذي لا تصلون إليه فتأمل في هذا رحمة الله في خلق المنافع و إيصال البعيد و احمد الله .

*** و لا يفوت هنا أيضا الإشارة إلى أن تنوع المطاعم و المشارب وكثرتها لذتها و إلا كان من الممكن أن يخلق للإنسان طعام واحد و شراب واحد و كفى و سيكون ذلك نعمة و منه و لكن الله الكريم أعطانا في الدنيا الكثير و للمؤمنين في الآخرة أكثر اللهم أجعلنا منهم.

*** " وَإِلَيْهِ النشور":
أى البعث و الإحياء بعد الموت ومناسبة ذكر النشور هو ذكر خلق الأرض فإن البعث يكون من الأرض وهو بمثابة التذييل للآية .

*** الإنسان ينشغل بسعيه و رزقه فلا يرى إلا ما تدركه حواسه و يغفل عن حقيقة أمره و الله سبحانه يعلمه القواعد التي يسير عليها لينال سعادة الدنيا و الآخرة و لا يشقى و يخزى فالله هو الذي أودع له تلك الطيبات منة منه و رحمة و طلب منه السعي و لكن عليه أن يتذكر في سعيه أمور :
الأول: أن هذه النعمة من الله فليحمده و ليعلم له فضله و لا ينسب الفضل لنفسه و لا يكفر و يجحد هذه النعمة العظيمة.
الثاني: أن لا ينشغل بكسبه هذا عن خالقه.
الثالث: أن الدنيا زائلة و كل ما حوله و ما يسعى و يكد و يحرق قلبه في طلبه زائل و أنه راجع إلى الله فليحذر المخالفة و الركون إلى الدنيا .
الرابع: تأمل في تقديم المجرور في جملة ( وإليه النشور ) فالمرجع و النهاية لله وحده فالله هو الغاية و إليه المنتهى.
الخامس : أنه مجزى بما اقترفت يداه في سعيه و كسبه فالأرزاق و الأقوات التي في الأرض لم يترك الخلق ليحصلوا عليها بأي سعي بل هم محاسبون إن خالفوا أوامر الله سبحانه في سعيهم فظلموا و بغوا و نحو ذلك.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – تدبر مظاهر ذلولية الأرض و التأمل في قدرة الله و منته في تذليل الأرض الواسعة العظيمة للإنسان الضعيف الصغير و كذا تسخير ما في السماوات و التنبه إلى أن ليس للإنسان بذلك طاقة البتة فهي نعمة عظيمة لا يلتفت لها الكثيرون و لا يحسبونها من النعم و كذا تسخير السماوات و غيرها من النعم التي إن سألت أحدا أن يحصي نعم الله لم تخطر بباله فسبحان الذي خلق فأوسع.
2 – التأمل في مقدار الضعف البشري و عظمة المنة و الفضل الإلهي.
3 – الأرض لما ذللها الله ذلت أوليس الإنسان أحق منها بالذل لخالقه؟
4 – ما يغتر به الناس من التقدم و الاختراعات الحديثة إنما هو بنعم الله و ما أودعه في الأرض من خير و علمه للإنسان من علم و وهبه من عقل و هيأ له من أمان و ظروف ملائمة و لولا ذلك لما وصل لشيء و أن كل ما بلغه هو فقط الاستفادة من الخيرات التي وضعها الله له في الأرض أما مفرده أو بتجميعها و الاستفادة من السنن الكونية و العلم يقود الإنسان لمعرفة عظمة خالقه و قدرته و من تعلم و تدبر علم أننا ذرة أو أقل في كون الله و أن علم الله و قدرته و عظمته فوق إدراكنا.
و هنا لطيفة أن الإنسان لكي يتعلم العلم الشرعي و يتعبد يحتاج لظروف مهيأة و إلا فلو سُلط عليه كد الدنيا و ابتلى بما يشغله و لا بد له منه لما استطاع أن يصل في العلم و العمل إلى الغاية و الله أعلم قال تعالى "و كذلك مكنا ليوسف في الأرض و لنعلمه من تأويل الأحاديث و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون" و الذي هيأ للبشر ظروف الحياة و ذلل لهم الأرض حتى أبدعوا ووصلوا للتقدم العلمي الحالي رحمة منه بهم يُرجى منه أن ييسر الأحوال و يسخر الظروف لعباده الصالحين ليتعلموا و يتعبدوا و النبي صلى الله عليه و سلم قال للرجل الذي ينفق على أخاه العابد" لعلك ترزق به " فصدق الرغبة و سلوك سبيل الطاعة من أسباب الرزق و العافية و الله أعلم.
5 – السعي لمن أحتاج إليه لا يناقض الكمال و لا التوكل بل هو من الطاعات فلا يبتئس الإنسان بأنه يشغله أحيانا قهرا عن علمه أو عبادته فهو أمر قرآني و من سنن المرسلين و عمل صالح و هو لا يراد لذاته بل هو السبيل الشرعي للحصول على حاجات الإنسان و الإنسان لا ينفك عن حاجات و السعي مفاخرة و مراءاة محرم و من أسباب الرزق كفالة العباد أو المتعلمين و كل نفقة ينفقها المرء على نفسه أو أهله يحتسبها فهي في صدقة و خير الدراهم درهم أنفقه على أهله و يراعى في النفقة الأقرب فالأقرب.
6 – نعمة الله في خلقه ان أودع لهم أرزاقهم و الطيبات في الأرض ثم كلفهم مجرد السعي الحلال لتحصيل تلك النعم و الخيرات فالله أودع الأرض خيراتها و أقواتها التي تكفي خلقه و تفيض و إنما بن آدم هو الذي يجمع و يمنع و يظلم و يبغي.
7 – الدنيا زائلة فلا يركن إليها و إلى الله المنتهى و إليه المرجع و كلٌٌ محاسب بما كسب في سعيه و معاشه.
8 – النعمة في تنوع و كثرة المطاعم و المشارب و الطيبات.


تفسير سورة الملك | الآية السادسة عشر
"ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تمور" الآية :16


*** انتقال من الاستدلال إلى التخويف لأنه لما تقرر أنه خالق الأرض ومذللها للناس وتقرر أنهم ما رعوا خالقها حق رعايته فقد استحقوا غضبه وتسليط فالجملة معترضة والاستفهام إنكار وتوبيخ وتحذير .
وهذه الآيات نظيرها قوله تعالى: "أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)" [الإسراء:68، 69]
فإنها جاءت عقب قوله تعالى"ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما" فإنه سبحانه لما بين لهم منته و رحمته بهم حيث أودع لهم الأرض خيراتها و ساق لهم النعم و بين لهم سبيل الحصول على الخير بالسعي توعدهم على كفران هذه النعم .
و الأظهر عندي أن هذا التهديد لا يختص فقط بالكافرين بل هو للبشر عموما مؤمنهم و كافرهم هو للمؤمن عبرة و عظة و للكافر وعيد و تهديد و إنما قلت ذلك لأن القرآن القرآن جاء بمثل ذلك مع أشرف الخلق النبي صلى الله عليه و سلم قال سبحانه " قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ " و قال عز و جل :" وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ " و قال " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا " و قال " وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " والنبي صلى الله عليه و سلم أعلم الخلق بالله و أشدهم له خشية كان لا يمر بآية فيها وعيد إلا تعوذ و لا آية فيها نعيم إلا سأل الله و كان يُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء .
و النكتة هنا هي أن النفس البشرية لا تستقيم إلا بذلك بالوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب و الثواب و الخوف و الرجاء فالوعد فقط يبسط النفس فربما فرطت و الوعيد فقط ربما أدى للقنوط من الرحمة و لكن بالجناحين يرقي الطائر.
والخلاصة أن الوعيد هنا للكافرين والظالمين و هو للمؤمنين عظة و عبرة قال تعالى " ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ "و قال سبحانه " وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ".

*** و الآية من أدلة العلو والفوقية لله عز و جل و في هنا بمعنى على وهو من معانيها في المعروفة في اللغة قال بن منظور : وتجيء في بمعنى على وفي التنزيل "لأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوع النخل" المعنى على جذوع النخل.
و أهل السنة و الجماعة على الإيمان بعلو الله سبحانه فالله فوق سماواته و لا يلتفت للمخالفين و إنما أُتي المخالفين من باب الأوهام و الظنون و التنزيه المؤدي للتعطيل حتى كانت فطرة المشركين أصدق من مقالتهم و كانت فطرة الإماء و العجائز أفضل من تنزيههم و ما ذلك إلا لأنهم حكموا عقولهم على الله و لم يُسلموا و ظنوا أنهم أحاطوا بالكيفيات و العلوم و انكروا أن يجتمع التنزية و العلو و ما لهم بذلك من علم إلا اتباع الظن فرفضوا أن يكون العلو إلا على كيفية مظنونة في عقولهم و لم يعلموا أنهم أعجز من أن يحيطوا بذلك و قد ذكر الله سبحانه علوه و ذكره به نبيه صلى الله عليه و سلم في مقام التنزيه و التعظيم و جعلوه هم مذمة و تنقيص و أبوا أن يسلموا بما سلم به أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم خير من صحب الـأنبياء ووصفوا ذلك بالتشبية و التجسيم و ظن المشركين و الحق التسليم بما جاء به الرسول من أن الله العظيم فوق السماء مستوٍٍٍ على عرشه بائن من خلقه ليس فوقه شيء و ليس دونه شيء و ليس قبله شيء و ليس بعده شيء إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه تعرج الملائكة و الروح إليه ترتفع الأيادي و تقصده القلوب في علياءه فطرة الله التي فطر الناس عليها.
و نكتفي من أدلة العلو بذكر بعض الأدلة فقط :
قال تعالى"ثم استوى على العرش" في مواضع من كتابه وقال تعالى" أأمنتم من في السماء" في موضعين وقال تعالى "إليه يصعد الكلم الطيب" وقال سبحانه "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه" وقال تعالى "تعرج الملائكة والروح إليه" وقال لعيسى "إني متوفيك ورافعك إلي" وقال تعالى "بل رفعه الله اليه" وقال تعالى "وهو القاهر فوق عباده" وقال سبحانه تعالى "يخافون ربهم من فوقهم" .
قال صلى الله عليه و سلم في دعائه يصف ربه:"و أنت الظاهر فليس فوقك شيء".
و قال صلى الله عليه و سلم : " الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "صححه الألباني.
و في روضة المحدثين: عن أبى هريرة رضي الله عنه قـال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقـال : يا رسـول الله إن على عتق رقبة مؤمنة أفأعتق هذه ? فقال لها : " أين الله " فأشارت إلى السماء , قال : " فمن أنا ? " فأشارت إلى رسول الله ثم إلى السماء , قال : " اعتقها فإنها مؤمنة " . و إسناده حسن .و قال صلى الله عليه و سلم :"و الذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها" . ‌صححه الألباني.
و لما توفي النبي صلى الله عليه و سلم و فتن الخلق قام أبو بكر خطيبا في الناس وأتى المنبر فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات ، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم حي لا يموت . ثم تلا : {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} الآية . ثم نزل وقد استبشر المؤمنون بذلك واشتد فرحهم وأخذ المنافقون الكآبة .
قال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير علي بن المنذر وهو ثقة.
و قال صلى الله عليه و سلم :" ألا تأمنوني و أنا أمين من في السماء ؟ يأتيني خبر السماء صباحا و مساء " صححه الألباني.
و في حديث القبر لأبي هريرة "فإذا كان الرجل صالحا قال : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة و أبشري بروح و ريحان و رب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقول : فلان فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة و أبشري بروح و ريحان و رب غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تبارك و تعالى "صححه الألباني.
وفي روضة المحدثين عن ابن مسعود قال : " العرش فوق الماء و الله فوق العرش لا يخفى عليه شىء من أعمالكم " أسناده صحيح .
*** "من في السماء":
1 – هو الله سبحانه و تعالى.
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { أأمنتم من في السماء } قال : الله تعالى.
قلت (أبو يوسف): و هو الظاهر في الآية الذي لا محيد عنه و لما أنكر بعضهم العلو لجأ إلي بعض التأويلات بل و غلا بعضهم في التأويل كما سيأتي:
1 – أن تقدير الآية : أأمنتم من في السماء عذابه ، وذلك لأن عادة الله تعالى جارية ، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر بالله و يعصيه من السماء فالسماء موضع عذابه تعالى ، كما أنه موضع نزول رحمته ونعمته.
2 – قال أبو مسلم : كانت العرب مقرين بوجود الإله ، لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة ، فكأنه تعالى قال لهم : أتأمنون من قد أقررتم بأنه في السماء ، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء أن يخسف بكم الأرض.
قلت (أبو يوسف): و هو من العجب العجاب أن يقال أن القرآن يقرهم على باطلهم .
3 – تقدير الآية : من في السماء سلطانه وملكه وقدرته ، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته ، كما قال : { وَهُوَ الله فِى السموات وَفِى الأرض } [ الأنعام : 3 ] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين ، فوجب أن يكون المراد من كونه في السموات وفي الأرض نفاذ أمره وقدرته ، وجريان مشيئته في السموات وفي الأرض ، فكذا ههنا
4 –أن يكون المراد بقوله : { مَّن فِى السماء } الملك الموكل بالعذاب ، وهو جبريل عليه السلام ، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه أو الملائكة عموما.
5 - خص السماء بالذكر لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأمره ونهيه .
و على العكس تماما مما يزعم المعطلة لصفة العلو أن فيه تنقيص بل شعور الإنسان أن له ربا في العلو يعرج إليه قلبه يخشاه و يرجوه و يعبده وحده هو فوق كل شيء و قبل كل شيء و بعد كل شيء و دون كل شيء هو من أعظم التنزيه لله و الإيمان بأسمائه و صفاته.

*** قال بن منظور :( سما ) السُّمُوُّ الارْتِفاعُ والعُلُوُّ .
والسَّماءُ سقفُ كلِّ شيء وكلِّ بيتٍ والسمواتُ السبعُ سمَاءٌ والسمواتُ السبْع أَطباقُ الأَرَضِينَ وتُجْمَع سَماءً وسَمَواتٍ وقال الزجاج السماءُ في اللغة يقال لكلّ ما ارتَفع وعَلا قَدْ سَما يَسْمُو وكلُّ سقفٍ فهو سَماءٌ ومن هذا قيل للسحاب السماءُ لأَنها عاليةٌ والسماءُ كلُّ ما عَلاكَ فأَظَلَّكَ ومنه قيل لسَقْفِ البيت سماءٌ .
قلت (أبو يوسف): و كما أسلفنا فإن في هنا بمعنى على .

*** { أن يخسف بكم الأرض } :
قال بن منظور: الخسف سُؤُوخُ الأَرض بما عليها وخَسَفَها اللّه وخَسَف اللّه به الأَرضَ أَي غابَ به فيها ومنه قوله تعالى فَخَسَفْنا به وبدارِه الأَرضَ وخَسَفَ المكانُ يَخْسِفُ خُسوفاً ذهَب في الأَرض وخَسَفَه اللّه تعالى الأَزهري وخُسِفَ بالرجل وبالقومِ إذا أَخذته الأَرضُ ودخل فيها والخَسْفُ إلْحاقُ الأَرض الأُولى بالثانية والخَسْفُ غُؤُورُ العينِ وخُسوفُ العينِ ذَهابُها في الرأْس ابن سيده خَسَفَتْ عينُه ساخَتْ .اه بتصرف
قال في التحرير: والخسف : انقلاب ظاهر السطح من بعض الأرض باطنا وباطنه ظاهرا وهو شدة الزلزال .
قلت (أبو يوسف): و قول بن منظور أولى.

*** "فَإِذَا هِىَ تَمُورُ": والمور :الحركة والاضطراب والارتجاج .
قال مجاهد: قال : يمور بعضها فوق بعض واستدارتها.
قال بن منظور : مار الشيءُ يَمورُ مَوْراًَ أَي تحرّك وجاء وذهب كما تتكفأُ النخلة العَيْدانَةُ وفي المحكم تَردّدَ في عَرْض وفي المحكم المَوْرُ الطريق المَوطوء المستوي والمور المَوْجُ والمَوْرُ السرْعة ومارَتِ الناقةُ في سيرها مَوْراً ماجَتْ وتَردّدتْ وناقة مَوَّارَةُ اليد وفي المحكم مَوَّارَةٌ سَهْلَةُ السيْرِ سَرِيعة ومارَ جَرى ومارَ يَمورُ مَوْراً إِذا جعل يَذْهَبُ ويجيء ويَتَردّد قال أَبو منصور ومنه قوله تعالى يوم تَمُورُ السماءُ مَوْراً وتسير الجبال سيراً قال في الصحاح تَمُوجُ مَوْجاً وقال أَبو عبيدة تَكَفَّأُ والأَخفش مثله
ومار الشيءُ مَوْراً اضْطَرَب وتحرّك حكاه ابن سيده عن ابن الأَعرابي وقولهم لا أَدْري أَغارَ أَمْ مارَ أَي أَتى غَوْراً أَم دارَ فرجع إِلى نَجْد .انتهى بتصرف
و قال العلماء معناه : إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك ، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها ، فيذهبون والأرض فوقهم تمور ، فتلقيهم إلى أسفل السافلين .
قال أبو حيان: أي تذهب أو تتموج ، كما يذهب التراب في الريح.
قلت : قال سبحانه في معرض وصف القيامة "و تمور السماء مورا" و السماء يوم القيامة تنشق و تنفطر و تكشط تكون يومئذ واهية فالمختار في وصف المور للأرض هو الحركة و الاضطراب الذي تنشق منه الأرض و تنفطر و تكون واهية.

*** قال بن عاشور: وفرع على الخسف المتوقع المهدد به أن تمور الأرض تفريع الأثر على المؤثر لأن الخسف يحدث المور فإذا خسفت الأرض فاجأها المور لا محالة لكن نظم الكلام جرى على ما يناسب جعل التهديد بمنزلة حادث وقع فلذلك جيء بعده بالحرف الدال على المفاجأة لأن حق المفاجأة أن تكون حاصلة زمن الحال لا الاستقبال كما في مغني اللبيب فإذا أريد تحقيق حصول الفعل المستقبل نزل منزلة الواقع في الحال كقوله تعالى ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) وإذا أريد احتضار حالة فعل حصل فيما مضى نزل كذلك منزلة المشاهد في الحال كقوله تعالى ( وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ) فكان قوله ( فإذا هي تمور) مؤذنا بتشبيه حالة الخسف المتوقع المهدد به بحالة خسف حصل بجامع التحقق كما قالوا في التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ورمز إليه بما هو من آثاره ويتفرع عنه فكان في الكلام تمثيلية مكنية .

*** و كما ذلل لكم الأرض لتسيروا فيها و تسعوا فيها هو قادر على أن يجعلكم تغورون في داخلها و تخسفون فكما أمشاكم على ظهرها هو قادر أن يسحلكم في بطنها وكيف للإنسان الضعيف الحقير الصغير أن يقاوم هذا ؟ فحينها لا يجد شيئا يتمسك به و يتشبث بل الأرض تتحرك و تضطرب لتأخذه في أعماقها كلما تشبثت بشيء أو أمسكت بسبب زال معك و سقط و هوى و هكذا كل ما دون الله مما يتعلق به البشر إن أراد الله سبحانه أبطله و أزاله.
و قد عاقب الله رجلا متبخترا بالخسف قال صلى الله عليه و سلم :" بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة" أخرجه البخاري في الصحيح.
فالمشهد الذي تصوره الآية مشهد عظيم و هو مشهد الأرض تتحرك و تضطرب و ترتج لتأخذ الخلق في باطنها فمن يستطيع أن يسكنها؟ و من يملك لنفسه أو غيره النجاة؟ و ماذا يفعل؟ و بم يمسك؟
و الإنسان يألف ما يرى فقد جاء الإنسان للأرض و لم يخلق نفسه و مع ذلك ينكر البعث و النشور و هو يرى الأرض ساكنة و لا يتخيل أن الذي سكنها له قادر في أي لحظة أن يخسفها به .
فالإنسان يألف النعم و من رحمة الله أن وهبه ما لا يعده و لا يحصيه منها و لكن الله سبحانه إذا أراد أن يهلكه فما أيسر ذلك
والإنسان قد يخاف من عدو أو فقر أو مرض لأنها أغلب الابتلاءات و لكن لو تدبر الإنسان لعلم أن هناك ما هو أخطر من ذلك فالله قادر على أن يخسف به الأرض أو يرسل عليه حاصبا أو يصعقه بصيحة أو يغرقه بماء أو يقطعه بهواء أعني الريح قال سبحانه " قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [النحل/26]" فالإنسان لا يملك الأرض التي يحيا عليها و لا الهواء الذي يتنفسه و لا الماء الذي يشربه و لا بدنه الذي يحيا به و لا روحه فضلا عن أن يملك أي شيء أو يحكم أي شيء.
فالعاقل يتدبر و يتعظ و يعلم أن الخير الذي يجده نعمة من ربه فيشكره و يحمده و يوقن أن الله قادر في أي لحظة أن يقلب عين هذه النعمة نقمه .
قال أحد الخلفاء لأحدهم عظني فقال أرأيت لو وضعوا لك ملكك في كفة و شربة ماء في كفة لو لم تشربها تهلك أيهما تختار قال :الماء قال أرأيت لو لم تقدر على إخراج الماء إلا ببذل ملكك أتبذله أم لا ؟ قال أبذله و لا أهلك قال :فإن ملكك لا يساوى شربة ماء لا في خروجها و لا دخولها .أو كما قال
و الشاهد هنا أن نعمة الماء هي رخيصة في أعين الكثيرين لأن الله أفاضها عليهم و لكن لو حرمهم منها لهلكوا و بذلوا كل غال و رخيص لأجلها.لا

*** إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر : وقرأ " وإليه النشور ءأمنتم " بتسهيل الثانية وإدخال ألف قالون وأبو عمرو وأبو جعفر وهشام بخلفه وبتسهيلها بلا ألف ورش والبزي ورويس وللأزرق أيضا إبدالها ألفا خالصة مع القصر فقط لعروض حرف المد بالإبدال وضعف السبب بتقدمه على الشرط وقرأ قنبل في الوصل بالنشور بإبدال الهمزة الأولى واوا من غير خلف وبتسهيل الثانية بلا ألف من طريق ابن مجاهد وبتحقيقهما كذلك من طريق ابن شنبوذ فإذا ابتدأ حقق الأولى وسهل الثانية فقط بلا ألف والوجه الثاني لهشام للتحقيق مع الفصل والثالث له التحقيق مع القصر وبه قرأ الباقون وهم ابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي وروح وخلف وأبدل الثانية ياء مفتوحة من السماء أن معا نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ورويس وأثبت الياء في نكير ونذير وصلا ورش وفي الحالين يعقوب.

*** وإليكم أحد حوادث الخسف الرهيبة التي حدثت في غواتيملا (دولة تقع في قارة أمريكا الجنوبية) فقد تناقلت وسائل الإعلام العالمية ومنها شبكة (CBC الأمريكية الإخبارية ) في 23 فبراير 2007 بعنوان(2 die after giant sinkhole swallows Guatemala homes).
مراجع الحدث:
http://en.wikinews.org/wiki/Broken_stormwater_drain_led_to_Guatemala_sinkhole
http://www.cbc.ca/world/story/2007/02/23/guatamala-sinkhole.html
http://www.msnbc.msn.com/id/17303991/
و ملخص الحدث أنه في يوم جمعة عام 2007 سمع الناس صوت عالي و تزلزلت الأرض فخسف عدد من المنازل الصغيرة حوالي 12 على ما ذكرت وكالات الأنباء و عربه لورى واحدة على الأقل إلى عمق 100 متر تحت الأرض و حاول بعض الملحدين كالعادة نسبة ذلك لأن مواسير الصرف كانت تسرب المياه فتأكلت التربة و الأمطار كانت غزيرة و هذا سفه فأي مواسير هذه التي تخسف ببيوت 100 متر و على كل فما قالوه هو مجرد افتراضات لا يستطيعون هم أنفسهم الجزم بها و يظهر أن هذا الأمر متكرر حتى أني وجدته معرفا على الموسوعة المجانية بما يلي:
A sinkhole, also known as a sink, shake hole, swallow hole, swallet, doline or cenote, is a natural depression or hole in the surface topography caused by the removal of soil or bedrock, often both, by water. Sinkholes may vary in size from less than a meter to several hundred meters both in diameter and depth, and vary in form from soil-lined bowls to bedrock-edged chasms. They may be formed gradually or suddenly, and are found worldwide. These terms are often used interchangeably though many will distinguish between those features into which a surface stream flows and those which have no such input. Only the former would be described as sinks, swallow holes or swallets.
و هذه أفضل الترجمات التي استطعت الحصول عليها:
sinkhole هو انخفاض طبيعي أو ثقب في تضاريس السطح بسبب إزالة التربة أو الأساس ، و عادة الاثنان ، عن طريق المياه.
تلك الهوة قد تختلف في حجمها من أقل من متر واحد الى عدة مئات من الامتار في كل من القطر والعمق ، وتختلف من حيث الشكل من تجويفsoil-lined إلى هوة سحيقة.
ويمكن أن تتشكل تلك الهوة تدريجيا أو فجأة ، وتوجد في جميع أنحاء العالم.
هذه المصطلحات غالبا ما تستخدم بالتبادل و مع ذلك الكثيرون يفرقون بين التي يحدث فيها تدفق stream سطحي و التي ليس فيها.
فقط في السابق من شأنه أن يمكن وصفها بأنها sinks ، أو ابتلاع الثقوب.
قلت : و قد ذكروا بعض النظريات في الأسباب التي تؤدي لهذه الظاهرة و لا نطيل بالخوض فيها و لو صح ما ذكروه و ثبت كان لا معارضة مطلقا بينه و بين ما نذكر فالله سبحانه إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه و قدره بأسبابه و لو اكتشفوا أسبابه و تحرزوا منها أشد التحرز و أراد الله سبحانه حدوثه بنفس الأسباب و أن يعموا عنه فلا يتنبهون له فهو قادر على ذلك و أمثلته مشاهده و منها تسونامي المعاصرة فقد ذكروا أن مراكز الرصد رصدت تغيرات جيولوجية قبلها و لكن الوقت تأخر جدا فقد أبلغت مراكز الرصد الحكومات التابعة لها و الحكومان تتصل بنظيرتها المعنية أو لا تتصل و هكذا.
و الله قادر أن يقدر بلائه كل مرة بسبب مختلف أو بسسبب واحد لا يقدرون على إدراكه أبدا و الخلاصة أن نسبة هذه الكوارث للظواهر الطبيعية فقط من أعظم الكفر و الجحود و نسأل الله العافية.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – تربية النفس البشرية بين الوعد و الوعيد و هذه قاعدة عامة يربي الإنسان بها نفسه و من حوله.
2 – أدلة علو الله سبحانه.
3 – أثر علو الله في النفس.
4 – تدبر مشهد الخسف و الخوف من الله.
5 – مدى ضعف الإنسان و عظيم نعمة وقدرة الله عليه.
6 – حق على الكافر و العاصي عدم الأمن من العقوبة وعلى العاصي الاستغفار قال سبحانه "و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون".
7 – لو أراد الله أزال كل ما يتعلق به البشر من دونه و أبطله .
8 – تخيل مشهد مور السماء في القيامة و ما يحدثه ذلك في النفس من أثر.
9 – النظر للواقع و ما يحدث فيه من خسف و تأمله.
تفسير سورة الملك | الآية السابعة عشر
"أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ" الآية : 17

*** ثم زاد في التخويف فقال : { أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً } .

*** " أم ":
لاضطراب الانتقال من غرض إلى غرض وهو انتقال من الاستفهام الإنكاري التعجبي الأول إلى آخر مثله فالاستفهام الأول إنكار على أمنهم الذي في السماء من أن يفعل فعلا أرضيا والاستفهام الواقع من ( أم ) إنكار عليهم أن يأمنوا من أن يرسل عليهم من السماء حاصب.

*** "حاصبا":
قال ابن عباس : كما أرسل على قوم لوط فقال : { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً } [ القمر : 34 ] والحاصب ريح فيها حجارة وحصباء ، كأنها تقلع الحصباء لشدتها ، وقيل : هو سحاب فيها حجارة .

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 7:56 pm

*** ثم هدد وأوعد فقال : { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } :
1 - قيل في النذير ههنا إنه المنذر ، يعني محمداً عليه الصلاة والسلام وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك ، والمعنى فستعملون رسولي وصدقه ، لكن حين لا ينفعكم ذلك .
2 - وقيل : إنه بمعنى الإنذار ، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول .
قال أبو حيان : والنذير والنكير مصدران بمعنى الإنذار والإنكار ، وقال حسان بن ثابت :
فأنذر مثلها نصحاً قريشا . . . من الرحمن إن قبلت نذيرا
قال بن عاشور : وحذفت ياء المتكلم من ( نذيري ) تخفيفا وللرعي على الفاصلة
قلت (أبو يوسف): و المختار أن المعنى فستعلمون كيف تكون عاقبة إنذاري لكم فإن من قرأ القرآن رأى ذلك في مواطن كثيرة أن يذكر الله عذاب قوم ثم يأمر بالنظر في عاقبتهم قال سبحانه "وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [الأعراف/84]" و "ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف/103]" و "فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [يونس/73]" و "فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص/40]" و "قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف/24، 25]" و " ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر/26]"و"وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكير [الحج/44]" و الله أعلم.

*** و في هذه الآية و التي تسبقها التصوير الواقعي للمشهد فكأن السياق أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فحينها ترتج بكم و تنشق و تضطرب و تعاينون الأهوال و تهربون إلى غير مهرب و تتركون كل ما ورائكم فلا تلتفتون إليه و لا تكابرون حينها و لا تجحدون - ومن رأى زلزالا علم المراد - أم أمنتم من في السماء أن يجعلها تمطر عليكم الحجارة و حينها تعلمون عاقبة إنذاري لكم فتندمون أشد الندم و لا ينفع و لا يفيد ففي الآيتين صورة حية للمشهدين بما فيهما من الشقاء و الألم البدني و النفسي.

*** و في الآية توبيخ شديد و إنكار عظيم فما الداعي إلى الأمن و قد أجرمتم و كفرتم ؟ ما الذي يؤمنكم أن تتزلزل بكم الأرض أو أن تمطر السماء عليكم الحجارة أو غير ذلك من البلايا التي يقدر الله أن يوقعها بكم؟ما الذي يؤمنكم و قد رأيتم سنتي في من كذب من قبلكم؟ كيف تأمنون و قد كفرتم ؟ كيف تأمنون و تزيدون في طغيانكم ؟
فهذة دعوة للعقلاء للتأمل ما الذي يؤمنهم إن كفروا و أجرموا من عذاب الله؟
و ذلك ليس في وقت دون وقت أو حال دون حال بل قد يحل هذا البلاء في أي لحظة من ليل أو نهار و نسأل الله العفو والعافية و المغفرة فما أعظم إساءتنا و ما أحلمه علينا.

***و ( كيف نذير ) استفهام للتهديد والتهويل والجملة مستأنفة و مشهد العلو مع القهر الذي في الآيتين هو من أعظم صور الكمال و القدرة لمن تأمله خلافا للمعطلة فالرب العظيم في علياءه يترككم إمهالا و هو قادر على أن يفعل بكم و يفعل بكم.

*** و أصول النعم إما مما على الأرض أو ما تنبته أو ما يستخرج منها أو ما ينزل من السماء من ماء فيستخرج الله به الخيرات و الله قادر أن يجعل الأرض تمور و تنشق و السماء تمطر الحجارة فيبدل أصول النعم نقما و عذابا على الكفار و المجرمين.

***و لما خوف الكفار بهذه التخويفات أكد ذلك التخويف بالمثال والبرهان أما المثال فهو أن الكفار الذين كانوا قبلهم شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم فقال :"و لقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير".

*** فائدة و لو استطاع البشر أن يأمنوا خسف الأرض بأن يصنعوا ألات توقفهم في الهواء كالأجهزة النفاثة فإنهم لا يأمنون أن تمطر عليهم السماء الحجارة أو النار أو ما شاء الله من أنواع و أصناف العذاب فالله محيط بهم بقدرته من كل جهة و من كل وجه.

*** و في إتحاف فضلاء البشر فى القراءات الأربعة عشر :وأثبت الياء في نكير ونذير وصلا ورش وفي الحالين يعقوب.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – لا ملجأ و مهرب من الله إلا إليه.
2 – الخلق ليس لهم أمان من الله إن عصوه و بذلك يتبين لك سفه من عصى الله و أمن عقابه فالبلاء قد يقع به من أي ناحية و في أي لحظة و لم يؤمنه الله من ذلك.
3 – الاستغفار و الخوف من الله .
4 – تأمل المشهد الواقعي الذي تصوره هذه الآية و التي سبقتها.
5 - التأمل في عاقبة المنذَرين.

تفسير سورة الملك | الآية الثامنة عشر
" وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ "الآية :18

*** قال بن عاشور: بعد أن وجه الله إليهم الخطاب تذكيرا واستدلالا وامتنانا وتهديدا وتهويلا ابتداء من قوله: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [الملك: 13] التفت عن خطابهم إلى الإخبار عنهم بحالة الغيبة، تعريضا بالغضب عليهم بما أتوه من التكذيب ، فكانوا جديرين بإبعادهم عز الحضور للخطاب، فلذلك لم يقل ولقد كذب الذين من قبلكم ولم يقطع توجيه التذكير إليهم والوعيد لعلهم يتدبرون في أن الله لم يدخرهم نصحا.
قلت (أبو يوسف): و هذا من أدلة أن سياق الوعيد السبق للكفار و لو فرضنا فينبغي للمؤمن العبرة و العظة بذلك و كان النبي صلى الله عليه و سلم لا يمر بآية فيها عذاب إلا استعاذ و كان يُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء في الصلاة .
و انظر لحجة الله البالغة فقد أنذرهم ووعظهم و بين لهم سابغ نعمته و توعدهم و بين لهم حال من قبلهم بضرب الأمثال من أحوال الأمم الغابرة و أمهلهم و حلم على طغيانهم فوالى عليهم حجة بعد حجة .

*** "من قبلهم":يعني عاداً وثمود وكفار الأمم ممن ذكرهم القرآن و ممن لم يذكر.

*** "فكيف كان نكير" فيه وجهان :
أحدهما :قال بن منظور: والنكير اسم الإنكار الذي معناه التغيير وفي التنزيل العزيز فكيف كان نكيري أي إنكاري وقد نكره فتنكر أي غيره فتغير إلى مجهول والنكير و قال الواحدي : { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي إنكاري وتغييري ، أليس وجدوا العذاب حقاً .
والثاني : قال أبو مسلم : النكير عقاب المنكر ، ثم قال : وإنما سقط الياء من نذيري ، ومن نكيري حتى تكون مشابهة لرؤوس الآي المتقدمة عليها ، والمتأخرة عنها .
قلت (أبو يوسف): و المختار عندي أنه كسابقتها تعني فكيف كان عاقبة إنكاري عليهم و يمكن أن يقال :فكيف كان إنكاري عليهم أي بالعذاب و المعاني كلها تصب في مقصود واحد.
و الاستفهام إنكاري و تقريري و فيه كناية عن وقوع العذاب و أنه وقع بفظاعة و فيما يلى نماذج للعذاب تري فيها كيف يقع بأس الله و عذابه.

*** قال في التحرير عن الآية:
1 - الجملة عطف على جملة {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} [الملك: 17] لمناسبة أن مما عوقب به بعض الأمم المكذبين من خسف أو إرسال حجارة من السماء وهم قوم لوط، ومنهم من خسف بهم مثل أصحاب الرس.
2 - ولك أن تجعل الواو للحال، أي كيف تأمنون ذلك عندما تكذبون الرسول في حال أنه قد كذب الذين من قبلكم فهل علمتم ما أصابهم على تكذيبهم الرسل.

*** و ارتباط الآية بما قبلها ظاهر فإن الله سبحانه أنكر على المجرمين أمنهم و الله محيط بهم بقدرته يستطيع أن يأتي بالعقوبة من تحت أقدامهم أو من فوقهم و لو جال بخاطرهم أن الأمم حولهم تعيش و لا تعذب فهو يخبرهم أنه له سنة في تعذيب المجرمين و من بحث وجد الكثير فالله قادر علينا محيط بنا و كم أهلك من الأمم من قبلنا بتكذيبهم فما الذي يدعو للأمان حال الكفر و العصيان؟
و في الآية إشارة أنهم لو كانت عقولهم عاجزة عن التأمل و التفكير ففي العبر الظاهرة ما يغني فإن المشركين من العرب عرفوا آثار عاد وثمود وتناقلوا أخبار قوم نوح وقوم لوط وأصحاب الرس .
قال سبحانه :" و كم أهلكنا من القرون من بعد نوح و كفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا" و في الآية تأكيد على تكذيب الأمم المهلكة باستخدام "لقد" و قال سبحانه:
"فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)" [هود/116، 117] و قال :" وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)" [القصص/59] و قال جل في علاه:" مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) " [الأنبياء/6، 7] و قال عز و جل "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم و آمنتم و كان الله شاكرا عليما".
و لا تظنن أن الله سبحانه عاجلهم بالعقوبة بل أمهلهم و والى عليهم الحجج و ربما تركهم يقتلون أنبيائه و رسله قبل ن ينزل بهم بأسه فلما أثروا الكفر و الجحود أهلكهم الله قال سبحانه : " حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)" [يوسف/110] و قال سبحانه : " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)" [الأعراف/93-95]

*** بعض المعلومات عن بعض العقوبات الإلهية والكوارث و المصائب التي أصابت البشر منقولة من الموسوعة المجانية على الشبكة العنكبوتيه و من غيرها من المواقع:
(ملحوظة قد تكون بعض المعلومات تحتاج لمراجعة أو تدقيق و لكن العرض العام من سوق هذه المعلومات هنا يتأتى و على كل الأحوال فليس المجال هنا مجال علوم الجيولوجيا و الإحصاء إنما الغرض العبرة و العظة و لم أنقل إلا ما يغلب على الظن صدقه بالقرائن و هناك ملاحظة هامة هناك كثير ممن نقلت عنهم ملاحدة أو أشباه ملاحده لتعذر المصادر النقية فلو وجدت أي مخالفة شرعية في لغة السرد للأحداث فأعلم أني منها برئ)
1 – الزلازل:
** و تؤدي الزلازل إلى تشقق الأرض ونضوب الينابيع أو ظهور الينابيع الجديدة أو حدوث أمواج عالية إذا ما حصلت تحت سطح البحر فضلا عن آثارها التخريبية للمباني والمواصلات والمنشآت كما ان الزلازل قد تحدث خرابا كبيراو تحدد درجة الزلزال بماشر وتقيسه من 1 إلى 10فمن 1 إلى4 درجة زلازل قد لا تحدث اية اضرار اي يمكن الاحساس به فقط، من4 إلى 6 زلازل متوسطة الاضرار قد تحدث ضررا للمنازل و الاقامات، اما الدرجة القصوى اي من 7الى10 فيستطيع الزلزال تدمير المدينة باكملها وحفرها تحت الأرض حتى تختفي مع اضرار لدى المدن المجاورة لها.
و من أكثر الزلازل تدميرا:
زلزال لشبونة 1755 قتل فيه ما بين ال60 إلى 100 ألف نسمة و كان من أشد الزلازل تدميرا.
زلزال سان فرانسيسكو 1906 قتل فيه ما يقارب ال3 الألاف شخص و بلغت خسائره حوالي 400 مليون دولار و كان من أشد الزلازل التي ضربت كاليفورنيا .
زلزال غوجرات غرب الهند 26 يناير 2001 .
زلزال بم في إيران حيث قتل حوالي 40 الف شخص فيه .
زلزال كشمير 2005 قتل فيه حوالي 79 ألف شخص .
*** الزلازل الأكثر فتكا
ترتيب الزلزال البلد السنة القتلى
1 شانشي
الصين
1556
830,000
2 المحيط الهندي
أندونيسيا
2004
283,100
3 تانغشان
الصين
1976
242,000
4 حلب
سوريا
1138
230,000
5 غانسو
الصين
1920
~ 200,000
*** زلزال شانشي، ويسمى أيضا زلزال محافظة هاو، هو أكبر زلزال سجل من حيث عدد الضحايا والذي بلغ 830000 نسمة. حدث هذا الزلزال في صباح الثالث والعشرين من شهر يناير لعام 1556 في مقاطعة شانشي الصيني بلغ تأثير الزلزال أكثر من سبعة وتسعين مقاطعة في مقاطعات شانشي، شنشي وخينان وقانسو وخيبي وشاندونغ وهوبي وهونان وجيانغسو وآنهوي كما أدى الزلزال إلى تدمير بقعة محيطها 840 كم في بعض المقاطعات وإلى مقتل ستين بالمائة من السكان. وقد كان أغلب السكان في ذلك الوقت يسكنون في كهوف اصطناعية وفي شقوق في الجبال والتي انهارت عليهم نتيجة الكارثة.
تضع الإحصاءات الحديثة بناء على معلومات جيولوجية زلزال شانشي على الدرجة الثامنة، تقريبا، في مقياس العزم. ومع أنه كان أكبر الزلازل المميتة وخامس أكبر الكوارث الطبيعية في التاريخ، كان هنالك زلازل أخرى ذات شدة أعلى. استمرت الهزات الرادفة بالمعاودة عدة مرات في الشهر ولمدة نصف سنة. تمركزت بؤرة الزلزال في محافظة هاو في إقليم شانشي (خط عرض 34.5 وخط طول 109.7).
ورد في سجلات الصين التاريخية وصف لهذا الزلزال كالتالي:
«في شتاء عام 1556 م ضربت كارثة زلزالية إقليمي شنشي وشانشي. وقع في محافظتنا هاو عدد من الحوادث المؤسفة. فقد تغيرت أماكن الجبال والأنهار ودمرت الطرق. في بعض الأماكن برزت الأرض فجأة مشكلة تلالاً جديدة أو خسفت لتشكل أودية جديدة. وفي أماكن أخرى تفجرت جداول في لحظات أو انشقت الأرض وظهرت أخاديد جديدة. أكواخ وبيوت للمسؤولين في الدولة ومعابد وجدران المدينة انهارت فجأة.»
قلت (أبو يوسف): ما ذكره يساوى بالمصطلح الشرعي دمر الله عليمه فخسف بهم و دمرت بيوت الملأ و الكبراء و هدمت معابد الكفر.
دمر الزلزال العديد من معارض الأحافير الحجرية. فقد تكسرت 40 لوحة من لوحات كايتشنغ التقليدية البالغ عددها 114.
** الخسائر:
من الصعب تحديد حجم الخسائر بالمقاييس الحديثة. ولكن عادة ما يقدر عدد الضحايا بحوالي 830.000 شخص، أما الخسائر المادية للممتلكات فهي كبيرة لدرجة يصعب إحصاؤها وقد شمل الدمار مناطق بأكملها في داخل الصين وأبيد ما نسبته 60% من إجمالي سكان تلك المناطق. ويمكن مقارنة حجم الدمار الناتج من هذا الزلزال بما يخلفه تفجير قنبلة نووية –قلت : تنبه أنه قال نووية و ليس ذرية و النووية أقوى بكثير- إذا ما أهملنا الآثار الجانبية للقنبلة.
**لم تكن كارثة زلزال شانشي هي الأسوء من بين الكوارث التي حلت بالصين. فعلى سبيل المثال، قتل عشرات الملايين من الصينيين خلال سنوات الكوارث الطبيعية الثلاث التي حدثت ما بين عامي 1959 و 1961 م.

** قوة الزلزال:
تسع درجات بمقياس ريختر تعادل 32.000 مليار طن من مادة TNT شديدة الانفجار أو 1033 *1020 جول، وهذه الطاقة تتجاوز ماتستهلكه الولايات المتحدة الأمريكية من طاقة في سنة واحدة ب 30% أو تتجاوز طاقة إعصار لمدة 70 يوم، هذه الطاقة مساوية لغلي 10.000 لتر من الماء لكل شخص في الارض.
*** و نقلا عن موقع الجمعية الكونية السورية:
الزلازل : هي حركات ارتعاشية تصيب سطح الأرض والتي تكون ناتجة عن جوف الأرض
في كل ثانيتين تحدث الزلازل على سطح الأرض
ذكر في كتاب بلينوس العالم الإغريقي في العام 50 ميلادية والذي يشير إلى حدوث الهزات الأربعة الصغيرة التي تحدث قبل الزلزال وسلوك الحيوانات والتغير في مياه الآبار .
تصاحب الزلازل ثلاثة موجات وهي
1- موجات أولية وتتجه من مركز الأرض إلى السطح لترتد عنه وسرعتها 6, 8 كم / ثا
2- موجات ثانوية وهي تتبع الموجات الأولية ولكنها أعنف وأسرع وتكون بين قشرة الأرض الخارجية ومركز الأرض
3- الموجات الرئيسية أو السطحية ولا تكون إلا على السطح وهي أقلها سرعة وأشدها عنفاً
تصنف الزلازل إلى :
1- الضحلة وتحدث عل عمق أقل من 100 كم
2- متوسطة // // // بين 100 و 300 كم
3- عميقة // // // بين 300 و 720 كم
أنواع الزلازل:
1- التكتونية وهي تشكل 90 % من الهزات ومساحتها واسعة
2- البركانية وتحدث بالقرب من البراكين ومساحتها ليست بالكبيرة
3- الحتية وتحدث بسبب الفراغات والجيوب الموجودة في القشرة الأرضية وفي المغاور وهي قليلة
4- الاصطناعية وتحدث بسبب الانفجارات العسكرية وغيرها
إن سماكة القشرة الأرضية هي بسماكة قشرة التفاحة
ويصنف الاختصاصيون الهزات بحسب قوتها إلى عقد من 1 - 12 وهي أقواها وهي مدمرة بشكل قوي وتتغير التضاريس ومجاري الأنهار وتتشكل البحيرات بسببها
وفي عام 76 سويت مدينة تات شان الصينية بالأرض دمر الزلزال المباني على بعد 160كم وقضى على 650 ألف شخص
1948 زلزال ( آباد ) حصل تحت المدينة مباشرة وكان ليلاً "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا و هم نائمون".
في الصين عام 1556 أضخم خسائر في الأرواح البشرية لهزة أرضية قتل فيها حوالي 800 ألف شخص في هذا الدمار كان معظمهم من الفلاحين الذين يقطنون الكهوف الاصطناعية
زلزال لشبونة دام لمدة 9 دقائق 50 ألف ضحية .
جنوب اليونان 1845 دام من 15 إلى 20 دقيقة
ميسيتا جنوب إيطاليا 1908 مات فيه مئات الألوف .
هملايا 1959 قوته تساوي 10.000 قنبلة هيروشيما .
قلت ( أبو يوسف ): و لما ظهرت الثورة الصناعية المعاصرة اقتتلت شعوب الأرض على السيادة في حربين عالميتين مات فيهما قرابة 60 مليون نفس و انتهت الحرب بإلقاء أمريكا قنبلة ذرية هيروشيما و نجازاكي فاستتب لها الأمر و دخل العالم عهد الهيمنة الأمريكية إلى يومنا هذا و المراد من ذكر ذلك الإشارة أن زلزالا واحدا فاق هذه القنبلة التي أخضعت العالم ب 10000 مرة فهذا و الله سبحانه أعلم إشارة منه عز و جل إلة سعة قهره و بطشه و جبروته و أنه لا تقارن قوة بقوته و أنه لو شاء لأخضعهم إنما أمهلهم اختبارا و حلما إلى أجل.
مدينة الأصنام الجزائرية 1980 شدتها 7.3 3500 وفاة
أرمينيا 1988 25.000 وفاة وقد نجمت الهزة عن عملية انزلاق لمسافة 3 - 6 أمتار على فالق عكسي على عمق عدة كيلو مترات تحت سطح الأرض وقد وصل فقط جزء من الانزلاق قدرة متران إلى السطح عند الجزء الأوسط من الفالق
1908 - ميسيتا إيطاليا 75 ألف شخص
1915 - أفيزانو إيطاليا 29790 شخص
اليابان 1923 قتل 50 ألف شخص وفي طوكيو 10 آلاف شخص 140.000 أصابه بالغة وفي يوكوهاما 60.000 أصابه بالغة 2 مليون شخص فقد منازلهم وشدته تساوي 8.9 رختر . وفي اليابان 1000 هزة أرضية يومياً 15 % من الطاقة الزلزالية العالمية في اليابان
1932 - كينسو الصين 70 ألف شخص
1935 - كوتيا الهند 60 ألف شخص
1939 - تشيلي 30 ألف شخص
1939 - تركيا 23 ألف شخص
1960 - أغادير المغرب 12 ألف شخص
1960 - لاروغاريش إيران 3500 شخص
1962 - شمال غرب إيران 20 ألف شخص
1963 - سكوبيا يوغوسلافيا 1100 شخص
وبين عامي 1970 و 1981 - 67 هزة أرضية في الصين وقتلت حوالي نصف مليون شخص
وأحدثها في الجزائر 2268 قتيل
وفي إيران 40000 قتيل

زلازل بلاد الشام
منذ عام 155 ق.م إلى 562 م خلال هذه الفترة هجر الناس أنطاكية من كثرة الخراب والدمار الناتج وكان آخرها عام 562 وأقواها فهجرها الناس كلياً
747 - فلسطين وسوريا هدمت 500 قرية وخرج أهل الشام للعراء
1139 - حلب وامتدت الهزة حتى إيران وقتلت 100 ألف شخص
1838 - بلاد الشام تتعرض لهزة عنيفة طولها 800 كم وعرضها 144 كم وقتلت 6000 شخص
1922 - حلب ونتجت عن الهزة ظهور جزيرة جديدة ( أعتقد أن المقصود هنا هو على طرف حيد صخري وليس في عرض البحر )
1927 - فلسطين نابلس دامت 90 ثانية وهدمت حوالي 600 منزل وقتلت 50 شخص
التنبوء بالهزات الأرضية صعباً لكن هناك الحلول كبناء المنازل المجهزة وبتكلفة لا تزيد 1 % من التكلفة العادية.
*** و نقلا عن جريدة الرياض: وفي الثامن من شهر أكتوبر 2005م ضرب زلزال عنيف شبه الجزيرة الهندية وبقدر زلزالي بلغ 7,6 على مقياس ريختر، وكان مركز الزلزال في الجزء الباكستاني من كشمير، حيث وقعت أغلب الوفيات والخسائر المادية
يعد هذا الزلزال من أكثر الزلازل تأثيراً ومأساوية من حيث الخسائر البشرية، حيث تدل آخر الاحصاءات على أن عدد القتلى وصل إلى أكثر من 79 ألف قتيل، بالإضافة إلى تشريد أكثر من 3 ملايين شخص في منطقة تصل مساحتها أكثر من 20 ألف كيلومتر مربع
*** و نقلا عن موقع شهود يهوه (و هم فرقة من فرق أهل الكتاب):
كما يمكن ان تكون للزلازل نتائج لاحقة خطيرة. مثلا، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1755م ضرب زلزال مدينة لشبونة البرتغالية وسوّاها بالارض على رؤوس سكانها البالغ عددهم 275,000 نسمة. لكنّ المأساة لم تنتهِ عند هذا الحد. فقد سبَّب الزلزال حرائق بالاضافة الى موجات تسونامي قُدِّر ارتفاعها بـ 15 مترا انقضَّت على المدينة من المحيط الاطلسي. وفاق عدد القتلى الاجمالي نتيجة هذه الكارثة الـ 60,000.
2 - التسونامي هي موجة ضخمة محيطية تحتوي على سلسلة من الأمواج وقدراً هائلاً من المياه تسببها الزلازل والبراكين وغيرها و من أشهر موجات التسونامي ما نتج عن زلزال المحيط الهندي في 26 ديسمبر 2004، حيث ضربت سواحل العديد من الدول منها اندونيسيا، سريلانكا ، تايلاند ، الهند ، الصومال و غيرها حيث وصفت هذا الزلزال بأنه أحد أسوأ الكوارث الطبيعية التي ضربت الأرض على الأطلاق قتل فيه ما يقارب ال250000نسمة :منهم تقريبا أكثر من 5000 من السياح الاجانب الذين ارادوا تمضية أعياد النصارى الخاصة بميلاد المسيح و التي يقضونها بين العري و الزنا و الخمر.
وتعد موجة المد هذه من أكبر الكوارث الطبيعية في التاريخ الحديث. الزلزال الذي وقع في المحيط الهندي يعد الأعنف من نوعه منذ زلزال الجمعة الكبير الذي قدر بمقياس 9.2 درجات في ولاية الاسكا الأمريكية.
تسونامي قام برفع مستوى البحر لدى الشاطئ إلى ارتفاع 15 متراً و أذكر أني من سمعت يقول 40 مترا نتيجة كمية المياه الهائلة القادمة من عرض المحيط باتجاه الشاطئ، وكانت اندونيسيا، سريلانكا، الهند، وتايلاند من أكثر المتضررين من موجة المد لقرب هذه الدول من مكان الصدع الأرضي .
و ملخص الحدث : أن موج البحر انحسر حوالي 2 كم حتى أن السمك بدا في المحيط ظاهرا للعيان يلتقطونه بأيديهم و فعلا دخل كثير منهم ليأخذ منه و فجأة ارتفع الموج لعشرات الأمتار و انشقت الأرض و خرج منها حمم بركانية فأغرقوا و أحرقوا و دمروا و شردوا و لقد رأيت الجثث المتفحمة بأم عيني و حمل البحر سفينة ضخمة يبلغ وزنها الأطنان فدمر بها البيوت و هدمها و لقد هدمت مناطق كبيرة إلا المساجد في وسطها لم ينالها الدمار و أبرز هذه الأحداث مسجد مدينة اتشيه و زعم الكفار و الملحدون أن البيوت هناك خشيبة فلذلك دمرت أما المسجد فمن الخرسانة و الأسمنت لذلك صمد فجاءت الصور و شهود العيان لتكذبهم و تبين أن البيوت التي دمرت صنعت من الخرسانة و الأسمنت حتى أن أحد البيوت الأسمنتية كسر الطوفان الدور الأرضي منها و حمله و ترك الدور الثاني.
و صورت صورة من أعلى لمياة الفيضان كتبت لفظ الجلالة الله حتى قال بعضهم إن هذا الحدث يحمل التوقيع الإلهي .
أما فعلهم فكان انتشار الزنا و الفواحش كان الأب منهم يذهب للمسجد و صديق ابنته يزني بها في بيته بلا حرج و لا غضاضة فضلا عن الإنكار و من شدة ما انتشر عندهم الزنا كان أهل الكفر من الأوروبين يذهبون هناك ليزنوا بالمسلمات لأن الزنا هناك أرخص من بلادهم و لقد رأيت مياه الطوفان الذي دمرهم تجرجر صنما و الدعوة للردة عن الإسلام و الالتحاق بدين أهل الكتاب هناك كانت على أشدها و تمول و تدعم من الغرب و رئيس بلادهم صنفته أحد المنظمات أكثر رؤساء العالم فسادا و لقد بلغ أذى أهل الكتاب للمسلمين هناك شيئا تشيب له الولدان حتى أنهم كانوا يحرقون المسجد بمن فيه من المسلمين و يمثلون بجثثهم أبشع التمثيل فضلا عن المقابر الجماعية و إقليم اتشية صاحب المسجد الشهير الذي دمر كل ما حوله و بقي شامخا كان يحارب اندونيسيا للانفصال عنها بإيعاز و تمويل من أعداء الإسلام.
و قد احتمى المسلمون بالمساجد فأواهم الله و نجاهم و قال بعضهم : قد علمنا أن الله لن يدمر بيته فأوينا إليه أو نحوا من ذلك.
و على بعد 2000 ميل بحرى من مركز الزلزال كانت هناك أكبر قاعدة بحرية أمريكية في العالم كان الأمريكان شردوا أهلها و بنوا فيها قاعدتهم و قد أدعوا أنها لم تصب بسوء و كيف هذا و قد وصل ذلك الطوفان إلى سواحل الصومال و بعد هذه الحادثة بأربع سنوات حدثت أكبر انهيار اقتصادي في تاريخهم منذ ما يسمونه الكساد العظيم عام 1929م و لا أظنه إلا من توابع ذلك و غيره.

لفظ الجلالة مكتوبا على مياه تسونامي.
و هذه الصورة التقطت في سيرلانكا عن طريق أحد الأقمار الصناعية و تم نشر الخبر في موقع globalsecurity.com على ما أذكر و هو موقع معروف و و يوثق في نقله و هو متعلق بالدراسات الإستراتيجية و نحوها و لا يتهم أبدا بمحاباة المسلمين بل على النقيض تماما

صورة المسجد الذي دمر كل ما حوله و بقي شامخا.

صور بالأقمار الصناعية قبل تسونامي


صور بالأقمار الصناعية لنفس المواقع بعد تسونامي و للأسف كان هناك صور كثيرة للموقع قاحلا لم أتمكن من نقلها لمشاكل تقنية

و من جريدة الرياض: وفي نهاية شهر أغسطس 2005م وفي الساعة العاشرة وست دقائق صباحاً وقع إعصار كاترينا الذي بلغت قوته 4 درجات على سلم مقياس قوة الأعاصير البالغة درجته القصوى خمس درجات. وضرب الإعصار السواحل الجنوبية للولايات المتحدة، وتضررت منه ولايات نيو أورليانز والمسيسيبي والاباما، وغطت المياه مدينة نيو أورليانز بشكل كامل، ووصل ارتفاعها إلى حوالي سبعة أمتار. ونتيجة لذلك تشرد أكثر من مليون شخص، وتضرر أكثر من 40 ألف منزل، وبلغ عدد القتلى حوالي 1300 شخص، وقدرت الخسائر المادية بأكثر من 200 مليار دولار، مما جعل ذلك الإعصار من أكثر الكوارث الطبيعية تكلفة ضرراً وتدميراً في تاريخ الولايات المتحدة.
3 - الاعاصير:هي عواصف هوائية دوارة حلزونية عنيفة، تنشأ عادة فوق البحار الاستوائية، ولذا تعرف باسم الأعاصير الاستوائية أو المدارية أو الأعاصير الحلزونية لأن الهواء البارد (ذا الضغط المرتفع) يدور فيها حول مركز ساكن من الهواء الدافئ (ذي الضغط المنخفض)، ثم تندفع هذه العاصفة في اتجاه اليابسة فتفقد من سرعاتها بالاحتكاك مع سطح الأرض، ولكنها تظل تتحرك بسرعات قد تصل إلى أكثر من 300 كيلو متر في الساعة. ويصل قطر الدوامة الواحدة إلى 500 كيلو متر، وقد تستمر لعدة أيام إلى أسبوعين متتاليين. ويصاحبها تكوُّن كل من السحب الطباقية والركامية إلى ارتفاع 15 كيلو متراً ويتحرك الإعصار في خطوط مستقيمة أو منحنية فيسبب دماراً هائلاً على اليابسة بسبب سرعته الكبيرة الخاطفة، ومصاحبته بالأمطار الغزيرة والفيضانات والسيول، بالإضافة إلى ظاهرتي البرق والرعد، كما قد يتسبب الإعصار في ارتفاع أمواج الابحار ويدمر القرى و المدن.
بعض الإحصائيات الخاصة بالأعاصير الحلزونية:
- أقوى إعصار حلزوني: إعصار "نانسي" في شمال غرب المحيط الهادي في الثاني عشر من سبتمبر عام 1961، والذي بلغت سرعة رياحه 342 كيلومترًا/الساعة.
- أسرع الأعاصير الحلزونية تكوناً: إعصار "فورست" في شمال غرب المحيط الهادي في شهر سبتمبر 1983، زادت سرعة رياحه 56 كم/الساعة في خلال 6 ساعات، و138 كم/الساعة في خلال يوم واحد.
- أعلى موجة ناتجة عن إعصار حلزوني: موجة كان ارتفاعها 13 مترا في إعصار "باثرست باي" بأستراليا عام 1899.
- أضخم إعصار حلزوني: إعصار "تب" في شمال غرب المحيط الهادي في أكتوبر 1979، والذي بلغ نصف قطره 1100كم.
- أصغر إعصار حلزوني: إعصار "تريسي" بأستراليا في ديسمبر 1974، والذي بلغ نصف قطره 50 كيلومترًا فقط.
- أطول إعصار عمرا: إعصار "جون" في شهريْ أغسطس وسبتمبر من عام 1994، والذي استمر لمدة 31 يوم.
- أكثر الأعاصير تسببا في وفيات: إعصار بنجلادش عام 1970، والذي تسبب حسب أقل التقديرات في 300.000 وفاة.
- أكثر الأعاصير دمارا: إعصار "آندرو" عام 1992، والذي أصاب جزر "ألباهاما"، وولايتي "فلوريدا" و"لويزيانا" الأمريكيتين، والذي قُدِّرت خسائره بـ26.5 بليون دولار أمريكي.
و نقلا عن الجمعية السورية:
إن قوة الإعصار الاستوائي نفوق طاقته 300 كيلو طن في اليوم وطاقة قنبلة هيروشيما 20 كيلو طن
*** و نقلا عن موقع أخر:
الإعصار
هو تيارات هوائية تتوالد في الأقسام الغربية من المحيطات في مكان الركود الهوائي ويتجه نحو اليابسة ثم يتحول إلى منخفض ، وتحدث غالباً في فصل الصيف والخريف
من الأعاصير المشهورة
الهاريكن - في سواحل فلوريدا
التايفون - الصين
ويلي ويلي - استراليا
السايكلون - البنغال
التورنادو وسرعة انتقاله 60 كم / ساعة وسرعة دوران الرياح داخل الإعصار تصل إلى 500 كم / ساعة
وفي عام 1988 ضرب إعصار كالباك جامايكا والولايات المتحدة والمكسيك وكانت سرعة الرياح 320 كم على مسافة تصل إلى 3200 كم وأحدثت طاقة تكفي لإنارة الولايات المتحدة عاماً كاملاً و بفضل الله كانت حصيلة الوفيات 350 شخص فقط
كوارث إعصارية
1864 الهند كلكتا 50,000
1876 الهند باكاجار 20,000
1888 الهند الصينية 30,000
1883 الهند بومبي 10,000
1943 البنغال 40,000
1960 بنغلادش 14,000
1963 بنغلادش 22,000
1963 البحر الكاريبي 7,200
1965 بنغلاديش 13,000
1965 بنغلاديش 25,000
1970 بنغلاديش 500,000
1977 الهند 20,000
**قال د/ مازن الحلبي(كلية الهندسة المدنية جامعة دمشق):

اعصار ميتش الذي يعتبر أسوأ كارثة طبيعية في التاريخ الحديث في اميركا الوسطى. فقد أجبر ملايين الناس على هجر بيوتهم واحدث دمارا عظيما وسيولا موحلة وطوفانات واسقط قتلى من غواتيمالا الى كوستا ريكا. وقالت هندوراس التي نزلت بها اعظم الخسائر ان الكارثة غير مشهودة من قبل.
لقد توقعت الارصاد الجوية هذا الاعصار، وتنبأ العلماء ان يمر بموازاة ساحل هندوراس وان يتجه شمالا. لكنه ضرب هندوراس وتوقف فيها فاحدث امطارا مدرارة غير منتظرة دامت اياما فوق هندوراس وشمال نيكاراغوا، وحين صفت السماء ظهر ما يشبه التدمير الشامل. وبالاضافة الى عدم دقة التنبؤ هناك قضايا اخرى: ذلك ان كثيرا من الناس يبنون منازلهم في مناطق غير ملائمة للسكن وبطريقة تجعل البيوت مجرد اوراق متطايرة في مهب الاعصار. بل ان شبه انعدام وسائل الاتصالات يجعل الناس يؤخذون على حين غرة.
ان واحدة من الصعوبات الجوهرية بشأن فهم علم المخاطر الطبيعية وعواقبها هي ان هذا العلم غالبا ما يتناقض مع الحدس فالناس يصعب عليهم ان يتصوروا الأرض وهي تموج مثل موجات البحر، ناهيك عن اقناعهم بالتحسب لمثل هذا الخطر. لكنه يحاول بارقام معروفة ان يطلع الناس على طبيعة الكوكب الذي يحضنهم. فالضغط في قلب الكرة الارضية يبلغ ثلاثة ملايين ضغط جوي، والحرارة تقارب نحو ستة الاف كالفن. وهكذا ينبغي على العلم ان يتوقع الأسوأ من كوكب صفته الدائمة هي النشاط. فهل يمكنك استبعاد حدوث موجات تسونامي حتى في أكثر المناطق هدوءا؟
أحيانا، يكون النشاط البشري سببا في تفاقم الكارثة الطبيعية. ذلك ان الاعصار «ميتش» عقد جهود الانقاذ وحياة السكان المحليين عندما جرفت السيول حقول الألغام فتناثرت تحت الاتربة المجروفة وصارت شراكا لم يضعها احد. وما يفاقم الكارثة أيضا هو رداءة اجراءات الاغاثة. ذلك ان الانهيارات الزلزالية والسيول وانفجارات البراكين تطرح تحديات على المنقذين لجهة عدم كفاية التكنولوجيا والمعدات.
الخسائر الاجمالية الناتجة من المخاطر الطبيعية مثل التطرف المناخي والجفاف والحرائق في الولايات المتحده قد بلغت نحو 54 مليار دولار من 1993 حتى 1998.
وتعتبر الكلفة العامة للمخاطر الطبيعية تقديرية لانها تتوقف على ما اذا كانت النتائج المالية مشمولة، ومنها التأمين والتعويضات لكن الكلفة المباشرة لاصلاح الاضرار تبلغ نحو 20 مليار دولار في السنة منها نحو 15 مليار دولار عائدة إلى الزلازل والاعاصير والزوابع الاستوائية والسيول.
فالكوارث الخمس الكبرى التي ضربت الولايات المتحدة بين عامي 1989 و1994 كلفت نحو 75 مليار دولار نصفها يختص بالبنى المعمارية.
4 - الحرائق:ويمكن وصفها بأنها من أخطر المشاكل التي تواجهها البيئة بلا منازع، ويكون السبب الرئيسى فيها هو المناخ الجاف، وقد تستمر هذه الحرائق لأشهر ليست لأيام فقط وينجم عنها العديد من المخاطر وخاصة لإنبعاث غاز أول أكسيد الكربون السام. وهناك عاملان أساسيان في نشوب مثل هذه الحرائق عوامل طبيعية لادخل للإنسان فيها، وعوامل بشرية يكون الإنسان هوأساسها: ومن أشهر الأمثلة على العوامل البشرية تلك الحرائق التي نشبت في إندونيسيا في جزيرتى "بورنيو " و سومارتا" ما بين عامى 1997 - 1998. وانبعث من هذه الحرائق غازات سامة غطت مساحة كبيرة من منطقة جنوب شرق آسيا مما نتج عنه ظهور مشاكل صحية وبيئية، وقد نشبت الحرائق في حوالي 808 موقعاً تم تحديدها بصور الأقمار الصناعية وقدرت المساحة التي دمرتها الحرائق بحوالي 456.000 هكتاراً (45.600 كم مربعاً). ويرجع السبب الأساسى وراء هذه الحرائق تحويل إنتاج هذه الغابات من خلال إحلال زراعة النخيل لإنتاج الزيوت. ناهيك عن الخسارة الفادحة للأخشاب والثروة النباتية والحيوانية والبشرية لأن الغازات السامة لهذه الحرائق تمتد إلى البلدان المجاورة ولا تقف عند حدود دولة بعينها. ومن الأمثلة الأخرى لحرائق الغابات تلك الحرائق التي نشبت في البرازيل عام 1998 والتي قضت على ما يفوق على المليون هكتاراً من غابات السفانا وقد عانت المكسيك أيضاً من الجفاف على مدار سبعين عاماً كما أدى إلى نشوب الحرائق لتقضى على حوالي 3.000 متراً مربعاً من الأرض وانتشار دخانها إلى جنوب الولايات المتحدة الأمريكية.
5 - الوباء هو انتشار سريع لمرض معدي ويعتبر من أكثر الكوارث الطبيعية فتكا ، ومنها الطاعون الأسود - الذي تفشى في القرن الرابع عشر وأدى إلى مقتل ما يزيد على 20 مليون من البشر أي ما يعادل ثلث سكان أوروبا - و وباء الجدري ، و الإيدز .
6 – البراكين:
أشهر الكوارث البركانية
1. حصلت أكبر ثورة بركانية في التاريخ في تامبورا Tambora في جزيرة سامباوا بإندونيسيا يوم 5-7 أبريل 1815 حيث قدرت حجم النواتج البركانية المقذوفة بحوالي 80 كم² والطاقة الناتجة عنه بحوالي 8.4*10(26) إرغ. وتكونت له فوهة قطرها 11 كم وقتل بسبب ثورته 90.000 نسمة.
2. أطول مسافة قطعتها الحمم البركانية كانت 70كم ناتجة عن بركان لاكي Laki جنوب شرق آيسلندا عام 1873.
3. حدث اعظم انفجار بركاني في 27 أغسطس 1883 في جزيرة كراكاتو الواقعة بين سومطرة وجاوه وقضى على 163 قرية وقتل حوالي 40.000 نسمة وتدفقت الحمم لعلو 55 كم واندفع الغبار البركاني ليقطع مسافة 5330 كم خلال عشرة أيام.
4. اوسع فوهة بركانية هي فوهة بركان توبا Toba في جزيرة سومطرة مساحتها 1775 كم².
فيما يلي جدول يبين الانفجارات البركانية التي تسببت في أكبر عدد من الوفيات في التاريخ:
القتلى
البركان
الموقع
تاريخ

92.000
تامبورا
إندونيسيا
1815

36.000
كراكاتوا
إندونيسيا
1883

29.000
جبل بيلي
مارتينيك
1902

25.000
نيفادو ديل رويث
كولومبيا
1985

15.000
جبل أونزين
اليابان
1792

10.000
Kelut
إندونيسيا
1989

9.350
Volcán Laki
آيسلندا
1983

6.000
Santa María
غواتيمالا
1982

5 115
Kelut
إندونيسيا
1982

4.000
Galunggung
إندونيسيا
1992

3 600
فيزوف
الإمبراطورية الرومانية
79

3.500
Chichonal
المكسيك
1982

1.800
Lago Nyos
الكاميرون
1986

1.680
Volcán Soufrière
سانت فنسينت
1902

1.500
Pico de Orizaba
المكسيك
1687

1.000
Cotopaxi
الإكوادور
1887

700
Monte Pinatubo
الفيليبين
1991

245
Nyiragongo
كونغو
2002

152
Monte Ruapehu, Tangiwai
نيوزيلندا
1953

120
Monte Tarawera
نيوزيلندا
1886

80
Nyiragongo
الكونغو
1977

57
Monte Saint Helens
واشنطن (ولاية)
1980

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 8:01 pm

*** و نقلا عن موقع الجمعية الكونية السورية: البركان
هو شق في القشرة الأرضية تخرج عن طريقة المواد المنصهرة الموجودة في باطن الأرض ويتكون من مخروط بركاني ومدخنة
قد يتسبب بركان قوي من إزاحة الملايين من الأطنان من الصخور، وتسوية جبال بالأرض ، ونفث الآلاف من الأطنان من الرماد
في العالم 476 بركان نشيط
400 بركان خامد
بين أعوام 1980 1990 36,000 قتيل من البراكين
تعتبر الحمم البركانية من بين القوى التي لا يمكن إيقافها .
مدينتي بومبي وميركوانيوم الرومانيتين وصلت سماكة الرماد إلى 6 أمتار وقتل 18 ألف شخص
وبركان بومبي أشهر بركان عبر التاريخ الذي حدث عام ( 79 م ) الأشخاص نراهم كأنهم أصنام بشرية بالوضعية التي ماتوا فيها تحت الرماد .
أنواع البراكين
بركان ينفث الغازات
بركان يطلق اللافا السائلة .
بركان يطلق حمم صخرية .
تعتبر إندونيسيا من أكثر الأماكن المعرضة للبراكين في العالم ففي عام 1883 انفجرت مدينة كارا كاتاوا بقوة تعادل مليون قنبلة هيروشيما صوت الانفجار سمع على مسافة 4800 كم أطلقت سلسلة من الأمواج التي اكتسحت الشواطئ في أضخم موجات زلزالية وقتلت 200 ألف شخص
وفي الجانب الآخر من إندونيسيا وفي عام 1815 أي قبل 70 عام من البركان الأول نفجر بركان جبل تانبورا وأطلق مساحة أكثر من 112 كم مربع من الرماد وأنتج جزر من الرماد الطافي بسماكة 10 أمتار تقريباً وبعرض عدة كيلو مترات قتل البركان جميع سكان الجزيرة تقريباً البالغ عددهم 13 ألف شخص وأصبح العام الذي يليه يسمى السماء التي لا صيف فيها ، انخفضت درجات الحرارة في جميع أنحاء العالم وذبلت المحاصيل وماتت أعداد كبيرة بسبب المجاعة والأمراض الفتاكة. إن خطورة البراكين تنشأ من نفث الغبار والغازات الكبريتية إلى طبقات الستراستوسفير
لمسافة تصل إلى 16 كم تقريباً ويبقى الرماد والغاز هناك طويلاً بعيداً عن نظامنا الجوي لسنتين أو لثلاث سنوات . تسبب ثوران هذا البركان في درجة عالية من التلوث ومنع ضوء وأشعة الشمس لعدة شهور . لقد كانت كارثة بمقاييس عالمية
في عام 1783 انفجار بركان لاكاغيجار في أيسلندة وأفرج البركان عن 50 مليون طن من ثاني أكسيد الكبريت و 19 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون و 5 ملايين طن من الفلورين وانتشر إلى مساحة تبعد 500 كم عن أيسلندة .
بين عامي 1973 - 1975 67 حادث من البراكين والانهيارات الأرضية خلفت 300 ألف قتيل .
ولولا براكين المحيطات لتجمدت مياه المحيطات ، أن نسبة 65 % من براكين العالم في المحيطات وبراكين المحيطات تشكل تهديداً أكبر بسبب قتلها للأحياء البحرية .
رغم خطر البراكين لكن لولاها ما وجدت الحياة فهي تحتاج إلى ثاني أكسيد الكربون وهو ينحل في ماء المحيطات فتعوضه البراكين بما تطلقه من غازات
*** و نقلا من موقع شهود يهوه و هو موقع خاص بطائفة من أهل الكتاب :
يبدأ ثوران البركان بتصاعد الصُّهارة من جوف الارض الساخن وفي بعض البراكين تسيل الحمم ببطء، لذلك نادرا ما تباغت الناس لكنّ براكين اخرى تنفجر بطاقة تفوق طاقة القنبلة النووية! وما يحدد نوع الثوران هو تكوين ولزوجة المواد الذائبة التي تخرج من البركان، بالاضافة الى كمية الغازات والماء المفرط التسخين الممتزجة بتلك المواد. وفيما تقترب الصُّهارة من سطح الارض، يتمدَّد الماء والغازات الممتزجة بها بسرعة. وإذا كانت الصُّهارة بالتركيب المناسب، فهي تفور كما تفور المياه الغازية من قنينة مرطبات.
لكن من حسن التوفيق ان البراكين غالبا ما تعطي انذارا مسبقا قبل ثورانها وهذا ما حدث سنة 1902 قبل ثوران جبل بيليه في جزيرة مارتينيك الكاريبية غير ان قرب موعد الانتخابات في مدينة سان بيير القريبة من البركان دفع بالسياسيين الى تشجيع السكان على عدم ترك المدينة رغم الرماد، والخوف، والضرر الصحي الذي بدأ يتفشّى فيها. حتى ان المحلات التجارية كانت مغلقة لعدد من الايام.
صادف عيد الصعود يوم الثامن من ايار (مايو)، وذهب اناس كثيرون الى الكاتدرائية الكاثوليكية لكي يصلّوا طالبين حماية الله من البركان لكن جبل بيليه ثار قُبيل الساعة الثامنة من ذلك الصباح عينه مطلقا كمية هائلة من الفتات البركاني الحارق (المؤلف من رماد، جمر بركاني، زجاج بركاني اسود، خفّان، وغازات مفرطة التسخين) الذي تراوحت حرارته بين 200 و 500 درجة مئوية. واندفقت من الجبل سحابة سوداء قاتلة على مستوى ملاصق لسطح الارض وأرخت بثقلها على المدينة. فقضى نحو 30,000 نسمة، وذاب جرس الكنيسة، واشتعلت النيران في السفن الراسية في المرفإ. وكان ثوران البركان هذا الاشد فتكا في القرن العشرين. لكن لو تجاوب الناس مع التحذيرات، لما حلّت بهم هذه الكارثة العظيمة.
قلت (أبو يوسف) :و ليست هذه المرة الأولى التي يؤخذ فيها الكفار في أعيادهم ففي بومبي التي طمست تحت الرماد بعدما تحجر أهلها بفعل الحمم البركانية كان ذلك في يوم عيد إله النار عندهم و تسونامي المعاصرة كانت في 26 ديسمبر و هي أوقات الأحتفال بأعياد الميلاد و مات منهم حوالي 5000 شخص ذهبوا ليحتفلوا به في أندونسيا بالخمور و الدعارة و هنا يذكر أن هذا البركان صادف عندهم عيد الصعود .
و في عام 1943 لاحظ مزارع في المكسيك ان الذرة ليست الامر الوحيد الذي ينمو في مزرعته. فبينما كان في حقله، رأى صدوعا او شقوقا تتفتّح في الارض. وفي اليوم الثاني كانت هذه الشقوق قد تحولت بركانا صغيرا. وخلال الاسبوع التالي كبر البركان وصار علوه 150 مترا، واستمر ينمو حتى بلغ 360 مترا بعد سنة. وفي النهاية وصل علو هذا البركان، الذي يقع على ارتفاع 2,775 مترا عن سطح البحر، الى 430 مترا. وهذا البركان الذي سُمِّي باريكوتين توقف فجأة عن الثوران عام 1952، ولا يزال خامدا الى اليوم.
** بعض ما وجدته على الانترنت عن بركان كاراكاتوا و تمبورا :
تعتبر أندونيسيا من أكثر الأماكن المعرضة للبراكين في العالم، في عام 1883 انفجرت جزيرة كاراكاتوا بقوة تعادل مليون قنبلة هيروشيما

و كان صوت الانفجار عاليا لدرجة أنه سمع على بعد3000 ميل..مع اختفاء الجزيرة في البحر انطلقت سلسلة من الأمواج التي اكتسحت الجزر القريبة في أضخم موجات زلزالية و قتلت مائتي ألف شخص..و اليوم يقبع ابن كاراكاتوا ساكنا بجوار آثار أبيه مصابا بنفس الدمار لكن هذا لم يكن أضخم ثوران بركاني في التاريخ،بل حدث ذلك على بعد ألف ميل وفي الجانب الآخر من أندونيسيا قبل سبعين عاما،عندما انفجر بركان جبل تمبورا عام 1815أطلق معه سبعين ميلا مربعا من الغبار

وأنتج جزرا من الرماد الطافي المسمى لاهار بسمك عشرات الأقدام و بعرض عدة أميال..يقول البروفيسور ريتشارد فيشر :اللاهار خطر جدا ذلك لأن الناس يرتادون الوديان ليمارسوا مهنة الزراعة و هناك تم اكتساحهم بواسطة اللاهار"قتل البركان جميع سكان الجزيرة تقريبا والبالغ عددهم ثلاثة عشر ألف شخص لكن الخسارة في الأرواح كانت أكبر...أصبح العام الذي يليه يسمى باسم [السنة التي لا صيف فيها]فقد انخفضت درجات الحرارة في جميع أنحاء العالم و ذبلت المحاصيل أيضا وماتت أعداد كبيرة بسبب المجاعة والأمراض الفتاكة ..

يقول الدكتور جيوف جنكيز :

"إذا ثار أحد البراكين و خصوصا البركان النشط فإنه سينفث كميات هائلة من الرماد والغازات الكبريتية و لمستويات مرتفعة من الغلاف الجوي تسمى الستراتوسفير على ارتفاع عشرة أميال تقريبا و يبقى الرماد و الغازات هناك طويلا بعيدا عن نظامنا الجوي لسنتين أو لثلاث سنوات"

تسببت كميات المخلفات الهائلة لانفجار تمبورا بدرجة عالية من التلوث و منع الضوء و دفء الشمس لعدة أشهر كانت كارثة بمقاييس عالمية و كان تمبورا أكثر الانفجارات البركانية رعبا في تاريخنا المدون.
أشهر الانفجارات البركانية في تاريخ البشرية:

بركان فيزوف: Vesuvius
لاشك ان هذا البركان من أشهر البراكين في التاريخ ، ومنذ القدم شاهده الرومان وسجلوا نشاطاته المتكررة، وقد وصف المؤرخ الروماني بليني Pliny ثورته المدمرة عام 79 قبل الميلاد بعد فترة خمود طويلة وقد جاء في ذلك ما يلي :

(استمرت بدايات ثورته لمدة 16 عاما ، صحبها تشققات وأصوات وهزات أرضية خفيفة ضربت جنوب إيطاليا. تلاها بعد ذلك إزالة الصخور المتراكمة عند فوهته القديمة ، حصل بعدها تمدد كبير وفجائي للغازات المحبوسة تحتها، ومع تزايد ضغط هذه الغازات حدثت انفجارات عنيفة نتج عنها طفوح بركانية من نوع الخفاف Pumice غطت مدينة بومبي Pompeii المجاورة .

لقد حاول العديد من سكان المدينة الفرار في قوارب بحرية ، لكن الغازات والرماد والطفوح البركانية غطتهم جميعا، وأدت لحدوث اختناقات لهم ، وطمروا تحت الرماد هم ومدينتهم. وبالإضافة على مدينة بومبي ، فإن مدينة أخرى مجاورة لبركان فيزوف هي مدينة (هيركولنيوم Herculaneum) دُمرت هي الأخرى تدميرا تاما، ورقدت المدينتان تحت طبقة من الرماد البركاني يزيد سمكها عن ستة أمتار.

لقد بقيت هاتان المدينتان مختفيتان في طي النسيان لمدة 1700 سنة ، إلى ان عُثر عليهما وازيحت الطبقات البركانية عنهما من قبل علماء التاريخ، ليشاهد الناس آثار تدمير بركان فيزوف لهما، وليشاهدوا أيضاً الأحافير الإنسانية وغيرها ماثلة أمامهم. وبعد ثورة فيزوف المدمرة قبل الميلاد، هدأ لمدة 1500 عام، ولكنه عاد ليثور عام 1631 وقتل وقتها 18000 نسمة، ومنذ ذلك التاريخ وهذا البركان لم يخمد بصورة نهائية.

بركان كراكاتوا: Karakatoa
كراكاتو جزيرة كثيفة الأشجار، تقع في منطقة ضيقة بين جزيرتي جاوه وسومطرة، وصل ارتفاعها حوالي 2600 قدم نتيجة لتكدس التراكمات البركانية على مدى السنين. ويعتبر انفجار بركان كراكاتو من أهم الإنفجارات وأعنفها في عصرنا الحديث.

لقد بقي هذا البركان خامداً مدة 200 سنة ، وفي شهر مايو 1883 بدأت سلسلة من الإنفجارات المتوسطة والضعيفة تحدث فيه. وبعد مرور 3 شهور من هذه النشاطات وصل الإنفجار ذروته في 26 أغسطس من نفس السنة ، وحدثت هزة أرضية عنيفة أثرت على قاع البحر وأحدثت فيها فوهة كبيرة صاحبها ضوضاء وأصوات ودوي لم يعرف مثلها في التاريخ، حتى ان صوت الإنفجارات تلك سمعت على مسافة 5000 كم من مكان حدوثها.

اندفعت بعد ذلك سحابة من الرماد والغبار والأتربة البركانية إلى ارتفاع 80 كيلومترا وغطت مساحة 500 كم في المحيط الهندي، وانتشر بعدها الظلام لمدة ثلاثة أيام. وقد كان لإنتشار الغبار البركاني الخفيف – الذي عم العالم – ان سبب تألق غروب الشمس بصورة عجيبة رآه الناس في شتى أنحاء الأرض. إن الانفجارات العنيفة التي لازمت ثورة هذا البركان ولدت أمواجاً عاتية في مياه المحيط الهادئ، وتعرف هذه الأمواج بإسم أمواج التسونامي Tsunomi التي انتشرت محدثة تأثيرات مخربة في مدن جزيرتي جاوة وسومطرة، وقدر ارتفاع هذه الأمواج بحوالي 30 مترا، وتسببت في وفاة حوالي 40.000 نسمة.

بركان جبل بيليه : Peelee
حدث انفجار هذا البركان في جبل بيليه الذي يصل ارتفاعه إلى 1200 متر وكان يشرف على مدينة سانت بيير St. Piere والتي كانت تعد من اكبر مدن المارتينيك في البحر الكاريبي. وكان اعتقاد الناس وقتها أنه بركان خامد إلى أن بدأت في شهر أبريل من سنة 1902 تندفع منه الأدخنة والغبار، وفي الخامس من مايو اندفعت كميات من الطين دمرت مصنعا للسكر وقتلت عددا من الناس.

وتوالت بعدها حوادث هذا البركان ووصلت أقصاها يومي 7،8 مايو من تلك السنة عندما اندفعت سُحُب من الرماد وتكون شق عميق في جانب الجبل تبعه حدوث أصوات عنيفة وسحب كثيفة من الدخان والغبار تحمل الصخور والأتربة وتنحدر متدفقة ً نحو مدينة سانت بيير بسرعة وصلت إلى 350 ميلا ً، في الساعة ، وهناك اكتسحت كل ما قابلها من حي وغير حي ٍ، وقد أودى هذا البركان بحياة أكثر من 30.000 نسمة.

براكين جزر هاويHawaiia Volcanoes :
تقع جزر هاواي في المحيط الهادئ ، ويصل عمقها إلى حوالي 15.000 قدم ويشكل تراكم هذا العمق مواد بركانية في اصلها ، وتعتبر براكينها من الأمثلة الواضحة على البراكين الدرعية حيث تمتاز قبابها بالعرض والإنحدار البسيط .

وتظهر صخورها بمظهر غير خشن نتيجة تدفق اللابة البازلتية أصلا مع تراكم تجمدات السوائل البركانية التي تدفقت خلال التشققات البركانية على مدى زمن طويل. تبلغ مساحة جزيرة هاواي البركانية 7600 ميل مربع وترتفع إلى 13680 قدماً فوق سطح مياه المحيط الهادئ. لقد عملت خمسة براكين على تكوين هذه الجزيرة اثنان منهما مازالا في حالة نشيطة وهما : مونالوا Mauna Loa وكيلاوا Kilauea .

بركان فولكانو : Vulecano
يقع هذا البركان على بعد 30 ميلا من بركان سترومبولي. ومن اسمه Vulcano أشتق اسم (بركان). إن ما يحدث من اصوات شديدة ونشاطات بركانية غير متوقعة دفعت العلماء لإعطاء اسم Vulcanian (البركانية) نسبة له . ويرجع ذلك إلى طبيعة حممه اللزجة وتجمدها بسرعة على السطح مشكلة موانع قوية تمنع اندفاع الغازات وتعمل على حسبها بالداخل مما يساعد في حدوث أصوات عالية، ومع وجود وتراكم الغازات يتولد ضغط عنيف ينتهي بانفجارات مدمرة. لقد سجل التاريخ ثورة هذا البركان عام 1880 لمدة سنتين قذف خلالهما ملايين الأطنان من اللابة التي تحولت أخيرا وعلى مر الزمن إلى مسحوق ناعم يغطي مساحات واسعة.

بركان إتنا :
يقع هذا البركان في جزيرة صقلية ويصل ارتفاعه إلى حوالي 3600م ويعد أعلى براكين أوروبا في ارتفاعه ويغطي مساحة قدرها 460 ميلا مربعا ويبلغ عمق فوهته 1500م وقد سجل التاريخ 400 ثورة بركانية له منذ عام 475 ق.م. وفي ثورته سنة 1669 أدى إلى مقتل 20.000 نسمة، وتمتاز فوهة هذا البركان باتساعها الكبير ولا يندفع منها أي مقذوفات حاليا، في حين توجد له فوهات كثيرة على جوانبه المنحدرة يندفع منها بعض الغازات والأبخرة. إن المنحدرات السفلى لهذا البركان مأهولة بالسكان لأن تربتها الخصبة تزرع على نطاق واسع.

بركان اشيكون : Echichon
ثار هذا البركان في المكسيك بتاريخ 28 مارس 1982 ويصل ارتفاعه حوالي 1260 متراً وامتازت ثورته باطلاق كميات هائلة من الغبار والأدخنة والأتربة التي غطت قرية (نارانجو) فأصبحت تبدو مبانيها وكأنها أشباح ماثلة للعيان.

بركان جبل سانت هيلين : Mountain St. Helens Vol.
وكانت ثورة هذا البركان في 18 مايو 1980 حيث سجل له التاريخ ثورات في عام 1900 ق. م وقد اندفعت منه كميات هائلة من الغازات والرماد والصخور وعمت المنطقة بأسرها وكانت هذه الغازات والرماد تجوب المنطقة بسرعة 200 ميل في الساعة الواحدة حيث غطت مقذوفاته مساحة مقدارها 200 ميل مربع وقتل العشرات من الناس.

7 – الفيضانات:
فيما يلي قائمة الفيضانات الدموية في جميع أنحاء العالم ، وتظهر الأحداث مع عدد القتلى عند أو فوق 100،000 فردا.
عدد القتلى
الحدث
الموقع
التاريخ

2500.000- 3700.000 فيضانات الصين 1931
الصين
1931
900.000- 2.000.000 فيضان النهر الأصفر 1887(هوانغ هي)
الصين
1887
500.000-700.000 فيضان النهر الأصفر 1938(هوانغ هي)
الصين
1938
231.000 فشل سد بانكيو، نتيجة لاعصار نينا. لقى حوالي 86،000 شخصا حتفهم بسبب الفيضانات وتوفي 145،000اخرون نتيجة الامراض المصاحبة. الصين
1975).
230.000 تسونامي المحيط الهندي
الهند (ومعظمها في ولاية تاميل نادو ، وتايلند ، وجزر المالديف
2004
145.000 1935 فيضانات نهر اليانغتسى
الصين
1935
أكثر من 100،000 فيضانات سان فيليكس ، والعواصف الشديدة هولندا
1530
100.000 هانوي ، وفيضان دلتا النهر الأحمر
شمال فيتنام
(1971).
100.000 1911 فيضانات نهر اليانغتسى
الصين
1911
و نقلا عن موقع الجمعية الكونية السورية:
معلومات عن بعض الفيضانات:
في الصين عام 1887 7 ملايين شخص ماتوا بعد عدة أسابيع من الأمطار الغزيرة التي تسببت في فيضان ضفاف نهر يالوا غطى الماء الأرض بعمق 15 متر وبعرض 65 متر ل ولكن الغرق لم يكن سبب الموت بل بسبب الإسهال والتيفوئيد والكوليراه كان عدد الوفيات 900,000 وفاة فورية
في الصين في عام 2003 540 ألف وفاة و 2 مليون مشرد من الفيضانات
في الصين نهر يا نكستى قتل 300 ألف شخص في القرن الماضي
في الصين 1931 فيضانات نهر هوانج هو قتل 4 ملايين شخص وفي عام 1887 قتل مليون شخص وفي عام 1892 تغير مصب النهر وابتعد 300 ميل من مصبه القديم في البحر الأصفر
وفي بانكلاديش أسوأ عواصف القرن العشرين قتلت الأعاصير الاستوائية مئات الآلاف وقضى معظمهم بسبب الفيضانات التي أحدثتها الأعاصير وقد طافت أربعة أخماس هذه الدولة تحت الماء
بين أعوام 1931 و 1970 فيضانات في شرق الباكستان قتلت 1 مليون شخص
1228 هولندا 100,000
1643 الصين 300,000
1787 شرقي الهند 10,000
1887 الصين 900,000
1896 سانريكو في اليابان 22,000
1900 تكساس 6,000
1911 الصين 100,000
1928 الولايات المتحدة 1836
1939 الصين مليون
1955 إيران 2000
1960 بنغلاديش 10,00
1967 البرازيل 1200
1973 باكستان 1500
8 - الأمراض والأوبئة الطاعون ( الموت الأسود )
نقلا عن موقع الجمعية الكونية السورية
كان عدد سكان أوربا وشمالي أفريقيا والمناطق المجاورة لها من الشرق الأوسط نحو 100 مليون في عام 1346 ربعهم كان قد مات من المرض أوربا لوحدها 20مليون وفاة
سمي بالموت الأسود لظهور أدبال لونها أسود في المراحل الأخيرة من المرض
70 - 80% من أصيب به توفي بين أعوام 1346 - 1352 وكانت الحصيلة تقريباً 20 مليون في أوربا وحدها
وسمي هذا الوباء في تلك الفترة بالموت الأكبر ويعتقد أن الوباء سرى في ذلك الوقت عبر طريق الحرير الذي كان يخترق آسيا ويرجح أن الوباء انتشر في بادئ الأمر بين حيوان (المرموط ) وهي من القوارض الكبيرة التي تستوطن آسيا الوسطى .
عاد الوباء بعد سنوات قليلة عام 1356 وإجمالي الوفيات 100 ألف شخص وحصيلة الوفيات الإجمالية بين عامي 1346 - 1351 75 مليون
وسبب الوفيات الكبير هو الاعتقاد الذي كان سائداً أن العدوى تنتقل من المريض إلى السليم
لقد كان النوع الشائع هو الطاعون الدملي إشارة للعقد اللمفاوية الموجودة في جميع أنحاء الجسم . ففرض الحجر الصحي وكان الثمن باهظاً جداً لنظرية أسيء فهمها وبعد دورات لا حصر لها من الانتشار والتراجع اختفى الوباء من أوربا بطريقة مذهلة في مدينة لندن مع الحريق الأكبر عام 1666 . لقد غير هذا الوباء مسار التاريخ الأوربي لقد تحدث الناس في وقتها عن نهاية العالم و من لم يدمره الطاعون في ذلك الوقت قد أوصله لحالة الجنون لقد ساعد على بدء الثورة الروحانية وهوجم القساوسة وشوهت سمعتهم لتخليهم عن إيمانهم في فترة المرض العظيم ، والتحرر من سحر روما ساهم في تقسيم أوربا إلى دولتين كاثوليك وبروتستانت .
إن أسوء أنواع لطاعون هو الرئوي الذي ينتشر عبر الهواء .
إن جذور هذا الوباء الغامض غير معروفة وعاد بعد 10 سنوات وكان آخرها في الهند .
قلت (أبو يوسف):فسبحان من يأتي به في أي وقت و يذهب به متى شاء و لو شاء لأفنى من على الأرض به و سبحان من يخلق ما لا يرى بالعين و يهلك به الأمم و الشعوب.
وبعد الحرب العالمية الأولى وباء الأنفلونزا وسمي (طاعون الرئة ) ولافتات في الأماكن العامة كتب عليها ممنوع العطس علناً وهو مخالف للقانون والغرامة 500 دولار
ومع انتهاء الحرب عام 1919 – 50 % من سكان العالم تضرروا ومات 16 مليون في أسيا 20 مليون في أوربا وفي أميركا الشمالية والجنوبية 1.400.000 والمؤسف له أن الضحايا كانوا بين سن 17 - 40 عام
الإيدز (مرض الزناة و الشواذ):
أصيب 5 مليون شخص بالإيدز أو العدوى بفيروسه خلال عام 2003
تصل أعلى التقديرات للإصابات الجديدة خلال عام 2003
حوالي 3,2 مليون إصابة في جنوب الصحراء الأفريقية
حوالي 855,000 إصابة في جنوب وجنوب شرق آسيا
حوالي 230,000 إصابة في شرق أوربا ووسط أسيا
حوالي 210,000 إصابة في شرق آسيا والهادي
يقدر وفاة 3 مليون شخص من الإيدز أو العدوى بفيروسه خلال عام 2003
تبلغ أعلى التقديرات للوفيات الناجمة عن الإيدز أو العدوى بفيروسه خلال عام 2003
حوالي 2,35 مليون وفاة في جنوب الصحراء الإفريقية
حوالي 460,000 وفاة في جنوب وجنوب شرق آسيا
حوالي 59,500 وفاة في أمريكا اللاتينية
حوالي 45,000 وفاة في شرق آسيا والهاديا
الإيدز عام / 2004 / 42 مليون شخص مصاب
قتل / 3 / مليون شخص وهذا يمثل وفاة أكثر من 8000 شخص يومياً أو شخص واحد كل عشر ثوان
التقديرات لعدد الأحياء المصابين بالإيدز أو العدوى بفيروسه
في جنوب الصحراء الأفريقية نحو 26,6 مليون شخص
في جنوب وجنوب شرق آسيا نحو 6,4 مليون شخص
في شرق أوربا ووسط آسيا نحو 1,5 مليون شخص
9 - كوارث الحروب (و قد ذكرتها في معرض الحديث عن العقوبات الإلهية لبيان ما قدمته حضارات الكفر من المشركين و أهل الكتاب للبشرية و لأنها من البلاء الذي هو من الله بأن يسلط بعض خلقه على بعض):
منذ وجود الإنسان على وجه الأرض ظهرت الخلافات والنزاعات والحروب وكانت الحروب في أولها محدودة العدد والعدة وكذلك محدودة الخسائر وغالبا ما كانت تجري من أجل التنازع على الصيد أو الحصول على المياه أو الدفاع عن الوطن أو الشرف وبهدف السلب والنهب ، لكن هذه الحروب أخذت طابعاً متصاعداً ولم تعد تجري بين القبائل أو بين الدول المجاورة فحسب لكنها امتدت إلى أماكن بعيدة وأخذت أزماناً أطول وخسائر أكبر وطابعاً استعمارياً .
تشير الإحصائيات إلى أنه حدث على الأرض
قرابة 15 ألف حرب وصراع خلال 5500 سنة الماضية ، بمعدل 2- 3 حروب سنوياً ، وقد قتل فيها أكثر من / 3540 / مليون إنسان أي قرابة 80 % من عدد سكان العالم حالياً (قبل عام 2000 ) ، ولم تعش البشرية في وئام وسلام ألا في غضون 29 سنة فقط وتشير الإحصائيات أن
الحروب حدثت نصفها في أوربة حيث هلك في :
القرن السابع عشر 3,3 مليون إنسان
القرن الثامن عشر 5.2 مليون إنسان
القرن التاسع عشر 5,5 مليون إنسان
كما شهد القرن العشرين حربين كونيتين الأولى
الحرب العالمية الأولى
شملت ثلثي الكرة الأرضية ،حمل فيها السلاح 50.5 مليون إنسان ، وقتلت 9,5 مليون إنسان ، عدد القتلى 6500 قتيل يومياً وجرحت وشوهت ما يقارب 20 مليون إنسان ، وهلك من الجوع والمرض 10 مليون إنسان وجرت على أرض 14 دولة وساهمت فيها 33 دولة وبلغت التكاليف كما قدرت 360 مليار دولار .
الحرب العالمية الثانية
اشتركت 61 دولة فيها ، وجرت فوق أراضي 40 دولة ، ووصل تعداد الجيوش 110 مليون إنسان ، وبلغت الخسائر اليومية 25200 قتيل، قتل فيها 50 مليون إنسان ، 25 مليون بدون مأوى في الاتحاد السوفييتي السابق فقط ، وكانت تكلفة الحرب بين 3300 - 4000 مليار دولار .
وبعد الحرب الكونية الثانية حدثت 150 حرباً وحصدت 10 مليون إنسان
أمريكا قامت ب 200 حرب خلال 200 سنة وقتلت 60 مليون إنسان بشكل مباشر أو غير مباشر خلال القرن العشرين
في عام / 69 / مليون دولار يومياً تصرف على الصواريخ النووية
أن الأنفاق العسكري السنوي يبلغ أكثر من / 900 / مليار دولار ونفقة يوم واحد تكفي لتحقيق برنامج القضاء الكلي على الملا ريا في العالم
أطول الحروب كانت في أفريقيا في السودان وقتلت 2 مليون وشردت 4 ملايين ( المرجع لم يذكر كم دامت )
80% من المباني دمر في هيروشيما ووفاة 68.000 شخص فوراً وفي نياكازاكي كانت القنبلة من البليتونيوم 24.000 وفاة فورية وفي نهاية 1945 عدد الضحايا 140 ألف وخلال خمس سنوات تالية 60 ألف شخص
10 - كوارث متفرقة
شيكاغو مسرح أركواز 1903 توفي 600 شخص من حريق لتغطية المصباح بستارة لتمثل ضوء القمر وأغلق 5 مسارح في أسبوع واحد نتيجة لذلك الحادث
( جوانا ) أمريكا الجنوبية 900 وفاة في حادثة انتحار في جماعة دينية مسيحية متطرفة
1964 وفاة 300 وجرح 500 بسبب إلغاء الحكم هدف البيرو على الأرجنتين
إنكلترا 1971 وفاة 66 شخص و100 إصابة في أعمال شغب في ملعب لكرة القدم
سقوط حاجز بين المتفرجين في مباراة ليفر بول و جنيس البلجيكي قبل بدء المباراة مباشرة 41 وفاة و400 مكسور
مباراة ليفربول ونوتجهام 96 وفاة و200 مصاب بسبب انهيار المدرج لعدم توزع الكتل
1986 تشر نوبل 7 أطنان من المواد المشعة أطلقت في الهواء 10.000 حالة سرطان في الاتحاد السوفييتي و 1000 حالة في أوربا انتشرت الإشعاعات إلى 70 % من أوربا
1977 حادثة طيران في جزر الكناري 520 وفاة
1912 سفينة التايتنك 1522 وفاة وهي أسوء كارثة بحرية
1981 قطار الهند السريع 800 قتيل
قطار سيبيريا 400 قتيل نصفهم من الأطفال و 700 مصاب التقطوا من الغابات
1945 يومياً وفاة بين 100 - 150 شخص جوعاً في أيرلندة بسبب الأمطار التي أفسدت محصول البطاطا
1770 المجاعات في الهند 10 ملايين وفاة
1877 المجاعات في الصين 10 ملايين وفاة
1919 المجاعات في الاتحاد السوفييتي 5 ملايين وفاة
( يموت من الجوع أكثر من 60 طفل في كل يوم )
أكثر من 20,000 طائر توفي وآلاف من كلاب البحر بسبب أسوء حادث تلوث للبيئة في تاريخ الولايات المتحدة الأمير كية بسبب تسرب من ناقلة نفط بعد تسرب ( 11 ) مليون جالون
شمال إيران 300 وفاة وأكثر من 400 جريح بسبب قطار يحمل مادة الكبريت ( 2004 )
11 - كوارث ثلجية
1935 - في الكار أكوروم 3 جبال جليدية تسببت في فيضانات في واد خصب ، التقت الجبال الثلاثة من مسافة بمعدل 10 كم وكانت تسير بسرعة
113 متر في اليوم وجرفت غابات وقرى بأكملها
جنوب باميرا ( جبل الدب ) في روسيا تقدم مسافة 45 متر في اليوم وخلال 40 عام شكل بحيرة عمقها 70 متر والجبل100 متر
1956 - 1957 مولدرو الجبل الجليدي في ألاسكا تقدم في غضون أشهر 6 - 7 كم
إن أكبر الجبال الجليدية عددها 141 ومساحتها 1000 متر مربع.

*** بومبي (المدينة التي أهلكها الله بفجورها و حنطها لتكون آية للعالمين):
كانت بومبي أو Pompeii مدينة رومانية يعيش فيها 20,000 نسمة، واليوم لم يبقى من المدينة إلا آثارها القديمة. يقع في المدينة جبل بركان فيزوف الذي يرتفع 1,200 متر تقع المدينة بالقرب من خليج نابلس في إيطاليا, دمرت أثناء الثوران الهائل لبركان فيزوف التي حدثت عام 79 وأدت إلى تدمير بومبي و مدينة هركولانيوم . البركان طمر المدينة بالرماد لمدة 1600 سنة حت تم أكتشافها في القرن الثامن عشر بدأ البركان بالثوران في ظهيرة 24 أغسطس عام 79 محدثا سحبا متصاعدة من الدخان كشجرة الصنوبر غطت الشمس وحولت النهار إلى ظلام دامس ، حاولا سكان القرية الفرار ولجأو إلى بيوتهم لحمايتهم ذلك اليوم كان معدا لعيد إله النار عند الرومان ، شاهد العيان الوحيد كان بليني الصغير الذي وصف سحب متصاعدة والبركان يقذف نيران هائلة وتساقط رماد سميك وهزات مصاحبة وأرتفاع لمستوى سطح البحر أو مايعرف اليوم ب تسونامي ، وتحول النهار إلى ليل معتم في المدينة ، وقد قام عمه بليني الأكبر بالتوجه عبر البحر لرصد الظاهرة وتوفي من الغازات المتصاعدة المدينة فقدت حتى عام 1738 حيث أكتشفت هركولانيوم وفي عام 1748 أكتشفت بومبي وأكتشف فيها الضحايا موتى في أوضاعهم التي كانوا عليها ، وأكتشف طابع المدينة الغني والترف و فترة الإمبراطورية الرومانية والعمارة والحياة الاجتماعية وغيرها .
مدينة بومبي كانت على عهد نيرون الحاكم الروماني الذي حرق روما لكي يغني, تقع بالقرب من مدينة نيبلس ، كانت مدينة عامرة أيام حكم الامبراطور الرومانى نيرون دمرت بومبي هي ومدينة أخرى بالقرب منها تسمى هيركولانيوم في يوم 24 أغسطس 79 بعد أن ثار بركان فسيوفيوس; وظلت المدينة في طي النسيان حتى القرن الثامن عشر عندما اكتشفت آثار مدينة بومبي وعثر على مناطق بها جثث متحجرة حيث حل الغبار البركانى الذى يمكن أن نعتبره إسمنت طبيعى محل الخلايا الحية الرطبة وشكل أشكال البشر والحيوانات عندما قضى عليها الموت متأثرة بالهواء الكبريتى السام كان بالمدينة البالغ عدد سكانها 200,000 نسمة الكثير من الاثرياء يعيشون عيشة رغدة فرحين بما لديهم.
فكان بالمدينة شبكة مياه داخل البيوت وحمامات عامة وشوارع مرصوفة بالحجارة, وكان بها ميناء بحرى متطور وكان بها مسارح وأسواق وأظهرت آثارهم اهتمامهم بالفنون والنقوش .
كان مجتمعهم مجتمع رومانى تقليدى بكل طبقاته بما فيهم العبيد.
قبل دمار المدينة أهمل السكان العلامات الدالة على قرب الانفجار, فلم يعبأوا بالهزات الخفيفة وكذلك القوية ولا ببعض السحب البيضاء التي تتكون فوق فوهة البركان . ولم يتعظ السكان من الزلزال الذى خرب مدينتهم قبل ذلك ب 17 سنة, ولم يستجيبوا لدعاء الامبراطور الرومانى نيرون لهم بترك المدينة; ولعل ذلك يرجع إلى أنهم رأوا من ذلك البركان خيرا كثيرا .فالتربة الغنية بالمعادن التي جعلت زراعتهم مثمرة مصدرها ذلك البركان ،ومياه الأمطار التي كانت ترويهم وتسقى زروعهم كانت بسبب وجود ذلك الجبل البركانى.
كانت هناك عدة علامات على ثوران البركان قبل الانفجار بأيام حدثت عدة هزات أرضية جفت بعدها الآبار وتوقفت العيون المائية.
لكن السكان تجاهلوها حتى أتاهم حتفهم ضحى وهم منشغلون بالتجارة واللهو. و عند منتصف النهار من يوم 24 أغسطس 79 سمع السكان تلك الضجة الكبيرة وإنفلقت الصخور واللهب والدخان والرماد والغبار والاتربة في عمود متجهة صوب السماء لتسقط بعدها بنصف ساعة على رؤوس السكان . تمكن بعض منهم من النجاة هربا إلى الميناء وإختبأ آخرون في المنازل والمبانى فتحولوا بعدها إلى جثث متحجرة عثر منها على حوالي 2,000 جثة ;وكثير منهم سحق تحت الصخور المتساقطة التي أسقطت أسقف المبانى . وبعدها بساعات وصلت الحمم الملتهبة الزاحفة على الأرض إلى المدينة فأنهت كل أشكال ومظاهر الحياة فيها. ودفنت المدينة تحت ثلاثة أمتار من الحمم والاتربة والغبار .


_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 8:12 pm



*** أما لماذا أنزل الله سبحانه بهم هذا العذاب العظيم و جعلهم عبرة و عظة و هو الرحمن الرحيم؟
و الإجابة :
لقد بحثت عبر شبكة الانترنت لأجد جوابا فكان ما وجدته في المواقع العربية ملخصه:
كان أهل هذي المدينة يفتخرون بممارسة الجنس بل كانوا يرسمون الصور الخلاعية على جدران منازلهم أمام الأطفال والنساء والكبار، حتى إن الباحثين اليوم يعتبرون أن فن الخلاعة قد بدأ في هذه المدينة الفاسقة .
لقد عثر الباحثون في هذه المدينة على نقوش كثيرة ورسوم خلاعية تدل على الانتشار الواسع للجنس والشذوذ الجنسي في هذه المدينة، ويؤكد الباحثون أن أصحاب مدينة بومبي كانوا يمارسون الجنس علناً وأمام الأطفال وكانوا لا يخجلون أبداً من تصوير هذه المشاهد وعرضها أمام الناس وفي المنازل والبيوت، بل ويفتخرون بذلك!
ويقول الباحثون :إن انتشار الفواحش في هذه المدينة كان أكبر بكثير من العصر الحالي!
وكانوا يدعون أن هنالك إلهاً للجنس، فكانوا يمجدونه ويقدسونه ويبالغون في تصوير ونحت الصور الجنسية الخليعة حتى إن الصور التي عثر عليها على جدران المدينة والتي وضعت في معرض خاص، لا يسمح لزوار هذا المعرض باصطحاب الأطفال أو القاصرين إلا بعد موافقة خاصة .
و يُذكر عن هذه القرية اشتهارها بمصارعة البشر للبشر و البشر للحيوانات في ساحات خاصة و يُذكر أن هذا كان نصيب دعاة المسيحية منهم - و كانت حينها ديانة جديدة فقد كان هلاكهم 79 من ميلاد المسيح - فقد اطلقوا عليهم الوحوش لتفترسهم و ذكروا أنهم كانوا يكرهون عبيدهم على أصناف الممارسات الجنسية .
و لم يشف ذلك غليلي و خشيت أن يكون تهويلا من بعض الغيورين على محارم الله أن تنتهك فبحثت في الموسوعة المجانية و لكن باللغة الإنجليزية و ذلك لأحصل على أقوال الملحدين و الكفر "و الحق ما شهدت به الأعداء" فوجدت بغيتي أتم ما يكون و إليك النص الإنكليزي متبعا بالترجمة:
Some have theorized that Fontana found some of the famous erotic frescoes and, due to the strict modesty prevalent during his time, reburied them in an attempt at archaeological censorship. This view is bolstered by reports of later excavators who felt that sites they were working on had already been visited and reburied. Even many recovered household items had a sexual theme. The ubiquity of such imagery and items indicates that the sexual mores of the ancient Roman culture of the time were much more liberal than most present-day cultures, although much of what might seem to us to be erotic imagery (eg. over-sized phalluses) was in fact fertility-imagery. This clash of cultures led to an unknown number of discoveries being hidden away again. A wall fresco which depicted Priapus, the ancient god of sex and fertility, with his extremely enlarged penis, was covered with plaster, even the older reproduction below was locked away "out of prudishness" and only opened on request and only rediscovered in 1998 due to rainfall [21].
In 1819, when King Francis I of Naples visited the Pompeii exhibition at the National Museum with his wife and daughter, he was so embarrassed by the erotic artwork that he decided to have it locked away in a secret cabinet, accessible only to "people of mature age and respected morals". Re-opened, closed, re-opened again and then closed again for nearly 100 years, it was briefly made accessible again at the end of the 1960s (the time of the sexual revolution) and was finally re-opened for viewing in 2000. Minors are still only allowed entry to the once secret cabinet in the presence of a guardian or with written permission.[22]
Evidently due to its immorality, prior to or shortly after the destruction of Pompeii, one graffitist had scribbled "Sodom and Gomorrah" onto a wall near the cities central crossroads.[23] Many Christians have since invoked the destruction of Pompeii in warning of divine judgment against rampant immorality.[24][25][26]
المراجع:
21- ^ As reported by the Evangelist pressedienst press agency in March, 1998.
22 - ^ Karl Schefold (2003), Die Dichtung als Führerin zur Klassischen Kunst. Erinnerungen eines Archäologen (Lebenserinnerungen Band 58), edd. M. Rohde-Liegle et al., Hamburg. p. 134 ISBN 3-8300-1017-6.
23 - ^ Alex Butterworth and Ray Laurence, Pompeii, p. 284
24 - ^ John William Fletcher, The whole works of ... John Fletcher, p. 328
25 - ^ Alexander John Scott, Discourses, p. 41
26 - ^ C. H. SpurgeonVoices From Pompeii
و هذه أفضل الترجمات التي استطعت الحصول عليها و أرجو أن تكون خالية من الأخطاء:
للبعض نظرية مفادها أن فونتانا وجدت بعض الرسوم الجدارية الشهيرة والمثيرة – يعني جنسيا- ، و بسبب الأنماط أو التقاليد الصارمة السائدة في ذلك الزمان ، اعادوا دفنها في محاولة لفرض الرقابة الأثرية.
هذا الرأي يعززه تقارير من عمال الحفر اللاحقين الذين شعروا بأن المواقع يعملون فيها سبق زيارتها و أعيد دفنها.
حتى الكثير من المستلزمات المنزلية التي تم اصلاحها كان موضوعها الجنس أو عليها مواضيع جنسية.
من انتشار مثل هذه الصور والبنود يشير إلى أن العادات الجنسية الرومانية القديمة للثقافة في ذلك الوقت كانت أكثر ليبرالية – أى أكثر فجورا مما هم عليه اليوم مما شهد به القاصي و الداني من الفجور- من معظم الثقافات اليوم .
وعلى الرغم من أن كثيرا مما قد يبدو لنا أنه صورا مثيرة جنسيا (على سبيل المثال :صور للأعضاء التناسليه للذكور في حالة تضخم )هي في الحقيقة صور للخصوبة قلت (أبو يوسف):هذا هراء و كلام فارغ بل هو عهر و هم قوم فجرة أهلكهم الله تعالى و جعلهم عبرة .
هذا الصدام بين الثقافات –مقصود الكاتب الثقافات المحترمة و الفاجرة - أدى إلى عدد غير معروف من الاكتشافات يتم إخفائها مرة أخرى فهناك رسم جداري يصور Priapus ، الإله القديم للجنس والخصوبة ، مع قضيبه المتضخم للغاية ، كانت مغطاة بالجص ، وحتى استنساخ اللوحة كان ممنوعا "للخروج من التزمت" و يفتح بناء على طلب فتح فقط و فقط أعيد اكتشافها في عام 1998 بسبب هطول الأمطار ([21].
في 1819 ، عندما قام الملك فرانسيس الأول ملك نابولي زار المعرض بومبيي في المتحف الوطني مع زوجته وابنته ، و شعر بالحرج جدا من الصور الجنسية لدرجة أنه قرر أن يكون ذلك حبسهن في مقصورة سرية ، لا يمكن الوصول إليها إلا "للناس في سن النضج الذين يحترمون الأخلاق ".
تم اعادة الفتح ثم الإغلاق ثم إعادة الفتح مرة أخرى ، ثم الإغلاق مرة أخرى ما يقرب من 100 عاما ، و تم رفع الحظر عنه في نهاية 1960 (زمن الثورة الجنسية)، وأخيرا إعادة فتحه للمشاهدين في عام 2000.
الصغار لا يسمح لهم بالدخول لتلك المقصورة السرية إلا في حضور ولي الأمر أو إذن كتابي. [22]
ومن الواضح و نظرا لفجورهم ، وذلك قبل أو بعد فترة وجيزة من تدمير بومبي ، رسم طُبع أو رسام طبع رسم لقريتي "سدوم وعمورة" على جدار قرب مفترق طرق وسط المدن. [23]
كثير من المسيحيين ومنذ ذلك الحين يستغل تدمير بومبي في التحذير من الحكم الإلهي الصادر ضد الرذيلة المتفشية. [24] [25] [26]

*** و لا أجد أفضل و لا أروع و لا أدق من كلام الملك لأذكره عقب ما أسلفنا من الحوداث:
"وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)" [الأعراف/4-6]
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)" [الأنعام/42-44]
"فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)" [الحج/45، 46]
" إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)" [يونس/24]
"وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)" [هود/102، 103]
"وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا (17)"
*** من الأمور المؤلمة و التي تبعث على الغم أن كثيرا من الكتاب ينسب تلك الكوارث لصراع الطبيعة مع البشر بلا سبب منهم أو يصورها في صورة أخطار مجهولة محيطة بالبشرية البريئة حتى إنك لو لم تكن على علم و اقتنعت بقوله وجدت في نفسك قلقا عجيبا من المجهول و التبست عليك منازل الرجاء و الحب لله فلم تفهمها و ينطبع عندك تصور أخر غريب و شاذ عن علاقة الإنسان بربه و علاقته بمن حوله .
و أغلب الظن فيهم أنهم إما جهلة و إما مكابرون مأسورون في شهواتهم لا يريدون أن يتركوها فلا يريدون أن ينسبوا ذلك لظلم البشر و طغيانهم بل ينسبوا ذلك كما ذكرنا للطبيعة و للأخطار المجهولة و هذا و الله غش عظيم للخلق.
و الحق الأبلج أن الله أرحم الراحمين و تحضرني مناجاة أحد الصالحين التي يثني فيها على ربه فيقول "تمهل عبادك على معاصيهم و ترزقهم حتى كأنك يا ربنا لا تغضب " أو كلاما قريبا من هذا يصور شدة إمهال الله لخلقه و عدم معاجلتهم بالعقوبة حتى أنهم ليأمنون مكره و يزيدون في طغيانهم و إجرامهم و هو محيط بهم يمهلهم و يوالي عليهم الحجج و البراهين لعلهم يرجعون أو يتوبون يرسل لهم صفوة خلقه و يأمرهم أن يقولوا لهم قولا لينا لعلهم يتذكرون أو يخشون و يأمر عباده الصاحين بالصبر على أذاهم .
يعطيهم و يطعمهم و يسقيهم و يعافيهم و يمكنهم و يسودهم و يشفيهم و هم كالبهائم لا يعرفون فضله و لا يشكرون نعمته بل هم أضل من البهائم و البهائم أهدى سيبلا .
و إذا أردت أن ترى مثال ذلك جليا فأنظر إلى تلك المدينة – بومبي – التى أبقاها الله متحجرة على هيئتها أحدهم كان يأكل قطعة من الكيك فقضم منها قضمة ثم نزل بأس الله فأخده و باقي القطعة بعد حوالي ألفي سنة و إلى اليوم تشهد على قدرة الله و شدة بأسه الله و تحجروا على أوضاع شتى النائم و الخائف و غيرهم.
و لقد شاهدت أحد الأفلام التسجيلية التي تصور مدينتهم شبكة مياه و حمامات عامة و أحواض و لوحات كبيرة و نقوش و رسوم و زينة و زخارف و مسرحين و طريق مرصوف و أدوات لطحن الغلال و أفران و رفاهية للكبراء و فخامة في بيوتهم و أقول مختصرا لولا بعض الأجهزة الحديثة عندنا لكانوا مثلنا و لقد فاقونا في القوة البدنية.
أمة كافرة فاجرة تعبد الأصنام و تطلق الوحوش على دعاة التوحيد ليفترسوهم و الفجور عندهم حتى في أدوات الطعام نقشوه عليها فأنزل الله بهم بأسه و لقد هاج ذلك البركان قبل ذلك بسنين فلم يتعظوا و ركنوا لدنياهم "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و أزينت و ظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاهم بأسنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون " هل هناك عبرة و عظة أشد من ذلك؟
المقصود أن هذه المدينة تحولت الآن إلى مزار سياحي يتنزهون فيه – هل هناك سفه أعظم من ذلك – فتجد نساء الغرب الفاجرات بملابسهم العارية يتنزهون هناك مع رفاقهم من الزناة و الشواذ حجة بالغة من الله عليهم و كأن القوم لم ينزل بهم البأس لفجورهم أو و كأن المتنزهين مجانين لا يعقلون قلوب صدئة و عقول خربه عيون لا ترى و آذان لا تسمع و الله يمهلهم و يحلم عليهم ليتوب منهم التائب و يعود منهم العائد .
ثم يأتي بعضهم ليصور العذاب كخوف من مجهول و علاقة عداء بين الإنسان و خالقه و سبحان الله كل ذلك حتى لا يسلم وجهه لله و يدع فجوره و ما عليهم لو فعلوا.
أهل بومباي المرفهين الأغنياء ماذا كان عليهم لو أسلموا ما الخير الذي كانوا سيحرمونه؟ لا شيء و لكنهم نالوا عاقبة الشر الذي زرعوه ماذا عليهم لو آمنوا بالله و تركوا الشرك .
لم يحرم عليم الزواج و لا ملك اليمين و لكنهم أبوا إلا الكفر الفجور و الزني و الشذوذ فأمطرت السماء عليهم الحمم و صدقهم الله وعده ووجدوا ما وعدهم رسلهم حقا.
*** فائدة في حكم دخول ديار المعذبين:
الراجح عندي من أقوال أهل العلم عدم جواز الدخول إلا على وجه البكاء و يجوز المرور من أرضهم للحاجة و يسرع و يُقنع المار رأسه إن تمكن من هذا و لا يجب التقنع لأن النبي صلى الله عليه و سلم فعله و لم يأمر به - و إن كان فعله في موطن يقتدى به فيه و لكن عدم الأمر به يرجح الاستحباب- و يجوز استعمال ما كان يستعمله الصالحون منهم كالماء و النزول لذلك و نحوه و دخول ذلك الحيز الذي كان فيه الصالحون و آثارهم و ذلك للحاجة أما مياه المعذبين و آثارهم فليحرص على مجانبتها وجوبا.
و حكمة ذلك على ما يترجح من أدلة أن الداخل على غير وجه الاعتبار لا يؤمن عليه نفس البلاء الذي أصابهم أو نفس جنس البلاء عموما و أن أرضهم و آثارهم ملعونة ، أما متى وقعت اللعنة بأرضهم و هل وقعت قبل أم بعد العذاب فلم يأت فيه دليل أعلمه و الأقرب أن اللعنة تحل قبل نزول العذاب حين يؤمر الأنبياء و الصالحون بالمغادرة لأنهم كانوا قبل ذلك من سكانها و الله أعلم.
و لا يجوز دخول أرضهم على وجه السياحة و التعجب بل لا يجوز إلا على وجه العبرة و الخشية و البكاء.
و تفصيل المسألة و أدلتها فيما يلي :
1 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم "حديث متفق عليه و اللفظ للبخاري و في رواية " ثم قنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي".
2 - وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة . متفق عليه و اللفظ للبخاري.
قالوا : و ذلك في غزوة تبوك
3 - قال النووي: ومثله الاسراع فى وادى محسر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك .اه
4 - عن أبي كبشة الأنماري قال : لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أرض الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فنادى الناس : " الصلاة جامعة " قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ممسك بعيره وهو يقول : " ما يدخلون على قوم غضب الله عليهم ؟ " . فناداه رجل : تعجب منهم يا رسول الله ؟ قال : " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله عز و جل لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء "
قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط.
و قال بن كثير: اسناده حسن.
قلت (أبو يوسف) :و كلام الهيثمي أقوى قال محمد بن عبد الله بن نمير(ثقة حافظ فاضل) : كان ثقة ، فلما كان بآخره اختلط ، سمع منه عبد الرحمن بن مهدى ، و يزيد بن هارون ، أحاديث مختلطة ، و ما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم .
و هذا الحديث في مسند أحمد من رواية يزيد بن هارون عنه.
و في الآحاد و المثاني : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا عفان نا مبارك بن فضالة قال سمعت الحسن حدثني عبد الله بن قدامة عن السعدي وكان السعدي امرؤ صدق ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى على وادى ثمود فقال لأصحابه أخرجوا فإنه واد ملعون خشيت ان لا تنجوا حتى يصيبكم كذا وكذا
5 – قال تعالى "و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون و آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها و ما نرسل بالآيات إلا تخويفا"
قال المفسرون : فإن أقوام الرسل إذا طلبوا الآيات فأعطوها فكفروا لزمهم العذاب و غرض إرسال الآيات تخويف الخلق.
قلت (أبو يوسف) : فإذا مر بتلك الآية – أعنى العذاب الواقع- من لا يخاف و لا يتعظ فهو عرضة للعذاب.
و الذي يظهر أن نزولهم على أرض ثمود لم يكن بأمر النبي صلى الله عليه و سلم بل لما حدث أمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بما أمرهم به فربما نزلوا في مكان مجاور لقرية ثمود و لكن في نفس أرض الحجر أو أنهم كانوا متقدمين في السير فنزلوا في أرض ثمود بدون إعلام النبي صلى الله عليه و سلم .
وردت روايات مغموزة الأسانيد تعضد ذلك و رغم ضعف الأسانيد إلا أنها تزيل الإشكال الحاصل بين النهي عن الدخول عليهم و بين نزول المسلمين مع النبي صلى الله عليه و سلم في أرضهم و تتقوى إن شاء الله ببعضها البعض :
أ – حديث أبي ذر و فيه :"أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فأتوا على واد فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم إنكم بواد ملعون فأسرعوا و قال من أعتجن عجينة أو طبخ قدرا فليكبها.
ب – حديث أبو الشموش البلوى رضي الله عنه " كنت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فَوَجَدَنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قد نزلنا على بئر ثمود فعجنا و أستقينا............." الحديث
ج – حديث بن عمر"نزل ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم على الحجر فاستقوا و عجنوا ثم جاء رسول الله فأمرهم أن يهريقوا أسقيتهم و يعلفوا عجينهم الأبل وأمرهم أن ينزلوا على بئر ناقة صالح و يسقوا منها".
د – و في مسند البزار: حدثنا محمد بن معمر ، قال : نا مسلم ، قال : نا حماد بن سلمة ، قال : أنا علي بن زيد ، قال : قال لي الحسن : سل عبد الله بن قدامة بن صخر عن هذا الحديث فلقيته على باب دار الإمارة فسألته فقال : زعم أبو ذر أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فأتوا على واد فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم : « إنكم بواد ملعون فأسرعوا فركب فرسه فدفع ودفع الناس » ثم قال : « من اعتجن عجينه أو من كان طبخ قدرا فليكبها ثم سرنا » ثم قال : « يا أيها الناس ، إنه ليس اليوم نفسا منفوسة يأتي عليها مائة سنة فيعبأ الله بها شيئا » وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد
فيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف ضعف ليس بالشديد و فيه عبد الله بن قدامة بن صخر ولم أعرفه وبقية رجاله وثقوا و ربما كان عبد الله بن قدامة هو أبو صخر العقيلي و هو صحابي و يكون الحمل في الحديث على علي بن زيد.
و في الأحاد و المثاني : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا عفان نا مبارك بن فضالة قال سمعت الحسن حدثني عبد الله بن قدامة عن السعدي وكان السعدي امرؤ صدق ان النبي صلى الله عليه وسلم اتى على وادى ثمود فقال لأصحابه أخرجوا فإنه واد ملعون خشيت ان لا تنجوا حتى يصيبكم كذا وكذا.
قلت (أبو يوسف) :مبارك بن فضالة يدلس و يسوي و هذا الطريق و الذي قبله يصحح نسبة الحديث للحسن البصري و إن كان عبد الله بن قدامة هو الصحابي و رواه عن السعدي الصحابي فالحديث حسن.
و في مسند البزار: عن سمرة بن جندب " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان ينهاهم يوم ورد ثمود عن ركية ( بئر ) عند جانب المدينة أن يشرب منها أحد أو يستقي ونهانا أن نتولج بيوتهم ".
قال الهيثمي: وفيه يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف.
و في سير أعلام النبلاء: أنبأنا الفخر علي، أنبأنا ابن طبرزذ، أنبأنا عبد الوهاب، أنبأنا ابن هزارمرد، أنبأنا ابن حبابة، حدثنا البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرني أبو الاشهب، عن أبي نضرة، قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوادي ثمود، فقال: " أسرعوا السير " فإن هذا واد ملعون " قال الذهبي : هذا مرسل جيد.
و قد وردت رواية ضعيفة مخالفة ففي مجمع الزوائد عن سعد بن أبي وقاص قال :" نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجر واستقى الناس من بئرهم ثم راح منها فلما استقر أمر الناس أن لا يشربوا من مائها ولا يتوضؤوا منها وما كان من عجين عجن من مائها أن يعلف ففعل الناس ".
قال الهيثمي:رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الرحمن بن بشير الدمشقي ضعفه أبو حاتم.
أيضا ورد حديث ضعيف في شأن أبي رغال أنه رجل من ثمود كان في الحرم وقت نزول العذاب بهم فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابهم و أن علامة قبره غصن من ذهب فيه فلما سمع الناس ابتدروا قبره ينبشونه و كما أسلفت لم يصح.
بقيت مسألة و هي حكم مشاهدة صور سواء الثابتة أو المتحركة كالفيديو لأراضي المعذبين و أحوالهم ففيها وجهان:
الأول :التحريم و دليله :
1 - أن مشاهدة صورهم كدخول أرضهم و قد ورد فيه النهي .
2 - أن سبب نزول العذاب عدم الاتعاظ حال مشاهدة ما حل بهم لأن غرض إرسال الآيات التخويف و قد حد الشارع حدا له أى الاعتبار و هو البكاء فإذا لم يحدث لم يؤمن البلاء.
الثاني: الإباحة المطلقة أو المشروطة:
أما مشاهدة صورهم على غير جهة العبرة كمشاهدتها للتعجب و نحوه فلا أراها و ذلك حيطة لأن الأمر جد خطير و لما سبق من حديث أبي كبشة رغم ضعفه و أما مشاهدة صورهم حال الخشية و العبرة و البكاء فلا شك في جوازها و أما مشاهدة صورهم على جهة العبرة والخوف و لكن بدون بكاء فيمكن أن يستدل لجوازها بما يلي:
1 – أن تحريم الدخول لأراضي المعذبين و استعمال أشيائهم سببه اللعنة التي حلت بهم و بأرضهم و بأشيائهم و لا يسلم ذلك في الصور أنها ملعونة بل هي صور أشياء ملعونة.
2 – أن مشاهدة صورهم كذكر أخبارهم و لا نعلم أحد من أهل العلم حرم ذكر أخبارهم بل قد جاء القرآن بذكر أخبارهم للعبرة و العظة.
3 – قال تعالى : "قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " و قال سبحانه : "قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ"
و قال عز وجل " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ".
4 – أن النص ورد بتحريم دخول أرضهم و ملابسة أشيائهم و لم يرد فيما سوى ذلك و مشاهدة صورهم كالوقوف بعيدا عن أرضهم و مشاهدتها للعبرة و لم يرد نص بتحريمه و إذا كان للعبرة فهو داخل في الآيات السابقة.
5 – أن النبي صلى الله عليه و سلم قنع رأسه و لم يأمرهم بذلك فدل ذلك على عدم الوجوب فلو التفت أحدهم حوله ليرى آثارهم و هو مسرع للعبرة لم يكن مخالفا للنبي صلى الله عليه و سلم و النبي صلى الله عليه و سلم لم يترك شرا إلا و حذرنا منه
قلت (أبو يوسف) : و المختار أن الأرض ملعونة و اللعنة ترتفع في حق الباكين المعتبرين أما الصور فلا تدخل في النص و لكن لا يؤمن أن يكون حالها كحال دخول أرضهم لأنها صور لأشياء ملعونة والسلامة لا يعدلها شيء و لو تأول أحدهم لرؤيتها للاعتبار و استحضر الخوف من الله و لم يحضره البكاء فظني في الله أنه لا يعاقب متأولا أراد العبرة و العظة و الله أعلى و أعلم و أحكم و أرحم.
*** فائدة أخرى :
وجدت في خلال البحث تحديد لهيئة كبار العلماء لمكان ثمود فرأيت إتماما للفائدة إدراجه:
قالوا: وحيث إن الهيئة لم تجد نصوصا صريحة تحدد المنقطة تحديدا لا يكون للاجتهاد فيه مجال ، وحيث إن ما ذكره بعض أهل العلم بالتفسير والسير - كابن إسحاق وغيره - من تحديد أرض الحجر بثمانية عشر ميلا أو بخمسة أميال لا يمكن الاعتماد عليه في تحليل أو تحريم ما لم يكن معتمدا على ما ثبت من كتاب أو سنة .
وحيث إن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل ينقل ذلك الأصل عن حكمه .
بناء على ذلك فإن الهيئة تقرر ما يأتي :
أولا : منع الإحياء والسكني فيما يلي :
أ - ما كان فيه آثار من جبال وسهول .
ب - الآبار الثمودية .
ج - مجرى الوادي ومفرشه .
وبناء على ما جاء في وصف اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ضوء مشاهداتها لتلك المنقطة ، ما ذكرته في وصفها من آثار ومسميات وجبال ووديان ومساحات وآبار ، وحيث إن آخر بئر ثمودية ظهرت في الجهة الجنوبية من أرض الحجر هي البئر التي بجوار أحد جبال الصينيات ، وأن آخر بئر ثمودية ظهرت في الجهة الشمالية هي ( بئر مزيلقة ) وأن آخر جبل من الجهة الشرقية فيه آثار قائمة هو ( جبال الأثالث ) وأن آخر أثر سكني ظهر في الجهة الغربية هو في ( جبال الخريمات ) وحيث إن الوادي يأخذ مسماه بعد التقاء روافده السبعة ، فيكون تحديد الممنوع إحياؤه والسكني فيما يلي :
يحد جنوبا بجبل الصينيات ، ويمتد الحد شرقا بانعطاف إلى الشمال
حتى يتصل بجبال الأثالث ، بحيث تكون هي وجبال الصانع وبثينة وأبو لوحة وغيرها مما فيه آثار داخلة في الحد ، ثم يمتد الحد من الشرق إلى الشمال بشكل دائري متمش مع حافة مفرش الوادي حتى يتصل بآخر بئر من آبار مزيلقة ، بحث يكون مفرش الوادي وآبار مزيلقة داخلين في هذا الحد ، ثم يمتد الحد غربا بانعطاف نحو الجنوب حتى يتصل بحافة الوادي الشمالية ، ثم يمتد حتى يتصل بمجمع روافد الوادي السبعة ، ويكون هذا الملتقى حدا غربيا للممنوع ، ثم ينعطف الحد نحو الشرق ، ممتدا مع حافة الوادي الجنوبية ، حتى يتصل بمفيض الوادي إلى أرض العذيب ثم يتجه الحد جنوبا مارا بجبال الخريمات بحيث تكون داخلة في المحدود حتى يتصل بجبال الصينيات .
أما بئر الناقة فقد وردت الأحاديث الصحيحة في جواز الاستقاء منها والنزول حولها للاستقاء ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نزل بأصحابه عندها ، واستقوا من مائها ، وكذلك المرور من أرض الحجر فقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم ومعه كثير من أصحابه في طريقهم إلى تبوك ، إلا أنه ينبغي الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فقد قنع رأسه ، وزجر راحلته حتى اجتاز الوادي .
ثانيا : ما عد ذلك مما كان خارجا عما هو منوه عنه أعلاه وداخلا في محيط سلسلة الجبال القائمة - فإن الهيئة تقرر بالأكثرية جواز إحيائه والسكنى فيه ؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل الحظر ، وبالله التوفيق .
وصلى الله على محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – الخوف من الله.
2 – الاستغفار "و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون".
3 – تدبر عظمة قدرة الله و ضعف البشر الشديد و تدبر أن قوة البشر لا تساوي شيئا في قدرة الله و أنهم إن صالوا و جالوا مع فجورهم فهو إمهال مؤقت و يوشك الأمر أن ينقلب عليهم.

تفسير سورة الملك | الآية التاسعة عشر
"أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ" الآية :19

*** و وجه تسلسل الآيات :
أنه سبحانه عظم نفسه ثم ذكر عاقبة كل من الفريقين و بين لعباده نعمته السابغة عليهم و استنكر عليهم أمنهم و قد كفروا به مع إحاطته بهم و قدرته البالغة عليهم و سابق سنته فيمن مضى منهم ثم لفت أنظارهم إلى قدرته العظيمة على خرق العوائد المتمثلة في أحد خلقه و هو الطير الذي يخرق قانون الجاذبية بما يسره الله له من أسباب مع ضعف عقله و بدنه مقارنه بالإنسان.
فلو كان تكذيبهم لأنهم جهلوا العقاب بعد الموت فقد وعظهم الله بعذاب الآخرة و إن كان تكذيبهم لعدم إلفهم العقوبات في الدنيا أو شكهم في القدرة فكم أهلك الله من أمم من قبلهم فمن لا يتدبر فلينظر بأم عينه و الطيور فوق رؤوسهم دليل على القدرة و خرق العاده وناسب ذلك الاعتبار بالطير إذ قد تقدمه ذكر الحاصب وقد أهلك الله أصحاب الفيل بالطير والحاصب الذي رمتهم به ففيه إذكار قريش بهذه القصة وأنه تعالى لو شاء لأهلكهم بحاصب ترمي به الطير كما فعل بأصحاب الفيل.
و أيضا لما خوف الله سبحانه الكفار في الآيات السابقة أكد ذلك التخويف بالمثال والبرهان أما المثال فهو أن الكفار الذين كانوا قبلهم شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم كما في الآية السابقة و أما البرهان فهو ما ورد في هذه الآية و ما يليها.
و قيل الآية عطف على جملة {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً} [الملك: الآية15] استرسالا في الدلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات.
والإنسان يألف ما يرى و لا ينتبه للإعجاز فيه بل يألفه و قال بعض الفضلاء أنه رأى أحدهم حين رأى البحر و لم يكن رآه من قبل قال : فرأيت منه عجبا لا يبلغ عجب من هو معتاد رؤيته معشاره .

*** والطير فيه خرق للعادات المألوفة بين البشر فهو على دقته يستطيع التغلب على الجاذبية التي تقهر أغلب الأحياء و يطير في الهواء و رغم أنه ليس الإنسان بل و كثير من الأحياء يفوقونه في العقل و القوة إلا أنهم لا يستطيعون فعله و من الطيور من يقطع ألاف الكيلومترات ذهابا و إيابا و يقطع البحار و لا يضل عن منزله الأول و لا يضعُف في وسط الطريق فيسقط في البحار الشاسعة .
و قال علماء الطبيعة أن هذه الطيور المهاجرة بها بوصلة صغيرة تحدد بها اتجاهها فلا تضل و لا يؤثر وجود السحب و الغيوم و عدم إمكان الرؤيا على هذا التحديد إلى جانب ملايين الخلايا الدماغية التي تُعينها على حسابات عملية الطير المعقدة بين الانقباض و الانبساط و ركوب الرياح و عدد الرفرفات في الدقيقة و في بعض الطيور في الثانية الواحدة و هذه إشارة عاجلة و الطيور علم يصنف فيه المصنفات.

*** الإستفهام في الآية إنكاري .

*** " صافات و يقبضن ":
أ – الآثار:
أخرج السيوطي في دره المنثور عن مجاهد : { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات } قال : يبسطن أجنحتهن { ويقبضن } قال : يضربن بأجنحتهن.
" صافات " :
باسطة أجنحتها صافتها حتى كأنها ساكنة أو باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً.
" ويقبضن " :
ويضممن الأجنحة إلى جوانبهن وهاتان حالتان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى.
ب – اللغة:
قال بن منظور:الصَّفُّ السَّطْرُ المُسْتَوي من كل شيء معروفٌ وجمعه صُفُوفٌ وقوله عز وجل والصافَّاتِ صَفّاً قيل الصافَّاتُ الملائكةُ مُصْطَفُّونَ في السماء يسبحون اللّه تعالى ومثله وإنا لنحن الصَّافُّون.
والصَّف موقف الصُّفوفِ والصَّفُّ في القرآن المُصَلَّى وهو من ذلك لأَن الناس يَصْطَفُّون هنالك قال اللّه تعالى ثم ائْتُوا صَفّاً مُصْطَفّين فهو على هذا حال قال الأزهري معناه ثم ائْتُوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتِكم يقال ائْتِ الصفَّ أَي ائْتِ المُصَلَّى قال ويجوز ثم ائْتُوا صفّاً أَي مصطفين ليكون أَنْظَم لكمْ وأَشدّ لهَيْبَتِكم .
والطير الصَّوافُّ التي تَصُفُّ أَجْنِحتَها فلا تحركها .
وفي حديث البقرة وآل عمران كأَنهما حِزْقانِ من طَيْر صَوافَّ باسِطاتٍ أَجْنِحَتَها في الطيران والصوافُّ جمع صافّةٍ
وقوله تعالى والطيرُ صافَّاتٍ باسِطاتٍ أَجْنِحَتها والبُدْنُ الصَّوافُّ المصفوفة للنحر التي تُصَفَّفُ ثم تُنحر وفي قوله عز وجل فاذكروا اسم اللّه عليها صَوافَّ منصوبة على الحال أَي قد صَفَّتْ قَوائمها فاذكروا اللّه عليها في حالِ نحْرها صوافَّ قال ويحتمل أَن يكون معناها أَنها مُصْطَفّةٌ في مَنْحَرِها وعن ابن عباس في قوله تعالى صوافّ قال قياماً وعن ابن عمر في قوله صوافّ قال تُعْقَلُ وتقوم على ثلاث وقرأَها ابن عباس صَوافِنَ وقال معقولة .
ج – أقوال العلماء:
قال بن عاشور :
{صافات} وهو وصف بوزن اسم الفاعل مشتق من الصف وهو كون أشياء متعددة متقاربة الأمكنة وباستواء وهو قاصر ومتعد يقال: صفوا بمعنى اصطفوا كما حكى الله عن الملائكة {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} [الصافات:165] وقال تعالى في البدن: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 36]- قلت (أبو يوسف) : هذا أحد الوجهين و الوجه الأخر صواف أي قياما قد صفت قوائمها سبق ذكره في كلام بن منظور - ويقال: صفهم إذا جعلهم مستوين في الموقف وفي حديث ابن عباس في الجنائز مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر منبوذ إلى قوله "فصفنا خلفه وكبر" .
والمراد هنا أن الطير صافة أجنحتها فحذف المفعول لعلمه من الوصف الجاري على الطير إذ لا تجعل الطير أشياء مصفوفة إلا ريش أجنحتها عند الطيران فالطائر إذا طار بسط جناحيه أي مدها فصف ريش الجناح فإذا تمدد الجناح ظهر ريشه مصطفا فكان ذلك الاصطفاف من أثر فعل الطير فوصفت به وبسط الجناحين يمكن الطائر من الطيران فهو كمد اليدين للسابح في الماء.
{ويقبضن} :
والقبض: ضد البسط. والمراد به هنا ضد الصف المذكور قبله إذ كان ذلك الصف صادقا على معنى البسط ومفعوله المحذوف هنا هو عين المحذوف في المعطوف عليه أي قابضات أجنحتهن حين يدنينها من جنوبهن للازدياد من تحريك الهواء للاستمرار في الطيران.
قلت (أبو يوسف): و من نظر في جو السماء رأى الطيور تطير صفوفا منتظمة متراصة ثم تنقبض هذه الصفوف ثم تعود لتنبسط مرة أخرى و هي في انبساطها و انقباضها تُكون أشكال هندسية رائعة و لوحات فنية خلابة يتجلى فيها إعجاز الخالق .

*** قال أبو حيان :وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه ومثله قوله تعالى : { فالمغيرات صبحاً فأثرن } عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى : فاللاتي أغرن صبحاً فأثرن ومثل هذا العطف فصيح وعكسه أيضاً جائز إلا عند السهيلي فإنه قبيح نحو قوله :
بات يغشيها بغضب باتر . . . يقصد في أسوقها وجائر
أي : قاصد في أسوقها وجائر.

*** قال الزمخشري:فإن قلت : لم قيل { ويقبضن } ولم يقل : وقابضات؟ قلت : أصل الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها.
وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح. انتهى.
قال أبو حيان :وملخصه أن الغالب هو البسط فكأنه هو الثابت فعبر عنه بالاسم والقبض متجدد فعبر عنه بالفعل .
قال بن عاشور : وجيء في وصف الطير بـ {صافات} بصيغة الاسم لأن الصف هو أكثر أحوالها عند الطيران فناسبه الاسم الدال على الثبات وجيء في وصفهن بالقبض بصيغة المضارع لدلالة الفعل على التجدد أي ويجددن القبض أجنحتهن في خلال الطيران للاستعانة بقبض الأجنحة على زيادة التحرك عندما يحسن بتغلب جاذبية الأرض على حركات الطيران ونظيره قوله تعالى في الجبال والطير: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} لأن التسبيح في وقتين والطير محشورة دوما.
وأوثر الفعل المضارع في {يقبضن} لاستحضار تلك الحالة العجيبة وهي حالة عكس بسط الجناحين إذ بذلك العكس يزداد الطيران قوة امتداد زمان.

*** " ما يمسكهن إلا الرحمن " : أي بقدرته قال الزمخشري : وبما دبر لهن من القوادم والخوافي وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد يأتي منها الجري في الجو.
قال بن عاشور : وجملة {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} مبينة لجملة {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ} وما فيها من استفهام إنكار أي كان حقهم أن يعلموا أنهن ما يمسكهن إلا الرحمن إذ لا ممسك لها ترونه كقوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ} [الحج: 65].
وفي هذا إيماء إلى أن الذي أمسك الطير عن الهوي المفضي إلى الهلاك هو الذي أهلك الأمم الذين من قبل هؤلاء فلو لم يشركوا به ولو استعصموا بطاعته لأنجاهم من الهلاك كما أنجى الطير من الهوي.
ومعنى إمساك الله إياها: حفظها من السقوط على الأرض بما أودع في خلقتها من الخصائص في خفة عظامها وقوة حركة الجوانح وما جعل لهن من القوادم وهي ريشات عشر هي مقاديم ريش الجناح وفي الخوافي وهي ما دونها من الجناح إلى منتهى ريشه وما خلقه من شكل أجسادها المعين على نفوذها في الهواء فإن ذلك كله بخلق الله إياها مانعا لها من السقوط وليس ذلك بمعاليق يعلقها بها أحد كما يعلق المشعوذ بعض الصور بخيوط دقيقة لا تبدو للناظرين.

*** قال في البحر :وقرأ الجمهور : ما يمسكهن مخففاً والزهري مشدداً.

*** قال الرازي: قال تعالى في النحل [ 79 ] : { أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات في جَوّ السماء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله } وقال هاهنا : { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن } فما الفرق؟
ذكر العلماء وجهان :
الأول : ذكر سبحانه في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية وذكر ههنا أنها صافات وقابضات فكان إلهامها إلى كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن .
و الثاني : فسورة النحل رابعة قبل سورة الملك فلما أوقظت عقولهم فيها للنظر إلى ما في خلقة الطير من الدلائل فلم يتفطنوا وسلك في هذه السورة مسلك الإطناب.

*** قال تعالى: "ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون" و قال سبحانه:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ".

*** قال الرازي: هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله قلنا : نعم وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير .
ثم إنه تعالى قال : { مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن } فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى .
قلت (أبو يوسف) :و في هذه الآية دلالة لأهل السنة و الجماعة في قولهم إن الله سبحانه خلق أفعال العباد و خلق الأشياء بأسبابها فخلق القطع بالسكين و خلق الولد بفعل الوالدين و خلق النبات بالماء و الغيث بالسحاب و هكذا ووجه الدلالة هنا أن الله سبحانه قال "ما يمسكهن إلا الرحمن" و الطير في السماء لا يطير بمعجزة خاصة لا تشمل غيره بل يطير طبقا للسنن الكونية التي أودعها الله في أرضه و لكن الله سبحانه هيأ له تلك الأسباب بما أودعه في خلقته ما يناسب ذلك الأمر الذي أراده الله منه .
و قال نبي الله إبراهيم صلى الله عليه و سلم :" والذي هو يطعمني و يسقين * و إذا مرضت فهو يشفين * و الذي يميتني ثم يحيين" و ذلك بأن هيأ الله له أسباب ذلك و سخرها له و أوصل له رزقه بها و بأن يسر له الشفاء بسببه و هو الذي يميته بأن يتوفاه ملك الموت ثم يحيه بما شاء من الأسباب.
و الخلاصة أن الله سبحانه يخلق الشيء بسببه و الأسباب لا تعارض القضاء و القدر بل هي منه و لو شاء الله لأبطلها فهو خالقها و نسبة الشيء للرب نسبة حقيقية كما في هذه الآية و غيرها و الله أعلم .
و تأمل هنا في المعنى الشرعي الذي تسوقه الآية فالطيور تبسط أجنحتها و تضمها و هي أسباب الطيران –و معلوم أن هذه الأسباب الكونية عامة من أخذ بها سخرها الله له في غالب حال الناس كالطائرات و نحوها - و لكن الله وحده هو الذي يمسكها فهو خالقها و ملهمها و خالق الأسباب و مودعها منافعها فلذلك لا يمسكها غيره.
و الطائرة تطير و الله سبحانه هو من أمسكها في جو السماء و السفينة تسير على الماء و الله سبحانه من سيرها عليه و الإنسان يسعى و يكد و الله سبحانه وحده يرزقه و يطعمه و يسقيه و الرجل يتداوى و الله وحده يشفيه هو سبحانه خلقه و خلق فعله و خلق الأسباب وأودعها منافعها و أمره بها و أوصله بها لمراده منها و كم من آخذ بالأسباب لم يصل لمراده و الله عليم حكيم.

*** و في الآية فائدة رائعة و نكتة ثمينة و هي أنه ينبغي للمرء ألا يكتفي في أمره بأن ينظر للأسباب بل في كل أمره ينظر إلى ما وراء الأسباب فالأسباب ما هي إلا ستار وراءه قدرة الله سبحانه و إرادته و مشيئته النافذة ما شاءه سبحانه كان و يكون و سيكون و ما لم يشأ لم يكن و لن يكون إلا أن يشاء سبحانه فيتدبر المرء في نفسه و تنقله في أحوال الدنيا و يرى قدرة الله فيه و ربما حرص المرء على أمر و سعى إليه وسعه و لم يوفق له و تعجب من أمره فلما مرت الأيام رأى أن الله صرفه عنه لأنه أراد له خير منه و يتدبر المرء فيما حوله و يعلم أن من وراءه قدرة الله سبحانه و إن كان فيه ما لا يرضاه الله شرعا و لا يأمر به و لا يحبه و لكنه قدره لمصالح أعلى و أعظم و هو الحكيم الحميد و أن الأمر وراءه ما وراءه و لا يقف عند مجرد الشر الحاصل مؤقتا.
فكل موجود هو مراد لله سبحانه إما قدرا و إما شرعا و القدري الذي أوجده الله سبحانه و هو لا يرضاه إنما هو لمصلحة أعلى منه تطغي على مفسدته و لله الأمر من قبل و من بعد .
و الإشارة اللطيفة في قوله تعالى "إلا الرحمن " لبيان أن الأمر يتم على وجه الرحمه و ليس على وجه الملك و الإلهية فقط.

*** و تسلسل الآيات كما أسلفنا لبيات قدرة الله على خلقه من وجوه مختلفة و متباينة و تستمر الآيات التالية لبيان وجوه أخرى حتى يصل الإنسان إلى الاقتناع التام بالدليل على قدرة الله البالغة من كل وجه و ناحية فيقوده ذلك للتسليم التام لربه و الانقياد لشرعه.
فالله سبحانه قادر على إنزال العذاب فلا وجه للأمن من مكره و قد كفروا به و الله سبحانه كم أهلك من القرى الكافرة فلو شكوا في هذا الوعيد فلينظروا بأعينهم إلى هلاك الأمم و قد سلف بسط هذا.
أما الآية التي بين أيدينا ففيها إشارة إلى التأمل في خلق الله و قدرته فيهم حيث ضرب مثالا بالطير الذي يخرق الجاذبية بما ألهمه الله من أسباب ثم أكدت الآية
أنه لا يمسكه في جو السماء إلا الله رغم أنه ذكرت الأسباب إلا أنها عقبت عليها بأن الإنسان ينبغي ألا يغتر بها بل ينظر إلى ما ورائها فهو الذي أمسكها.
و الطير مثال و مثله من مخلوقات الله العجيبة التي تتجلى فيها القدرة كثير فمنها الأسماك التي تحيا في المياه و تسبح فيها رغم عدم وجود الهواء و هي على النقيض من البشر تختنق إن أخرجتها للهواء فتدبر أمرها و أعلم أن الذي سيرها البحر هو الله وحده.
و من الكائنات من يعيش في البر و البحر و منها من يطير و يمشي على الأرض و منها و منها .
و كل ذلك من مظاهر القدرة فالإنسان ينظر للسنن الكونية حوله و رسوخها و ثباتها و عدم تغيرها فيغتر بها و ربما نسب الأمور إليها و الآية تبرهن بالمثال أن الله يخرقها بما شاء من الأسباب و الله سبحانه من وراء تلك الأسباب فنسبة الفعل له سبحانه حقيقية.

*** " إنه بكل شيء بصير " :
1 – من البصر فهو يرى الأمور على حقيقتها و بكل تفاصيلها و دقائقها.
2 – من البصيرة فهو سبحانه يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب و أيهما أحكم و أنسب في الخلق و التدبير.
قال بن عاشور : والبصير: العليم مشتق من البصيرة فهو هنا غير الوصف الذي هو من الأسماء الحسنى في نحو: السميع البصير وإنما هو هنا من باب قولهم: فلان بصير بالأمور وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44] فهو خبر لا وصف ولا منزل منزلة الاسم وتقديم {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} على متعلقه لإفادة القصر الإضافي وهو قصر قلب ردا على من يزعمون أنه لا يعلم كل شيء كالذين قيل لهم {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} [الملك: 13].

*** و التعقيب بقوله سبحانه "إنه بكل شيء بصير" يخبرك أن خلق المخلوقات و تدبير الأمور و تصريف الأحوال إنما هو ببصر الله و بصيرته و رحمته لا يفوته سبحانه شيء من ذلك دق أو جل فهو شفاء للصدور فإنك ترى الأمر من المعصية أو الشر فيوسوس لك الشيطان ليقودك إلى طريق من اثنين :
1 – إنكار القدر كما قعلت القدرية و قالوا أن الأمر أنف و أن لا قدر و قالوا :أيشاء الله أن يعصى؟
فإن نجوت جاءك من طريق:
2 - الطعن في الأسماء و الصفات و التشكيك في الحكمة.
و هنا الآية تخبرك أن الأمر كله ببصر الله و بصيرته و رحمته لحكم و علل ربما علمت منها و ربما لم تعلم و لا تستطيع الزعم أنك محيط بها فسلم الأمر و استسلم لله و الله سبحانه أحق أن يوثق به و يركن إليه و نسأله سبحانه العافيه.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – أن يتأمل العبد في مظاهر إحاطة قدرة الله به التي ورد ذكرها في الآيات السابقة.
2 – التأمل في خلق الطير و ما فيه من الإعجاز و صورته البديعة أثناء طيرانه و ما فيها من آثار قدرة الله.
3 – الدليل على أن أفعال العبد الاختيارية مخلوقة لله .
4 – أن يعلم العبد أن الأسباب لا تنفع بذاتها بل بقدرة الله و الله سبحانه وحده هو المتصرف في ملكه و لا يكون إلا ما يشاء و الله يقدر كونا الخير و الشر أما الخير فلأنه يحبه و يرضاه و أما الشر فلعلمه سبحانه أنه يترتب عليه خير أعظم منه و الله عليم حكيم.
5 – أن يعلم المرء أن كل قضاء في الكون إنما هو ببصر الله و بصيرته و فيه من الحكم و المصالح ما نعلم وما نجهل فيستلم لربه و لا يتهمه في قضاءه و يثق به و يأخذ بما أمر من الأسباب و لا يؤمن بها و يحمد الله على النعم.
6 – أن يدرك المرء أن التدبير من وراء الأسباب إنما يتم على جهة الرحمة.

تفسير سورة الملك | الآية العشرون
"أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ"
الآية :20

*** قال الرازي:اعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان ، ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان تعويلهم على شيئين:
أحدهما : القوة التي كانت حاصلة لهم بسبب مالهم وجندهم .
الثاني : أن

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 8:24 pm

الثاني : أنهم كانوا يقولون : هذه الأوثان ، توصل إلينا جميع الخيرات ، وتدفع عنا كل الآفات.
وقد أبطل الله عليهم كل واحد من هذين الوجهين ، أما الأول فبقوله : { أَمَّنْ هذا الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن } وهذا نسق على قوله : { أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء } [ الملك : 17 ] والمعنى أم من يشار إليه من المجموع ، ويقال : هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الله إن أرسل عذابه عليكم.

*** "أم":
"أم" منقطعة وهي للاضطراب الانتقالي من غرض إلى غرض فبعد استيفاء غرض إثبات الإلهية الحق لله تعالى بالوحدانية وتذكيرهم بأنهم مفتقرون إليه، انتقل إلى إبطال أن يكون أحد يدفع عنهم العذاب الذي توعدهم الله به فوجه إليهم استفهام أن يدلوا على أحد من أصنامهم أو غيرها يقال فيه هذا هو الذي ينصر من دون الله، فإنهم غير مستطيعين تعيين أحد لذلك.
و"أم" المنقطعة لا يفارقها معنى الاستفهام، و قد يكون مصرحا به كما في الآية أو مقدرا و هو الأكثر .
و قيل "أم" هنا بمعنى بل خاصة لأن الذي بعدها هو اسم استفهام في موضع رفع على الابتداء ، وهذا خبر .
وقرأ الجمهور : { من } ، بإدغام ميم أم في ميم من ، إذ الأصل أم من .
وقرأ طلحة : أمن بتخفيف الميم ونقلها إلى الثانية كالجماعة.

*** قال بن عاشور: وجيء بالجملة الاسمية {الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ} لدلالتها على الدوام والثبوت لأن الجند يكونوا على استعداد للنصر إذا دعي إليه سواء قاتل أم لم يقاتل لأن النصر يحتاج إلى استعداد وتهيؤ .
فالمعنى: ينصركم عند احتياجكم إلى نصره، فهذا وجه الجمع بين جملة {هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ} وجملة {يَنْصُرُكُمْ} ولم يستغن بالثانية عن الأولى.

*** "أمن هذا الذي ينصركم من دون الرحمن":
1 - من هو ناصركم إن ابتلاكم بعذابه؛ وكذلك من هو رازقكم أن أمسك رزقه ، والمعنى : لا أحد ينصركم ولا يرزقكم.
2 - قال صاحب اللوامح : ومعناه : أهذا الذي هو جند لكم ينصركم ، أم الذي يرزقكم؟ فلفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه التقريع والتوبيخ.
3- من ينصركم إلا الله هو الذي نصركم و هزم عدوكم.

*** {دون} أصله ظرف للمكان الأسفل ضد فوق، ويطلق على المغاير فيكون بمعنى غير على طريقة المجاز المرسل.

*** و قد أبلغت السورة في دحض حجة المكذبين و الجاحدين لإلوهية الله سبحانه ووجوب الإيمان به و التسليم لشرعه و حكمه و قد جاءت السورة بالحجج من كل حدب و صوب و ساقت الأدلة الباهرة و الحجج المفحمة التي يكفي كل منها للتسليم بداية من عظيم ملك الله و تنزهه سبحانه عن كل سوء و مرورا بالأمر بالنظر في دقة إحكام الملك و روعة و جمال الخلق و أن الأمر لا ينتهي في الدنيا بل لا بد من حساب دقيق و جزاء عادل و أن كل من كفر بالله سيندم أشد الندم و لات حين مندم و كل من أطاع الله سبحانه سيوفى جزاء عظيما و أن الله سبحانه العليم بأحوال العباد و ما يجيش في صدورهم بل هو خالقهم و خالق و خالق أعمالهم فكيف يجحدوه .
هم ضعفاء عجزه و لكن الله بفضله سخر لهم و فضلهم حتى عاشوا على الأرض كالملوك لها و هم عبيد أفأمنوا انقلاب تلك القدرة عليهم بأن يخسف بهم أو تمطرهم السماء الحجارة أو غير ذلك أو لم يسيروا في الأرض فينظروا في عاقبة الأمم من قبلهم أو ينظروا في قدرة الله في خلقه و كيف ميز بعضهم بصفات يعجز عنها الآخرون ثم انتقل السياق بنا إلى هذا السؤال الهام:
من هذا الذي هو جند للكافرين ينصرهم من دون الرحمن؟
و المعنى إما :
1 – من هذا الذي هو جند للكافرين ينصرهم من الله إن أراد عقابهم؟
أو:
2 – من هذا الذي ينصر الخلق إلا الله سبحانه؟ فما النصر إلا من عند الله.
و المعنى الأول أقرب للسياق و هو معنى مسلم به عند أكثر الخلق و المعنى الثاني صحيح و قد يجحده بعض الكافرين.
و قد أتخذ بعض الخلق من دون الله أولياء فمنهم من أتخذ الشياطين أولياء و منهم من أتخذ الملائكة أو الصالحين و منهم من أتخذ الأوثان و الآلهة الباطلة و منهم من أتخذ الأحبار و الرهبان و منهم من ركن لجنده و سطوته و ملكه و ماله.
فهل في أولئك جميعا من هو جند صالح لدفع بأس الله سبحانه و عقابه؟
إن اللبيب بل العاقل إذا علم أنه في سلطان ملك قاهر لا يقهر و قهره بحق ليس بباطل و أن له رحمة عظيمة تفوق الوصف استجاب له و خضع له غاية الخضوع.
فهل إذا حارب الله سبحانه الخلق بملائكته و جنده هل هناك جند صالح للوقوف أمامهم؟ إن الكافرون إلا في غرور.
و هل يعقل أن المخلوق الضعيف الذي لا يملك نصر نفسه يتعرض لعداوة و حرب الله سبحانه الذي بيده الملك ينصر من يشاء و يخذل من يشاء؟
فكيف يتسنى لعاقل أن يحارب من النصر بيده وحده؟
فتلك هي الحجة الباهرة في الآية و كما أسلفنا فهي حلقة في سلسلة الحجج و البراهين الدامغة في السورة.

*** و تدبر مليا في وصف الله نفسه في هذه الآية بالرحمن فهو الملك القهار الذي وسعت رحمته كل شيء .
أنتم الضعفاء العجزة و لا بد لكم من ناصر و هو القوي القادر الذي لا ينتصر منه بل هو غالب على أمره و هو مع ذلك أرحم الراحمين فمن ترجون و تطلبون خيرا منه و كيف لا يخضع لمن هذا وصفه؟
هو النصير الذي ينصر من يشاء و ليس لأحد غيره أبدا من ذلك الأمر شيء و هو مع ذلك أرحم بعبده من أمه وأبيه فكيف لا تسلمون له و أنتم في أشد الحاجة لنصره و مع ذلك تتعرضون لحربه؟
فإذا نظرت في هذا وجدت أمور:
1 – أن تدبير أمور الخلق و نصرهم و هزيمتهم إنما تتم على وجه الرحمة بهم و المرء لا يحيط بالأمور علما فقد يكره الأمر و قد قدره الله سبحانه لأن من وراءه خيرا كثيرا.
2 – أن اجتماع الملك مع الرحمة يجعل العبد أعظم انقيادا و حبا لربه.
3 – أن يتدبر المرء أن كل نصر حصل له إنما كان بقدرة الله و رحمته.

*** و فيه إشارة للملوك و السلاطين أن جمع الرحمة مع الملك من أسباب استقرار الملك و خضوع الخلق و لا يعني ذلك ترك الحزم في موطنه.

*** "في غرور":
1 – في باطل.
أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { إلا في غرور } قال : في باطل . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول حسان :
تمنتك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور
2 - أي من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم .
3 - والغرور: ظن النفس وقوع أمر نافع لها بمخائل تتوهمها، وهو بخلاف ذلك أو هو غير واقع.
والظرفية مجازية مستعملة في شدة التلبس بالغرور حتى كأن الغرور محيط بهم إحاطة الظرف.
والمعنى: ما الكافرون في حال من الأحوال إلا في حال الغرور، وهذا قصر إضافي لقلب اعتقادهم أنهم في مأمن من الكوارث بحماية آلهتهم.

*** *** "إن الكافرون إلا في غرور":
و التعريف هنا في الكافرين للجنس و ليس للعهد فكل الكافرين على هذا الحال و ليس صنفا معهودا منهم بل كلهم على اختلاف ألوانهم و لغاتهم و أزمانهم و أوطانهم
و لو رأيتهم متكبرين متجبرين قاهرين ظالمين فقد علمت ما وراء أمرهم هذا و من خالفوا و لأي ملك تعرضوا و ليس عندهم من ينصرهم بل هم أشد غباء بكثير ممن حارب الأسود الضارية و تعرض لهم و دخل حصنهم بلا قوة و لا نصير فما الأسود إلا مخلوق واحد من خلق الله و ليس أقوى و لا أعظم خلقه بل لو حارب الله الخلق بالذباب لأفسد عليهم و حياتهم و قضى عليهم بل بأدنى من ذلك بالفيروسات و ما يرى بالعين المجردة.
هذه حقيقة غطرستهم و عنجهيتهم الفارغة غرور باطل و أوهام زائفة و غباء و سفه منقطع النظير.
فلا تغتر أنت بهم و بتمكين الله لهم فالأمر وراءه ما وراءه و قد مكن الله سبحانه بعضهم قدرا من إيذاء المؤمنين و مؤمن واحد خيرا عند الله سبحانه من ملء الأرض من أمثالهم.

*** و في إتحاف فضلاء البشر فى القراءات الأربعة عشر :
وقرأ ( ينصركم ) بسكون الراء وباختلاسها أبو عمرو وروى الإتمام عنه الدوري.

*** و الخلق خلق الله لا يحل لهم إلا الاستسلام لأمره و ليس لهم في ذلك خيره فهم ليسوا مالكين بل مملوكين مدبرين لذلك كان المبتلى يقول "إنا لله و إنا إليه راجعون" فالله خالقه و مالكه و إلهه و مدبره و يجب عليه التسليم لحكمه و قدره و لكن المرء لما ينظر إلى رحمة الله البالغة و حكمته في أمره و تنزهه سبحانه عن كل ما فيه أدني عيب و نقص و اتصافه سبحانه بكل جميل على أكمل الصور يجد في قلبه التسليم لربه.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 – تدبر معنى الآية و ثمرته الخضوع لله.
2 – التدبر في غرور الكافرين الذي يثمر النفور من حالهم و الشعور بالاستعلاء عليهم بالإيمان.
3 – جمع الرحمة مع الملك من أسباب استقرار الملك و خضوع الخلق و لا يعني هذا ترك الحزم في موضعه فإن الأمور لا تستقيم إلا بذلك.
4 – طلب النصرة من الله.
5 – الرضا بالعبودية لله سبحانه بل و السعادة بها و سؤال العافية.

تفسير سورة الملك | الآية الحادية و العشرون
"أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو و نفور" الآية:21

*** قال الرازي:والمعنى : من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم ، وهذا أيضاً مما لا ينكره ذو عقل ، وهذا أنه تعالى لو أمسك أسباب الرزق كالمطر والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى : { بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ } والمراد أصروا وتشددوا مع وضوح الحق ، في عتو أي في تمرد وتكبر ونفور ، أي تباعد عن الحق وإعراض عنه فالعتو بسبب حرصهم على الدنيا وهو إشارة إلى فساد القوة العملية ، والنفور بسبب جهلهم ، وهذا إشارة إلى فساد القوة النظرية .

***{أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} :
قال بن عاشور:انتقال آخر والكلام على أسلوب قوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ} [الملك: 20]، وهذا الكلام ناظر إلى قوله: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15] على طريقة اللف والنشر المعكوس.

*** قال في التحرير:وضمير {أمسك} وضمير {رزقه} عائدان إلى لفظ {الرحمن} الواقع في قوله: {مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ} [الملك: 20] وجيء بالصلة فعلا مضارعا لدلالته على التجدد لأن الرزق يقتضي التكرار إذ حاجة البشر إليه مستمرة.
قلت (أبو يوسف) :و رزق الله سبحانه للخلق عظيم و كثير ومتنوع و كم من نعمة يحدثها الله للبشر بعد إذ لم تكن و من تأمل فيه وجد أثر اسم الله الرحمن و علم جانبا من ذلك الاسم العظيم.

*** والرزق: ما ينتفع به الناس، ويطلق على المطر، وعلى الطعام و يدخل في الرزق غذاء الأبدان بالقوت و غذاء الأرواح بالوحي و الهداية .
و الطعام رزق و الكساء رزق و الزوجة رزق و الولد رزق و هكذا.

*** "بل":
1 - قال المبرد بل حكمها الاستدراك أينما وقعت في جحد أو إيجاب.
2 - قال الفراء: بل تأتي لمعنيين:
أ - تكون إضرابا عن الأول وإيجابا للثاني كقولك عندي له دينار لا بل ديناران .
ب - أنها توجب ما قبلها وتوجب ما بعدها وهذا يسمى الاستدراك لأنه أراده فنسيه ثم استدركه .
3 - قال سيبويه: بل مخفف حرف يعطف بها الحرف الثاني على الأول فيلزمه مثل إعرابه وهو الإضراب عن الأول للثاني كقولك ما جاءني زيد بل عمرو وما رأيت زيدا بل عمرا وجاءني أخوك بل أبوك تعطف بها بعد النفي والإثبات جميعا وربما وضعوه موضع رب كقول الراجز:
بل مهمه قطعت بعد مهمه
يعني رب مهمه كما يوضع الحرف موضع غيره اتساعا
وقال آخر :
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت
4 – و قد تأتي بل بمعنى:
أ - إن في قول بعضهم .
ب – في قطع كلام و استئناف أخر.
قال الأخفش عن بعضهم : وقوله عز وجل "ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق" إن بل ههنا بمعنى إن فلذلك صار القسم عليها قال وربما استعملته العرب في قطع كلام واستئناف آخر فينشد الرجل منهم الشعر فيقول بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا ويقول بل وبلدة ما الإنس من آهالها. اهـ

*** قال بن عاشور: و الاستئناف بياني وقع جوابا عن سؤال ناشئ عن الدلائل والقوارع والزواجر والعظات والعبر المتقدمة ابتداء من قوله: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] إلى هنا، فيتجه للسائل أن يقول: لعلهم نفعت عندهم الآيات والنذر، واعتبروا بالآيات والعبر، فأجيب بإبطال ظنه بأنهم لجوا في عتو ونفور.
و {بل}:
أ - للاضطراب أو الإبطال عما تضمنه الاستفهامان السابقان.
أو:
ب - الإنتقال من غرض التعجيز إلى الإخبار عن عنادهم.

*** "بل لجوا في عتو و نفور":
أ – الآثار:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { بل لجوا في عتو ونفور } قال : في الضلال .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : { بل لجوا في عتو ونفور } قال : كفور.
ب – لجوا: قال بن منظور:لج في الأمر تمادى عليه وأبى أن ينصرف عنه.
و قيل المعنى :اشتد في النزاع و الخصومة.
ج – "في": الظرفية مجازية.
د - "عتو": العتو الاستكبار و مجاوزة الحد و التجبر و العاتي :الجبار أو الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل الموعظة .انتهى ملخصا من لسان العرب
ه – "نفور":الشرود و الهروب من الشيء و قيل هو :الاشمئزاز من الشيء و الهروب منه.
وقيل : هذا إشارة إلى أصنامهم و ليس بظاهر.
والمعنى: اشتدوا في الخصام متلبسين بالكبر عن اتباع الرسول حرصا على بقاء سيادتهم وبالنفور عن الحق لكراهية ما يخالف أهواءهم وما ألفوه من الباطل.

*** و هذه الآية استمرار لسياق إقامة الحجج البالغة على المعاندين و التي بدأت من أول السورة و في الآية السابقة كان السؤال الجلي :
إذا كنتم مكذبين لله فهل هناك من ينصركم عليه أو هناك من ينصركم غيره؟ على الوجهين في تفسير الآية و الإجابة القاطعة هي :لا يوجد.
و هنا سؤال أخر متضمن لأمور هامة لا بد من الانتباه لها ؟
و هذه الأمور هي :
1 - أنكم ضعفاء فقراء محتاجين لا تقوم حياتكم إلا برزق و إلا هلكتم.
2 – الله سبحانه هو الرزاق و لا رزاق غيره و هو الذي يرزقكم لتحيوا و إلا لفنيتم .
3 – أن فقركم و حاجاتكم هذه لا تنقطع و رزق الله لكم مستمر أيضا لم ينقطع.
و السؤال:
ماذا لو أمسك الله سبحانه رزقه و منعكم إياه ؟
هل تستطيعون البقاء بدونه؟
كيف تحاربونه و هو ولي نعمتكم الوحيد و لا غنى لكم عنه؟
إن الجيوش إذا حاربت لا بد لها من مؤن فكيف تحاربونه و هو الذي يرزقكم بفضله و رحمته؟
فالحجة ساطعة فو الله لو ضيق الله سبحانه على الخلق فلم يرزقهم من الطعام إلا صنفا واحدا لشق عليهم ذلك فما بالك بسائر الأرزاق التي يسوقها الله لهم من منافع و مطاعم و مشارب و كساء و علوم و أدوات و أموال وصحة و عافية و نساء و أولاد قال سبحانه :"و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".
فالله سبحانه لو قطع عنكم رزقه فقط هلكتم بدون حرب و بدون شيء .
فهذه حقيقة أمركم و حقيقة فقركم إليه و عدم استغنائكم لحظة أو دونها عن فضله و رزقه فكيف تجحدونه و هو يطعمكم و يسقيكم و يصححكم و يعافيكم و يمنحكم و يعطيكم فأي كفر فوق كفركم إن كفرتم به و أي سفه و حمق فوق هذا ؟

*** قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما خلق له" صححه الألباني.
و قال صلى الله عليه و سلم " لا تستبطئوا الرزق ، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له ، فأجملوا في الطلب : أخذ الحلال و ترك الحرام " صححه الألباني.
و هنا إشارة هامة : و هي أن الله سبحانه أباح الميتة للمضطر و أوجب جماهير العلماء على المضطر الذي يغلب على ظنه الهلاك أكلها و أثموه إن لم يفعل – كم نقل شيخ الاسلام بن تيمية في مجموع الفتاوى - فهي هنا من قسم المباح و قد يجب أكلها و ليست من المحرم .
و في تلك الأزمنة الغابرة التي بعدت عن ونور الوحي التي عُبدت فيها الدراهم و الدنانير في كثير من الأماكن و البلاد قد لا يستطيع العائل أن يجد كفايته و كفاية أهله من الحلال المحض لعموم البلوى بانتشار المحرمات و عدم القدرة على إيجاد الحلال المحض و شدة الحاجة فهنا يحتاج الأمر لفتوى في كل حاله فأمور تجوز و أمور تحرم و يستفتى في مثل هذا الحال أهل الاجتهاد من أهل العلم من العلماء الربانين الأثبات و ليس أهل النقل و التقليد .

*** و هنا إشارة لا ينبغي أن نغفلها و هي أن الرزق أمره بيد الله سبحانه وحده لا شريك له و لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فمن أراد الرزق فليعلم أن أمره بيد واحد فقط و هو الله سبحانه فليطلبه منه و كم فتح الله سبحانه من أرزاق بلا أسباب فأوجد الله أسبابها و كم من أسباب للرزق توفرت فلم تغن عن أصحابها شيئا .
و مثال على ذلك الخليج العربي الذي فجر الله من تحته ينابيع الطاقة فأصبحوا من أغنى بقاع الأرض بلا زراعة و لا صناعة و لا أرض خصبة و لا حتى عمل دؤوب و لا تخطيط لذلك الأمر و هيأ الله لهم من الأسباب ما جعل عدوهم يخشى الانقضاض على ما في أيديهم رغم شدة عداوته و مكره و قوته .
و مثال أخر دول فيها الأراضي الخصبة و الأيدي العاملة و الثروات المعدنية و المصانع و أهلها في ضيق العيش .
و الخلاصة أن أسباب الرزق ليست هي الجالبة له بل أمرنا أن نأخذ بها و لكن الأمر يقضى من السماء و كم من ضعيف مستضعف فقير رفعه الله و كم من غني متكبر قصمه الله و كم من رزق عظيم جاء للمرء في وقت لم يتوقعه فيه و قلت أسبابه و كم من سعي للمرء اشتد فيه و لم يدرك أمره و كم من غافل أعطاه الله و كم من حريص منعه الله و لله الأمر من قبل و من بعد له الرحمة و الحكمة و هو أهل الثناء الحسن نسأله من فضله و رحمته .
و الله يعطى الدنيا لمن أحب و لمن لا يحب و ذلك لحكم عظيمة و مصالح عليا فهو الخالق للجميع المدبر لهم على غاية الحكمة و الرحمة و الكمال فلا تغتر بعطاء المجرمين فإن وراءه حسابا عسيرا.
و ما يخصنا هنا هو أمر المسلمين فإن من أعظم الأسباب الجالبة للرزق الطاعة فكما أسلفنا الرزق بيد الله وحده و رضا الله سبحانه في طاعته فالطاعة من أعظم أسباب جلب الرزق.

*** و هنا وصف دقيق لحال القوم من الملأ المكذبين و لو أراد المرء وصف حالهم لم يستطع أن يأتي بمثل هذا الإيجاز الجامع .
و كم سبق و أسلفنا هذا الوصف ليس حال قوم منهم دون قوم أو أهل مصر دون مصر و لا زمان دون زمان بل هو حال الكافرين عموما صفات رديئة اشتركوا فيها يخبرك عنها رب العالمين فلو تدبرتها تجد أشخاصا وصفوا بدقة يكفي النظر البسيط لتعاينهم في الواقع.
فإياك ثم إياك ثم إياك أن تغتر بحالهم و قد أخبرك الله أمرهم و وصفهم بدقة فمن أبرز أحوالهم أمران:
1 – العتو :
فالقوم متمادين في الكبر و الجبروت و الطغيان و مجاوزة الحد في الفساد يتكبرون على أوامر الله و على أهل الإيمان و يسخرون منهم و يحاربونهم و يمكرون بهم الليل و النهار في السر و الجهر لم يتركوا وسيلة لمحاربة الله سبحانه و رسله و أولياءه إلا اقترفوها منهم من يسب الله سبحانه و رسله الكرام و منهم من يفعل بمن يصل إليه من المؤمنين الأفاعيل و كلهم اجتمعوا على الحقد الأعمى في عداوة دين الله .
ترى الغطرسة في عيونهم و ملامحهم و كلامهم و لهجتهم و لغة حوارهم يستعلون على شرع الله و على المؤمنين و هم الأذلين الأخسرين .
ترى فيهم كبرا بدنياهم فتن به كثير من الخلق و كأنهم استندوا للركن الشديد و هم في الحقيقة اتخذوا أوهن البيوت و أوهن الحصون و الله من ورائهم محيط .
و لو دعوتهم للحق نفروا أشد النفور و كأن عندهم العلم المبين و خبر الأولين و الآخرين و هم في حقيقة أمرهم السفهاء الجاهلين هم أقسي ما يكون على المؤمنين و أخزى ما يكون على من فوقهم في دنياهم و منهم من جمع التكذيب مع فساد الباطن و خبث الطوية فجمع شرا على شر و فسادا على فساد.
هم عبيد الدرهم و الدينار و القطيفة و الخميصة و الكرسي و العصا و هم عبد الطاغوت و مع ذلك هم متكبرين مستعلين بباطلهم قال سبحانه "و انطلق الملأ منهم أن امشوا و اصبروا على ألهتكم إن هذا لأمر يراد" و قال سبحانه حاكيا عن السحرة قبل إسلامهم "فألقوا حبالهم و عصيهم و قالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون" يقول فرعون "أنا ربكم الأعلى" و يقول "ما علمت لكم من إله غيري" "ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين" و يقول "إن هؤلاء لشرذمة قليلون و إنهم لنا لغائظون و إنا لجميع حاذرون".
و انظر إلى ذلك الجبان لما قهره الله قال "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل و أنا من المسلمين" انظر للحقير المتكبر كم قتل من رجال و نساء و أطفال لتكون له العزة فلما جاءه الموت لم يصر حتى على ما عاش عليه بل في لحظة انقلب أمره عاش عبدا وضيعا و مات عبدا وضيعا.
و من أبلغ ما يوصف به القوم أنهم كالعائل المستكبر و الفقير المختال و الضعيف المتجبر اغتروا بما تحت أقدامهم و لم ينظروا لا أمامهم و لا خلفهم.
2 – النفور :
إذا دعوا لله ورسوله و أمره و حكمه نفروا أشد النفور كأنهم الحمر الوحشية النافرة من أسد لا يقبلون و عظا و لا تردهم نصيحة صدورهم من الإسلام ضيقة حرجة كأنهم يختنقون حين يسمعون دعوته فيهربون منها أو يؤذون من يدعوهم و يسخرون منه و يكذبونه و يستهزؤن به لا يطيقون التذكير بالله و الدعوة للنزول على حكم الله و انقياد الفرد و الجماعة لله.

*** الفوائد العملية في الآية:
1 - الرزق من آثار رحمة الله فتدبر في كثرته و تنوعه و تجدده.
2 - حجة الله على خلقه في الآية بوجوب التسليم له لأنه رازقهم و ولي نعمتهم الذي لا غنى لهم عنه طرفة عين و هم خلقه الضعفاء الذين لا تنقطع حاجتهم إليه.
3 - الرزق بيد الله وحده فمن أراده فليطلبه عنده و الطاعة من أهم أسباب سعة الرزق.
4 – سؤال الله سبحانه المعونة على الإجمال في طلب الرزق.
5 - التدبر في سلوك الكافرين و حالتهم التي وصفها الله من التمادي في الكبر و النفور من الحق رغم حجج الله عليهم و رؤية تلك الصورة التي رسمتها لنا الآية حتى إذا رأيتها في الواقع لم يغرك كبرهم و نفورهم.
6 – تحري الفضائل من أخلاق الرجال و فهم معادن الخلق فإن بعضهم و لو علا فهو وضيع و بعضهم و لو استُضعف فهو الشريف.

تفسير سورة الملك | الآية الثانية والعشرون
"أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن من يمشي سويا على صراط مستقيم" الآية :21

*** واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالعتو والنفور ، نبه على ما يدل على قبح هذين الوصفين والفاء في صدر الجملة للتفريع على جميع ما تقدم من الدلائل والعبر من أول السورة إلى هنا، والاستفهام تقريري.

*** "مكبا":
استعمال اللفظ في الكتاب و السنة:
و في التنزيل:"فكبكبوا فيها هم و الغاوون" الشعراء:94 و قيل: فيها طرحوا و ألقوا على وجوههم و قيل: ألقي بعضهم على بعض و قيل: نكسوا فيها على رؤوسهم.
و في الحديث الصحيح "وهل يكب الناس على مناخرهم أو على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم ".
و قال تعالى:"ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا" الإسراء:(97)
الآثار:
في الصحيح المسبور :
1 - أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (مكباً على وجهه) قال : في الضلالة (أم من يمشى سوياً على صراط مستقيم) قال: حق مستقيم.
2 - أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى) هو الكافر، أكب على معاصي الله في الدنيا، حشره الله يوم القيامة على وجهه، فقيل: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه.
3 - أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (يمشي سوياً على صراط مستقيم) قال: المؤمن عمل بطاعة الله، فيحشره الله على طاعته.
انتهى.
4 - وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { أفمن يمشي مكبّاً } قال : في الضلال { أمّن يمشي سويّاً } قال : مهتدياً .
5 - وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { أفمن يمشي مكباً على وجهه } قال : هو الكافر عمل بمعصية الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه { أم من يمشي سويّاً على صراط مستقيم } يعني المؤمن عمل بطاعة الله يحشره الله على طاعته .
6 - عن الكلبي : عنى به أبو جهل بن هشام . وبالسويّ : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه .

أقوال أهل اللغة:
المكب :اسم فاعل من "أكب" و هو غير متعد و "كب" متعد و هو من ضمن أفعال قليلة جاء فيها الفعل المجرد متعديا و المهموز لازما.
قال الواحدي : أكب مطاوع كبه ، يقال : كببته فأكب ونظيره قشعت الريح السحاب فأقشع و أنكر ذلك الزمخشري - و هو المختار- و قال:
وما هو كذلك؛ ولا شيء من بناء أفعل مطاوعاً وإنما «أكب» من باب «انفض ، وألأم» ومطاوع كب وقشع : انكب وانقشع . انتهى
و الهمزة في "أكب":
للدخول في الشيء أو لإفادة المصير في الشيء مثل همزة: أقشع السحاب، إذا دخل في حالة القشع، ومنه قولهم: أنفض أي دخل في النفض – و هو نفض الوعاء فصار عبارة عن الفقر- و ألأم أي دخل في اللوم .
فالمعني : دخل في الكب ، وصار ذا كب.
* المكب:
أ – المعنى: يعثر كل ساعة و يخر.(الكليات للكفومي و مثله في أساس البلاغة)
ب – أكب :نكس و رجل مكب :كثير النظر للأرض.(لسان العرب،تاج العروس،المحكم و المحيط الأعظم(في الشطر الثاني))
ج – أكب على وجهه :انقلب و أكب الرجل:أكثر النظر للأرض.(المعجم الوسيط)
د - ( كَبَبْتُ ) زيدا ( كَبًّا ) أيضا ألقيته على وجهه قال تعالى:( فكُبَّتْ وجوههم في النار ) ( أفمن يمشي مُكِبًّا على وجهه ).(المصباح المنير)
هـ - قال ابن قتيبة : أي : لا يبصر يميناً ، ولا شمالاً ، ولا من بين يديه .
و – و قال بعض من لا نتشرف بذكرهم: الحيوان على ضربين منتصب ومنحن فالمنتصب الإنسان والمنحنى ما كان رأسه منكوسا إلى جهة الارض كالبهائم والسباع .
قالوا : وإلى ذلك وقعت الاشارة بقوله : (أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم) قالوا : فأصحاب الشقاوة تنتقل أنفسهم عند الموت إلى الحيوان المكبوب وأصحاب السعادة تنتقل أنفسهم إلى الحيوان المنتصب.(نقله صاحب نهج البلاغة).
أقوال العلماء:
1 – قال الزمخشري:
أ - يمشي معتسفاً في مكان معتاد غير مستو فيه انخفاض وارتفاع ، فيعثر كل ساعة فيخر على وجهه منكباً ، فحاله نقيض حال من يمشي سوياً ، أي : قائماً سالماً من العثور والخرور .
ب - أو مستوي الجهة قليل الانحراف خلاف المعتسف الذي ينحرف هكذا وهكذا على طريق مستو .
ج - ويجوز أن يراد الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق فيعتسف ، فلا يزال ينكب على وجهه ، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصر الماشي في الطريق المهتدي له ، وهو مثل للمؤمن والكافر .
2 - قال ابن كثير: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي منكبا على وجهه، أي يمشى منحنيا لا مستويا على وجهه لا يدري أين ولا كيف يذهب بل هو تائه حائر ضال أهذا أهدى (أمن يمشي سويا) أي: منتصب القامة ... هذا مثلهم في الدنيا وكذلك يكونون في الآخرة فالمؤمن يحشر يمشي سوياً ... وأما الكافر فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى نار جهنم. اهـ
3 – قال السعدي: أي: أي الرجلين أهدى؟ من كان تائها في الضلال، غارقًا في الكفر قد انتكس قلبه، فصار الحق عنده باطلا والباطل حقًا؟ ومن كان عالمًا بالحق، مؤثرًا له، عاملا به، يمشي على الصراط المستقيم في أقواله وأعماله وجميع أحواله؟ فبمجرد النظر إلى حال هذين الرجلين، يعلم الفرق بينهما، والمهتدي من الضال منهما، والأحوال أكبر شاهد من الأقوال.
4 – قال الشوكاني: والمكبّ والمنكبّ : الساقط على وجهه ، يقال : كببته فأكبّ وانكبّ . وقيل : هو الذي يكب رأسه ، فلا ينظر يميناً ولا شمالاً ولا أماماً ، فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه . وقيل : أراد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق ، فلا يزال مشيه ينكسه على وجهه.
5 – قال القرطبي: قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ) ضرب الله مثلا للمؤمن والكافر مُكِبًّا أي منكسا رأسه لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه. كمن يمشي سويا معتدلا ناظرا ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله. قال ابن عباس: هذا في الدنيا، ويجوز أن يريد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق فيعتسف، فلا يزال ينكب على وجهه. وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المهتدى له. وقال قتادة: هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا فحشره الله يوم القيامة على وجهه.
6 – قال بن عاشور: والذي انقدح لي: أن التمثيل جرى على تشبيه حال الكافر والمؤمن بحالة مشي إنسان مختلفة وعلى تشبيه الدين بالطريق المسلوكة كما يقتضيه قوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فلا بد من اعتبار مشي المكب على وجهه مشيا على صراط معوج، وتعين أن يكون في قوله: {مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ} استعارة أخرى بتشبيه حال السالك صراطا معوجا في تأمله وترسمه آثار السير في الطريق غير المستقيم خشية أن يضل فيه، بحال المكب على وجهه يتوسم حال الطريق وقرينة ذلك مقابلته بقوله: {سَوِيّاً} المشعر بأن {مكبا} أطلق على غير السوي وهو المنحني المطاطئ يتوسم الآثار اللائحة من آثار السائرين لعله يعرف الطريق الموصلة إلى المقصود.
فالمشرك يتوجه بعبادته إلى آلهة كثيرة لا يدري لعل بعضها أقوى من بعض وأعطف على بعض القبائل من بعض، فقد كانت ثقيف يعبدون اللات، وكان الأوس والخزرج يعبدون مناة ولكل قبيله إله أو آلهة فتقسم الحاجات عندها واستنصر كل قوم بآلهتهم وطمعوا في غنائها عنهم وهذه حالة يعرفونها فلا يمترون في نهم مضرب المثل الأول، وكذلك حال أهل الإشراك في كل زمان. ألا تسمع ما حكاه الله عن يوسف عليه السلام من قوله: { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]. وينور هذا التفسير أنه يفسره قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] وقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]، فقابل في الآية الأولى الصراط المستقيم المشبه به الإسلام بالسبل المتفرقة المشبه بها تعداد الأصنام، وجعل في الآية الثانية الإسلام مشبها بالسبيل وسالكه يدعو ببصيرة ثم قابل بينه وبين المشركين بقوله {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].
** قال الرازي:ثم اختلفوا فمنهم من قال : هذا حكاية حال الكافر في الآخرة ، قال قتادة : الكافر أكب على معاصي الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه ، والمؤمن كان على الدين الواضح فحشره الله تعالى على الطريق السوي يوم القيامة ، وقال آخرون : بل هذا حكاية حال المؤمن والكافر والعالم والجاهل في الدنيا ، واختلفوا أيضاً فمنهم من قال : هذا عام في حق جميع المؤمنين والكفار ، ومنهم من قال : بل المراد منه شخص معين ، فقال مقاتل : المراد أبو جهل والنبي عليه الصلاة والسلام ، وقال عطاء عن ابن عباس : المراد أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب و عنه : نزلت في أبي جهل والرسول عليه الصلاة والسلام وقال عكرمة هو أبو جهل وعمار بن ياسر .

** قلت (أبو يوسف): لكي نحدد المثال المضروب للكافر بدقة فالسبيل هو فهم المثال المضروب للمؤمن و مفرداته في ضوء الكتاب و السنة.
الآية تصف المؤمن بأنه:
1 – يمشي سويا.
2 – على صراط مستقيم.
ووصفت الآية الكافر بأنه يمشي مكبا على وجهه.
فلا بد أن يكون مشي الكافر غير سوي و صراطه غير مستقيم.
و هذا الدين هو الصراط المستقيم فهو الطريق المستقيم الوحيد الذي يقود للفلاح في الدنيا و الآخرة .
أخرج الحاكم في مستدركه عن عاصم عن زر عن عبد الله قال : خط رسول الله صلى الله عليه و سلم خطا و خط عن يمين ذلك الخط و عن شماله خطا ثم قال : هذا صراط ربك مستقيما و هذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " .
فليس هناك طرق متعددة للفلاح و النجاح و الفوز و السعادة في الدنيا و الآخرة بل هو طريق واحد فمن أخطأه فهو يسير في أحد السبل المتفرقة الأخرى و هي سبل :
أ - معوجة عن الطريق الصحيح لأنها لا تقود إلى سعادة أو فلاح أو فوز حقيقي في الدنيا أو في الآخرة .
ب – غير ممهدة بل وعرة و خبيثة لأنها سبل الفتن و الشياطين،سبل الشبهات و الشهوات ،سبل الكفر و الفسوق و العصيان،سبل عبادة غير الله و القتل و الزنا و السرقة و اللواط و الظلم و البغي و غير ذلك.
و كل سبيل فيه من البلاء و الخبث و الوعورة بحسبه و أخبثهم سبيل الكفر فهو الجامع لهم و هم شعب له .
و لتقريب المعنى تأمل في قول الله سبحانه و تعالى :"و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة و ساء سبيلا" فالزنا أحد هذه الشعب و سبيله بئس السبيل فهو يقود صاحبه للخيانة و يعرضه للمهالك و فوق ذلك كله يعرضه لعقوبة الله سبحانه و غضبه في الدنيا و الآخرة.
فالإسلام الصراط المستقيم وهو جامع لشعب الخير و الكفر شعاب معوجة وعره خبيثة فيها جماع الشر.
و بذلك نكون وصفنا الطريق و بقي وصف السير:
أما المؤمن :
1 - يسير معتدلا مستقيما في طريق مستقيم يقوده للفلاح.
2 – لا تستعبده شهوة و لا هوى بل هو عبد خالص لله و لو عصى أحيانا لكنه لا يكون أبدا عابدا لغير الله و لا تستعبده كل شهوة و أدنى هوى كالكافر.
3 – هو واثق من طريقه لأنه يعلم أنه الصراط الذي شرعه الله للفلاح .
4 – هو بصير على صراط قويم يقوده للخير.
5 – هو يسير مبصرا لطريقه و لما حوله معتبرا متعظا بما قصه الله سبحانه عليه في كتابه و على ألسنة رسله يفهم أسرار الكون و ما وراء الأمور.
6 – و في الآخرة يحشر و يسير حسب ما كان عليه سيره في الدنيا: سويا على صراط مستقيم.
و أما الكافر فيسير على هيئة الإكباب و "الإكباب" هنا يشمل أمور:
1 – أنه تائه ضال حائر لا يعلم أي السبل أقوم ، لا يفارقه الريب في أمره و الندم على ما أسلف من فعله لا يستطيع الجزم أبدا بالصواب في أمره إنما يحيا في مكابرات و زور.
2 – هو عبد لكل شهوة يأتي إليها على وجهه فهو عبد للطاغوت و المال و الشهوة و الخوف بل هو عبد لكل من استعبده و لكل من ملك .
3 – هو الذي يكب رأسه ، فلا ينظر يميناً ولا شمالاً ولا أماماً ، فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه فهو منكس الرأس في سيره منحني ناظر للأرض لأنه لا يأمن السير و وعورة الطريق فهو كسالك طريق وعر يبحث عن الفلاح في سيره و طريقه طريق الضلال.
4 – لا يزال في كل حين يتعثر و يكب على وجهه لوعورة المسلك الذي اختاره.
5 – أو هو أعمى في طريق وعر لا يزال يخر على وجهه و ينكب في كل حين.
6 – هو سائر على وجهه في اتباع شهواته فلا يبصر يمينه و لا شماله و لا مابين يديه و لا ما خلفه لا يعتبر و لا يتعظ و لا يفهم .
7 – و في الآخرة يحشر على وجهه أصم أبكم أعمى.
و نضرب مثالا يوضح الأمور:
إذا حل بالرجل أو الأمة أزمة أو مشكلة فالمؤمن يبحث عن حكم الله فيها و يطبقه و لا يساوره شك أنه على الصواب و أنه فعل خير ما يمكن فعله و لو خانته نفسه لهوى او خوف فلم يعمل الصواب فهو يعلمه و يعلم الطريق الصحيح لحل هذه الأزمة.
أما الكافر فهو لا يزال في حيرة من أمره لا يعلم ماذا يفعل؟ و أي طريق يسلك؟ و بعده عن طريق الله يوقعه في طرق وعرة لا توصل للخير بل لا يزال يسير حينا و ينقلب على وجهه حينا و يتعثر حينا .
لا بينة له في أمره إنما يحيا في أوهام و ظنون و شك و ريب و حيرة و تردد و لا يزال تصيبه في كل حين قارعة و مصيبة .
مثال أخر :
المؤمن يسير في الدنيا تعترضه الفتن فيتجنبها و يستعيذ بالله منها و قد يقع فيها أحيانا و لكنه يعلم الصواب.
و الكافر يسير في الدنيا عبد لهواه كلما اشتهى شيئا سار في سبيله و قد جهل الأحمق أن الله سبحانه رتب على المعاصي ألوانا من البلايا فهي حلوة المظهر مرة المذاق و هو يؤذي نفسه من حيث أراد نفعها و لا يزال عمره شاكا في أمره ملتبسا عليه حاله يرى الناس يسيرون في طريق فيتبعهم و هم يقودونه للشقاء و النار .
إن ثبت على أمر فثباته كثبات السحرة قبل إسلامهم حين قالوا عن موسى و أخيه:"إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم و يذهبا بطريقتكم المثلى" و قالوا "بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون" مكابرات سندهم فيها "إنا وجدنا آباءنا على أمة" و الهوى و الشهوة.
مثال ثالث:
في حال البلاء و نسأل الله سبحانه العافية:
المؤمن يصبر و يعلم أن من وراء أمره خيرا و أن عاقبته إلى رشد و فلاح يصبر و يعلم أنه ليس عليه إلا الصبر و الله سبحانه يخلفه الخير.
و الكافر لا يعلم أيصبر أم لا يصبر أم يعالج ابتلاءه بمزيد من العصيان إن صبر فلا يدري عاقبة أمره و إن جزع تقطع قلبه بلا ثمن و إنسار في غيه عوقب بمزيد من البلاء.
مثال رابع:
المؤمن يعرف كيف يسير أموره كلها فما ترك الشرع من صغيره و لا كبيرة إلا علمنا إياها نصا أو استنباطا فالمؤمن على الطريق السوى في كل أحواله يعرف كيف يمشي؟ و كيف يتكلم؟ و كيف ينفق؟ و كيف يكتسب ؟و كيف يعامل الكبير و الصغير ؟و كيف ينام؟ و كيف يستيقظ؟ و كيف يسافر ؟و كيف يدعو؟ و هكذا في أمره كله.
و الكافر يتخبط في الأمر كله إن وافق الصواب في أمر خالفه في أمور و كل أمر يخالف فيه الصواب يترتب عليه مضرة بحسبه.
انتهى.
و حمل الآية على شمول حالتي الدنيا و الآخرة و على العموم في حق المؤمنين و الكافرين هو الأظهر عندي لأن المعنى يحتمله و هو أبلغ في البيان و الله أعلم.
و "مكبا على وجهه" فيها إشعار بالإهانة و التحقير فهو منكوس مهان.

*** "أهدى":
قال أبو حيان:وأهدي : افعل تفضيل من الهدى في الظاهر ، وهو نظير : العسل أحلى أم الخل؟ وهذا الاستفهام لا تراد حقيقته ، بل المراد منه أن كل سامع يجيب بأن الماشي سوياً على صراط مستقيم أهدى.

*** وقد حصل في الآية إيجاز حذف إذ استغني عن وصف الطريق بالالتواء في التمثيل الأول لدلالة مقابلته بالاستقامة في التمثيل الثاني.

*** قال بن عاشور:والسوي: الشديد الاستواء فعيل بمعنى فاعل قال تعالى: {أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم: 43].

*** و هذا المثال الذي ضربه الله سبحانه حجة بالغة في سياق الحجج التي ساقتها السورة على وجوب إسلام الوجه لله و الاستسلام لشرعه فإن الذي أسلم وجهه لله سوي على صراط مستقيم و الأخر مكبوب على وجهه منكوس في دنياه و أخراه.
فالنفع الحاصل من إسلام العبد وجهه لله يعود على العبد ففلاحه و سعادته و طمأنينته لا تكون إلا بذلك و العبد أحقر من أن ينفع ربه قال سبحانه في الحديث القدسي :" يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" .
فالكفر مستلزم لترك طريق الهداية و سلوك طرق وعرة كلها طرق ضلال لا يزال السائر فيها يصيبه كرب بعد كرب حتى يحشر على وجهه في الآخرة أصم أبكم أعمى.
و الإيمان يعلى أمر المرء و يدله و يرشده على الفلاح في الدنيا الآخرة.
فكيف لا يؤمن المرء و يسلم لتلك الحجة الظاهرة.

*** و في الإتحاف: وقرأ ( صراط ) بالسين قنبل من طريق ابن مجاهد ورويس وبالإشمام خلف عن حمزة وأمال متى حمزة والكسائي وخلف وقللها الأزرق وأبو عمرو وبخلفهما وقصر في الطيبة الخلف فيها على الدوري والأول صححه في النشر عن ابن شريح وغيره وأشم سيئت نافع وابن عامر الكسائي وأبو جعفر ورويس ويوقف عليها لحمزة بالنقل على القياس وبالبدل مع الإدغام عند من ألحقه بالزائد وأما بين بين فضعيف وأشم قيل هشام والكسائي ورويس.

*** الفوائد العملية في الآية :
1 – التدبر للمثال الذي ضربه الله سبحانه للمؤمن و الكافر.
2 – الحجة البالغة في الآية.
3 – سؤال الله سبحانه الهداية للصراط السوي.
تفسير سورة الملك | الآية الثالثة والعشرون
"قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون" الآية: 23

*** أخرج الخطيب في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هذه الآية " قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون " .
وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر } [ الأنعام : 98 ] إلى قوله : { يفقهون } { هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع } إلى { تشكرون } فإنه يبرأ بإذن الله تعالى .

*** "قل":
و هذا من أبلغ التشريف للنبي صلى الله عليه و سلم بأن جعل الله سبحانه حجته على لسانه و أمره ببلاغها فالآية استكمال لسوق الحجج و البراهين و لكن الله سبحانه يأتي بها هذه المرة في سياق أمر نبيه صلى الله عليه و سلم بإبلاغها و ذلك تفننا في البيان وتنشيطا للأذهان.
و الحجج التي يأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه و سلم ببلاغها هي أولى الحجج التي ينبغي للدعاة التركيز عليها و ذكرها في مجال دعوتهم للمشركين.
و قد تكرر هذا الامتنان من الله سبحانه بهذه النعم العظيمة في موطنين أخرين من الكتاب العظيم:
1. "وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون"
2. "ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون"
و هذا يدل أنه من أعظم موجبات الشكر هذه النعم المذكورة فيتبغي لكل من تدبر هذه الآية أن يتدبر في قدر تلك النعم و يشكر الله عليها.

*** و هنا الاستدلال بأجزاء المخلوق بعد الاستدلال بالمخلوقات المختلفة.

*** والضمير "هو" يعود إلى "الرحمن" من قوله: "من دون الرحمن" [الملك: 20] .

*** والإنشاء: الإيجاد والأفئدة القلوب، والمراد بها العقول، وهو إطلاق شائع في استعمال العرب.

*** قال بن عاشور: وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع (قلوبهم) و (أبصارهم) إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله: يجعلون أصابعهم في آذانهم [البقرة: 19] وقوله: وفي آذاننا وقر [فصلت: 5] فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم.
وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعا كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضا متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية في الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت. وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعا متساويا وإنما يتفاوتون في تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعا واحدا.

*** "قليلا ما تشكرون" المعنى إما:
1 - أنعم عليكم بهذه النعم في حال إهمالكم شكرها فتكون "قليلا ما تشكرون" حال من ضمير المخاطبين.
2 - تشكرون شكرا قليلا.
3 - يريد به نفي الشكر جملة فعبر بالقلة ، كما تقول العرب : هذه أرض قل ما تنبت كذا ، وهي لا تنبته البتة.
قال في التحرير: وقد استعمل قليلا في معنى النفي والعدم، وهذا الإطلاق من ضروب الكناية والاقتصاد في الحكم على طريقة التمليح وتقدم عند قوله تعالى: فقليلا ما يؤمنون في [البقرة: 88] وقوله تعالى: فلا يؤمنون إلا قليلا في سورة النساء [155] ، وتقول العرب:هذه أرض قلما تنبت.

*** والقصر المستفاد من تعريف المسند إليه والمسند في قوله: هو الذي أنشأكم إلى آخره قصر إفراد بتنزيل المخاطبين لشركهم منزلة من يعتقد أن الأصنام شاركت الله في الإنشاء وإعطاء الإحساس والإدراك و هذه النعم إنما هي منة الله سبحانه وحده على خلقه.

*** في الآية حجج و عتاب :
الحجة الأولى: فهي أنكم من مخلوقات الله هو أوجدكم من العدم و أخرجكم للحياة و لم تكونوا قبلها شيئا مذكورا فكيف تكفرونه و قد أنعم عليكم بوجودكم نفسه فضلا عن باقي نعمه الأخرى؟
و كل خير عاينتموه في الدنيا لله فيه فضل عليكم فوق أنه وهبه لكم و هو أنه أوجدكم في الدنيا و الله سبحانه الخالق لا شريك له يخلق ما يشاء و ما من شيء في الكون إلا و هو مخلوق له و ليس لأحد منهم مهما كان القدرة على الخلق .
فالله أنعم عليكم بنعمة لا يستطيع أحد أبدا وهبها لكم و هي أصل لكل ما بكم من نعم فكيف تكفرونه؟
الحجة الثانية:جعل السمع و الأبصار و الأفئدة و هي نعم عظيمة فهي نافذة الإنسان التي يرى و يسمع و يعقل بها ما حوله من هذا الكون العظيم فينتفع به و ما قيمة أجمل الأشياء في الكون لإنسان فقد بصره ؟و ما قيمة الحياة لو فقد الإنسان عقله؟و ما قيمة أعذب المسموعات لإنسان فقد سمعه؟ فالله امتن علينا بإخراجنا لهذا الكون العظيم ووهبه لنا تلك الأدوات التي نرى بها ذلك الكون و ننتفع به و بالخير الجسيم الذي فيه.
فكيف نكفر الله بعد ذلك؟
الحجة الثالثة:أن الله جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة فكيف كفرتم و قل شكركم ؟ ألم تروا و تسمعوا و تعقلوا و تأتكم النذر؟ فالحواس المذكورة هي أدوات فهم الأدلة و البراهين.
قال سبحانه " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"
فهذه حجة عليهم في كل ج

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 8:28 pm

فهذه حجة عليهم في كل جحود و كفر في مقابلة دليل ظاهر و ما أكثر الأدلة و أبلغها.
أما العتاب :
هذه نعمته الله عليكم فكيف قابلتموها بالشكر القليل أو المعدوم؟
فكم هو قبيح أن ترد إحسان من أوجدك من عدم و وهب لك النعم بالكفر به.
قال الرازي:ههنا تنبيهاً على دقيقة لطيفة ، كأنه تعالى قال : أعطيتكم هذه الإعطاءات الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة ، لكنكم ضيعتموها فلم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ، ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه ، فكأنكم ضيعتم هذه النعم وأفسدتم هذه المواهب ، فلهذا قال : { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } وذلك لأن شكر نعمة الله تعالى هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه ، وأنتم لما صرفتم السمع والبصر والعقل لا إلى طلب مرضاته فأنتم ما شكرتم نعمته البتة .

*** قال صاحب الظلال:وللعلم الحديث محاولات في معرفة شيء عن معجزتي السمع والبصر نذكر منها لمحة :
تبدأ حاسة السمع بالأذن الخارجية ، ولا يعلم الا الله أين تنتهي . ويقول العلم : إن الاهتزاز الذي يحدثه الصوت في الهواء ينقل إلى الأذن ، التي تنظم دخوله ، ليقع على طبلة الأذن وهذه تنقلها إلى التيه داخل الأذن .
والتيه يشتمل على نوع من الأقنية بين لولبية ونصف مستديرة وفي القسم اللولبي وحده أربعة آلاف قوس صغيرة متصلة بعصب السمع في الرأس.
فما طول القوس منها وحجمها؟ وكيف ركبت هذه الأقواس التي تبلغ عدة آلاف كل منها تركيبا خاصا؟ وما الحيز الذي وضعت فيه؟ ناهيك عن العظام الأخرى الدقيقة المتماوجة .
هذا كله في التيه الذي لا يكاد يرى! وفي الأذن مائة ألف خلية سمعية . وتنتهي الأعصاب بأهداب دقيقة . دقة وعظمة تحير الألباب .
ومركز حاسة الإبصار العين ، التي تحتوي على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء ، وهي أطراف أعصاب الإبصار . وتتكون العين من الصلبة والقرنية والمشيمة والشبكية . . وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية .
وتتكون الشبكية من تسع طبقات منفصلة ، والطبقة التي في أقصى الداخل تتكون من أعواد ومخروطات ويقال : إن عدد الأولى ثلاثون مليون عود ، وعدد الثانية ثلاثة ملايين مخروط . وقد نظمت كلها في تناسب محكم بالنسبة لبعضها البعض وبالنسبة للعدسات . . وعدسة عينيك تختلف في الكثافة ، ولذا تجمع كل الأشعة في بؤرة ، ولا يحصل الإنسان على مثل ذلك في أية مادة من جنس واحد كالزجاج مثلا .
فأما الأفئدة فهي هذه الخاصية التي صار بها الإنسان إنسانا . وهي قوة الإدراك والتمييز والمعرفة التي استخلف بها الإنسان.

*** الفوائد العملية في الآية:
1. تشريف النبي صلى الله عليه و سلم أن جعل الله حججه على لسان و ببلاغه و هذا تشريف لكل الدعاة.
2. هذه النعم المذكورة في الآية من أمهات النعم التي ينبغي التدبر في عظمتها و قيمتها و شكر الله عليها.
3. الآيات التي أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه و سلم ببلاغها بلاغا خاصا هي أولى ما يستعمل الدعاة في دعوتهم.
4. قدرة الله سبحانه لا تظهر في تنوع المخلوقات فقط بل في الإيجاد و في أجزاء الخلق الواحد.
5. تدبر النعمة في الإيجاد .
6. النعمة في خلق السمع و الأبصار و الأفئدة و قبح جحودها .
7. هذه الحواس هي أدوات الفهم و العقل فلتستعمل فيما خلقت له.
8. الإعجاز العلمي في خلق هذه الحواس.
9. حجة الله في هذه الآية .
تفسير سورة الملك | الآية الرابعة و العشرون
"قل هو الذي ذرأكم في الأرض و إليه تحشرون" الآية :24

*** "قل":
إعادة فعل قل من قبيل التكرير المشعر بالاهتمام بالغرض المسوقة فيه تلك الأقوال و فيها تشريف للنبي صلى الله عليه و سلم و إرشاد للدعاة للاهتمام بهذه الحجة أو المقالة في مجال دعوتهم.

*** و قد تكررت تلك الحجة بسياق مقارب في سورة المؤمنون قال تعالى :"و لو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (82)"
و تكرار الإتيان بهذه الحجة في القرآن و تنوعه بين أن يأتي من قوله سبحانه و أن يأمر نبيه صلى الله عليه و سلم أن يبلغه يدل على قدر هذه البينة و عظمة هذه الحجة و على ضرورة تدبرها ووعيها جيدا و محاجة المشركين بها و على ارتباط معنى هذه الآية بالآية التي سبقتها لأن الله سبحانه كررهما معا و سيأتي مزيد بيان.

*** "هو الذي ذرأكم": صيغة قصر فنعمة الخلق في الأرض من الله وحده و كل نعمة إنما هي من الله وحده إما بواسطة أو بدون و القصر هنا إما لانعدام الواسطة أو تعظيم تلك النعمة و الله أعلم.
و نعمة الخلق و الاستخلاف في الأرض ووهب الحواس من النعم الجليلة التي لا يدعيها أحد إلا على وجه المكابرة كحال النمرود مع إبراهيم عليه السلام.

*** "ذرأكم" ذكر العلماء فيها وجوه:
1 - و ذرأ الخلق: خلقهم "و لقد ذرأنا لجهنم " أي خلقنا و "ذرأكم في الأرض" خلقكم و بثكم عن طريق التناسل و ليس هذا الفعل مخصوصا بخلق الأحياء لقوله تعالى "وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) "قال المفسرون :هو ما خلق الله سبحانه من المعادن و الحيوانات و النباتات و الجمادات على اختلاف ألوانها و أشكالها و ما فيها من المنافع و الخواص.
وقال عز وجل "خلق لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه" قالوا في معناها : يذرؤكم به أي يكثركم بجعله منكم وقال ثعلب في قوله تعالى يذرؤكم فيه معناه يكثركم فيه أي في الخلق و قال بن عطية: فلفظة ذرأ : تزيد على لفظة : خلق معنى آخر ليس في خلق ، وهو توالي الطبقات على مر الزمان .انتهى و في الآية قولان آخران :يخلقكم و يعيشكم.
قال بن منظور:وكأن الذرء مختص بخلق الذرية وفي حديث عمر رضي الله عنه كتب إلى خالد وإني لأظنكم آل المغيرة ذرء النار يعني خلقها الذين خلقوا لها.
قلت:و قد سلف و صف خلق الجمادات بالذرء.
2 – بثكم.(أبو حيان)
3 - الذرء: الإكثار من الموجود، فهذا أخص من قوله: "هو الذي أنشأكم" أي هو الذي كثركم على الأرض كقوله: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" أي أعمركم إياها.(بن عاشور)
قلت (أبو يوسف): فعاد المعنى إلى خمسة وجوه :الخلق و البث و التكثير و الإعاشة و توالي الطبقات على مر الزمان و أقربهم عندي معنى الخلق لأنه الذي تستقيم عليه كل الآيات التي ذكر فيها الذرء و مقصود الآية فهو كقوله تعالى " هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ".
ووجه مناسبة الآية لما قبلها هو ارتباط النعمتين فالآية السابقة تتحدث عن نعمة الإنشاء و الإيجاد ثم إعطاء الحواس العظيمة و العقل الذي تميز به الإنسان على سائر ما حوله من المخلوقات و هذه الآية تتحدث عن مكان الإيجاد و هو الأرض بما فيها من الخير العظيم من نباتات و حيوانات و زروع و جنان و معادن و بحار و سهول و وديان و جبال و أنهار و نعم يكد في إحصائها الحليم إن أحصاها .
فالله سبحانه أوجدكم من عدم و وهبكم من الحواس ما تنتفعون به بما حولكم غاية الانتفاع فتسمعون و تبصرون ثم تعقلون و تنتفعون و تبتكرون و تخترعون .
و الله سبحانه خلقكم على هذه الكيفية الكريمة ثم لم يجعلكم في مكان قاحل أو قليل الخير بل خلقكم في الأرض الغنية بالكنوز لتنتفعوا بما فيها .
و لو أوجدكم الله من عدم فقط لكان له سبحانه عليكم حقا عظيما و لو أوجدكم ثم وهبكم تلك الحواس و العقل لتعاظم ذلك الحق فلما أنشأكم في مكان غني بالخيرات تنتفعون به كان حقه أعظم و نعمته أجل فهذا أكرم الكرم و أعظم الجود أن يعطيك الكريم أداة الانتفاع الكاملة ثم يذرك في مكان مليء بالخير و لو شاء لم يوجدك و لو شاء لم يعطيك أداة الانتفاع أو وهبك إياها ناقصة و لو شاء لجعلك في مكان قليل الخير .
و الأرض على ما فيها من البركات و الخيرات التي لا تزال تتجدد كل يوم و يُحدث الله ما يشاء من نعمته على خلقه – بما يسر الله من تلك المخترعات الحديثة التي هي ناتج اجتماع العقل و الدراسة مع السنن الكونية و بركات الأرض و كلها نعم الله وحده – إلا أنها رمز للنعم و ليست هي النعمة الكاملة لأنها دار الابتلاء فجعل الله فيها من النكد و الهم و المنغصات ما يجعل المرء لا يركن إليها ففيها رمز للنعمة الكاملة و رمز للشقاء و لما كان الأمر كذلك ذكرنا الله سبحانه بالجمع بعد الموت و الذي يحدد فيه المصير إما لدار النعمة الكاملة أو دار الشقاء الأبدي فقال سبحانه:
"و إليه تحشرون" :أي إليه وحده، تجمعون يوم القيامة أحياء بعد البعث للجزاء والحساب.
و في ذكر الحشر هنا فوائد:
1. التذكير بأن استخلاف الإنسان في الأرض ليس بلا نهاية بل هي فترة مؤقتة قبل أن يصير لمصيره الأبدي.
2. لفت الأنظار لعظيم النعمة في الآخرة فإن الذي أبتدئك بما أسلفنا من عظيم النعمة بلا عمل قدمته هو الذي إليه تحشر فكيف ثوابه لمن أطاعه؟ و كيف بوده لمن أحبه؟ و كيف بكرمه لمن جاد في سبيله؟
3. و كذلك الأمر بالنسبة للمسيء فقد رأى عظيم القدرة في الدنيا فكيف بدار عقوبة الجبار أعاذنا الله منها.
4. الحجة على المكذبين في إثبات المعاد بذكر النشأة الأولى في الأرض التي لم يكن للإنسان فيها يد.
5. ذكر الحشر دون غيره من مشاهد الآخرة يشعرك بحقيقة الألوهية و حقيقة العبودية فهي تعطيك صورة لكل الخلق مجموعون متزاحموان محشورون للرب العظيم القادر القوي القاهر.
و هذا المشهد يعمق التوحيد و إيثار الله سبحانه على خلقه فهو سبحانه القادر على أن يأخذهم جميعا فيهلكهم و هم مأمورون و ملزمون بطاعته فرادى و جماعات فمن عصى فله الويل و الثبور و عظائم الأمور إلا أن يعفو الله هذه الحقيقة و إن كابر من كابر و كفر من كفر في المهلة الدنيوية.

*** الفوائد العملية في الآية:
1. الاهتمام بالحجة المذكورة بفهمها جيدا و استعمالها في مجال الدعوة و محاجة المكذبين.
2. تدبر النعم المذكورة في الآية السابقة و في هذه الآية و كيف أن كل من تلك النعم جسيم و اجتماعهم كرم عظيم.
3. في الآية حجة بالغة على توحيد الله و إيثاره و على لزوم الإيمان به و طاعته فهو صاحب النعمة البالغة و إليه وحده المرجع و المعاد و الناس فرادى و جماعات تحت قهره و سلطانه.
4. ألا يركن الإنسان لدنياه فهي ظل زائل يوشك أن ينتهي.
5. التدبر في ثواب و عقوبة الآخرة في ضوء ما رأيناه من فضل الله و قدرته في الدنيا.
6. الحجة على المكذبين بإثبات المعاد بما ثبت من أمر النشأة الأولى.
7. هوان الكافرين و لو بلغوا ما بلغوا.
8. سؤال الله العون على حسن العمل.

تفسير سورة الملك | الآية الخامسة و العشرون
"ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" الآية :25

*** تكررت هذه الآية في الكتاب الكريم ست مرات و السابعة "و يقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين" و أغلب هذه الآيات إن لم يكن كلها جاءت في سياق ذكر حجج الله سبحانه عليهم .
فجاءت الآيات تذكر الحجة عليهم و تذكر حالهم و غيهم الذي فيه يعمهون و المقصود بالوعد القيامة - و سيأتي ذكر الخلاف لاحقا – فالآية تخبرنا خبر المشركين و حالهم رغم حجج الله البينة و براهينه الساطعة و تكرار ذكر هذا الحال في القرآن يدل على ملازمته لهم و أنه من أثبت أوصافهم و أبرز أقوالهم في مواجهة المرسلين و القرآن كتاب بيان فهذه الحال لا تخص قوم و إن نزلت فيهم إنما هو حال عام عبر العصور و البلدان و الشعوب و الثقافات.
و القول يدل على أن الأمر بالنسبة لهم ليس بأمر الحجة و البرهان إنما هو أمر اللجج و الخصومة و التشبث بأي حجة مهما كانت واهية و الإتيان بالفعل المضارع المقتضي للتكرير و صيغة الجمع يدل على اجتماعهم و اتحادهم و استمرارهم على هذه المقالة و هذا العناد و الإنكار .
و ما أشبه قولهم "إن كنتم صادقين " بمقالة أخوة يوسف عليه السلام لأبيهم "و ما أنت بمؤمن لنا و لو كنا صادقين" فهم ألقوا أخيهم في الجب و أذوه و قطعوا رحمه و عقوا أبيهم ثم جاءوا باكين متظلمين يدعون أنهم و لو لم يقصروا سيتهمون .
و تحديد موعد القيامة لا يفيد و لا يضر في الرد على الحجج المفحمة التي ساقتها الآيات و إلا فلو حدد النبي لهم القيامة قريبا فهل كانوا سيؤمنون الأغلب أنهم كانوا سيقولون ننتظر الموعد لنرى صدقه من عدمه و ليس هذا المراد الشرعي منهم أن يؤمنوا عند نزول الآيات إنما المراد منهم الإيمان بالغيب بإعمال العقول في الأدلة و البراهين الجلية فسؤالهم مكابرة و لا ينفع في مقام الحجة .
و حجتهم كحجة الملحد الذي ناظره أحدهم فقال الملحد:أنا لا أؤمن إلا بما أرى ، فأجابه الموحد :ألك عقل؟ قال :نعم بالطبع قال :فكيف تصدق أن لك عقلا و لم تره؟
و أنظر لتعميتهم و تلبيسهم في قولهم للرسل الكرام - أصدق الخلق و أبرهم و أشرفهم – :"إن كنتم صادقين" و كأن أمر الرسل مريب و كما أسلفنا شأنهم في أمرهم كشأن أخوة يوسف في مقالتهم فهم الظلمة المتجبرين اللاهثين وراء الدنيا المكابرين الجاحدين للحق و المحاربين للرسل الأبرار قال سبحانه حاكيا عن فرعون "و قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36)أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى و إني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37)" فكأنه الباحث عن الحقيقة الصادق البار الذي سينظر في أمر موسى – عليه السلام- رغم غرابته و ظنه في كذبه و قال سبحانه عنه عن قومه :"و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوا فأنظر كيف كان عاقبة المفسدين" فظهر بذلك أنه محتال كاذب أفاك أثيم .
** و الخلاصة القوم على أحوال منهم المتكبر الجاحد و منهم طالب المنفعة و الرياسة و منهم الضعيف التابع و منهم من هو مقيم دين الآباء و الأجداد و لو ظهر الحق في غيره و منهم و منهم فبعضهم يعقل و البعض الأخر تابع و لكن اجتمعوا على التكذيب في مقابلة الحجة إما بفهم أو بتقليد أعمى و هذا الحال لازم لهم في كل الأزمان و البلدان فهي نفوس آثرت الباطل لسبب أو لأخر و أصرت عليه رغم الوعيد الشديد.
و الحجج تظهر لهم أو لبعضهم ساطعة و لكنهم آثروا التكذيب و الرد بأدنى شبهة و الاستعلاء و غمز الرسل الكرام و أتباعهم و اتهامهم فضلا عن محاربتهم و الظهور بمظهر الباحثين عن الحق رغم سطوع البينات الباهرة كشمس النهار .
و لو تدبرت تلك المقالة و نظرت في دنيا الناس لرأيتهم بجلاء بأشخاصهم و أسمائهم هم أعداء الرسل الملحدين و هم أعداء السنن المستترين بزى العلم و حجج الشياطين.
فلو رأيتهم مجتمعين و سمعتهم يحتجون و يسوقون أدلتهم ربما اغتررت بهم و كم أضلوا من الخلق و لكن لو سبرت أمرهم و تدبرت كتاب الله لفضح لك أمرهم وكشف لك سترهم و الله أعلى و أعلم.

*** "الوعد":
والوعد مصدر بمعنى اسم المفعول، أي متى هذا الوعد و اختلف فيه على أقوال:
1. أن يراد به الحشر المستفاد من قوله: "وإليه تحشرون" في الآية السابقة فالإشارة إليه بقوله: هذا ظاهرة.
2. ويجوز أن يراد به وعد آخر بنصر المسلمين، فالإشارة إلى وعيد سمعوه.
3. المقصود مطلق العذاب و انتصر له الرازي فقال:
اعلم أن قوله : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } إخبار عن الماضي ، فمن حمل الوعد في قوله : { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } [ الملك : 25 ] على مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم في قوله : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } يعني أنه لما أتاهم عذاب الله المهلك لهم كالذي نزل بعاد وثمود سيئت وجوههم عند قربه منهم ، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } معناه فمتى ما رأوه زلفة ، وذلك لأن قوله : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } إخبار عن الماضي وأحوال القيامة مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ بما قلناه ، قال مقاتل : { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً } أي لما رأوا العذاب في الآخر قريباً .
قلت (أبو يوسف): الأقرب عندي من أقوال أهل العلم أن المراد بالوعد: القيامة و ما وعدوا فيها من الأحداث و الأهوال فلا يمتنع أن يكون مساويا للحشر المذكور في الآية السابقة و ذلك لأن ذلك المعنى مشترك في المواضع التي تكررت فيها هذه الآية بدلالة السياق أما غيره فيحتمل في بعضها و لا يحتمل في البعض الأخر.
أما ما استدل به الرازي من أن فعل "رأوه" الذي سيأتي لاحقا فعل ماضي و أن ذلك دليل على أن المراد أمر مضى فلا يلزم فقد يعبر بالماضي
في أمر مستقبلي كأمر القيامة لتأكيد وقوعه و كأنه وقع و مر و هذا من البلاغة و الفصاحة القرآنية و الله أعلم.

*** والاستفهام بقولهم: "متى هذا الوعد" مستعمل إما في:
1. التهكم لأن من عادتهم أن يستهزئوا بذلك قال تعالى: فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو [الإسراء: 51] وأتوا بلفظ الوعد استنجازا له لأن شأن الوعد الوفاء.
2. إبهاماً للجهال أنه لما لم يتعجل فلا أصل له و إظهارا لأنفسهم في صورة أصحاب الحجة الباحثين عن الحق.

*** وضمير الخطاب في:" إن كنتم صادقين" للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لأنهم يلهجون بإنذارهم بيوم الحشر أو لسائر الرسل الكرام عليهم السلام و أتباعهم.

*** الفوائد العملية في الآية:
1. تدبر حال القوم - المذكور سابقا بالتفصيل - التدبر المفضي لعدم الاغترار بمقالاتهم .
2. تعيين أشباههم في الواقع و فهم أن هذا حال متكرر عبر العصور و البلدان.
3. فهم السنن الكونية في وجود أعداء الرسل هؤلاء المتسترين بستار الحجج الواهية و البراهين الكاذبة.
4. التدبر في العقوبة العظيمة التي أنذروا بها و الجحود العجيب الذي قابلوها به.

تفسير سورة الملك | الآية السادسة و العشرون
"قل إنما العلم عند الله و إنما أنا نذير مبين" الآية :26
*** "قل":
الآية هنا من الآيات التي تتحدث و تثبت قضية هامة ألا و هي بشرية الرسول صلى الله عليه و سلم – و سيأتي الحديث عن ذلك لاحقا – و قد تنوعت الآيات التي تثبت هذه القضية فيخاطبه الله سبحانه بما يفهم منه ذلك كقوله عز وجل "يسألونك عن الساعة أيان مرساها*فيم أنت من ذكراها*إلى ربك منتهاها*إنما أنت منذر من يخشاها" أو يأمره الله سبحانه ببلاغ ذلك صراحة كقوله عز و جل "قل إنما أنا بشر يوحى إلي ..." الآية أو يأمره ببلاغ ما يستلزم منه إثبات الصفات البشرية كما في هذه الآية أو تصفه الآيات بالعبودية لله و هي أشرف مراتب الخلق"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى..." الآية و قد بلغ النبي صلى الله عليه و سلم ذلك أبلغ بيان .
فجاء ذلك الإخبار متعددا متنوعا لإثبات تلك القضية الهامة.
أيضا كما أسلفنا فإنه ينبغي الانتباه للسياق الذي أمر النبي صلى الله عليه و سلم فيه بتلك المقالة فإن كان سياق دعوة فهو أفضل ما يقال في ذلك الموطن و إن جواب سؤال فهو أفضل إجابة و إن كان مقام مناظرة و حجة فهو خير حجة و هكذا.

*** "العلم عند الله":
والمراد أن العلم بالوقوع غير العلم بوقت الوقوع ، فالعلم الأول حاصل عندي ، وهو كاف في الإنذار والتحذير ، أما العلم الثاني فليس إلا لله ، ولا حاجة في كوني نذيرا مبينا إليه .
و أمر القيامة أمر عظيم و خطب جليل لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه و قد تكرر هذا المعنى في القرآن بصورة أقوى من هذا في قوله سبحانه: " يسألونك عن الساعة أيان مرساها*فيم أنت من ذكراها*إلى ربك منتهاها*إنما أنت منذر من يخشاها " .
فتدبر جيدا في عظمة الربوبية و قهر العبودية مهما كان صاحبها و التأمل في هذا يقود للإخلاص و التوحيد.

*** و لم يأتي القرآن بجواب سؤالهم الذي طلبوه تعنتا بل جاء يرفض أسلوبهم و يأطرهم على مراده فإن اتبعوه أفلحوا و إن ردوه هلكوا .
و ليست هذه المرة الوحيدة التي طلبوا فيها شيء على وجه التعنت بل طلبوا من النبي صلى الله عليه و سلم الآيات على وجه التعنت فمنعت عنهم فليسوا هم الذين الذين يملون شروطهم لكي يؤمنوا إنما هم عبيد مكلفون بالاستجابة و إلا النار .
بل حتى سيد ولد آدم النبي محمد صلى الله عليه و سلم ليس له ذلك فأكرم المنازل عند الله سبحانه عبد مطيع و لا يوجد من الخلق أحد له من الأمر شيء بل لله الأمر جميعا و على الجميع السمع و الطاعة.
و من دروس الآية المستفادة أن النبي صلى الله عليه و سلم ليس له من الأمر شيء بل هو نذير مبين كرمه الله سبحانه لكن ليس له من التدبير شيء و لا من العلم إلا ما أعلمه الله.
و منها بيان كيفية الرد على طلبات التعنت الصادرة من الكفار و عدم الانسياق وراء مكابراتهم بالرد الهادئ الذي يحمل المطلوب الشرعي.

*** "نذير مبين":
وإنما أنا نذير مبين أسلوب قصر، أي ما أنا إلا نذير بوقوع هذا الوعد لا أتجاوز ذلك إلى كوني عالما بوقته و أسلوب القصر هنا كالذي سبقه لا يفيد الحصر إنما يفيد بل يفيد أن من أهم مهام رسالته النذارة و إلا فإنه صلى الله عليه و سلم بشير كما أنه نذير أو يكون المقصود أنه لما كان الحديث عن وعيد القيامة فإن وظيفة الرسول صلى الله عليه و سلم في هذا الأمر لا تتعدي النذارة الواضحة و علم أن التخصيص خاص بذلك الأمر من سياق الكلام و الله أعلم.
قال بن منظور: وقوله عز وجل وهو في الخصام غير مبين يريد النساء أي الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة ولا تبين وقيل في التفسير إن المرأة لا تكاد تحتج بحجة إلا عليها وقد قيل إنه يعني به الأصنام والأول أجود وقوله عز وجل لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي ظاهرة متبينة .
ويقال بان الحق يبين بيانا فهو بائن وأبان يبين إبانة فهو مبين بمعناه ومنه قوله تعالى حم والكتاب المبين أي والكتاب البين وقيل معنى المبين الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة وقال الزجاج بان الشيء وأبان بمعنى واحد ويقال بان الشيء وأبنته فمعنى مبين أنه مبين خيره وبركته أو مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام ومبين أن نبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ومبين قصص الأنبياء.
قلت (أبو يوسف) :و خلاصة القول أن المعنى أما نذير بَين أو نذير مُبَين و النبي صلى الله عليه و سلم قد جمع الأمرين فهو نذير واضح قد أعلى الله ذكره و نشر خبره وليس أمره بالخفي و ليست دعوته بالسرية – إلا ما كان في بدايتها للمصلحة – و هو صلى الله عليه و سلم مبين لما يغضب الله و يسخطه و يوجب عقوبته أكمل بيان.
و في ذلك فائدتان:
الأولى :بيان أن النذارة و التخويف من عقوبة الله من أهم مهمات الدعاة و العلماء لأنهم ورثة الأنبياء و أسلوب القصر هنا كأنه يحصر مهمة النبي صلى الله عليه و سلم في النذارة و هذا أبلغ ما يكون في تأكيد هذه المهمة و كأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يرسل إلا لها.
عن عبدالله بن سلمة عن الزبير قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب أو يذكر بأيام الله حتى يعرف ذلك في وجهه كأنه منذر قوم يقول صبحكم الأمر غدوة قال وكان إذا كان حديث عهد بجبريل صلى الله عليه وسلم لم يتبسم ضاحكا حتى يرتفع عنه" .
الثانية: و فيه رد على من ظن أن الدعوة غايتها البشارة أو التعليم فالنذارة من أهم مهمات تلك الدعوة و الإنسان لا يستقيم إلا بالبشارة و النذارة.

*** و قد جاء ذكر سؤال الكفار "متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" بهذه الصيغة ست مرات في القرآن و السابعة "متى هو" و الثامنة "متى هذا الفتح إن كنتم صادقين"
و كانت الإجابات القرآنية تدور على ثلاثة محاور:
1 – التأكيد على بشرية الرسول ثم ذكر ما فيه نذارة لهم و ترهيب.
"ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52)" و أيضا الآية التي بين أيدينا من نفس القسم.
2 – أن يكون الرد عليهم بذكر مشهد من مشاهد شقائهم و عذابهم.
"ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50)"
"ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39)"
"ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29)"
و لو تأملت لوجدت هذا القسم و الذي قبله يجيبهم بمشهد من مشاهد شقائهم في الآخرة.
3 – بيان أن الموعد محدد أو أن الأمر قد اقترب أو أنه عسي أن ينالهم عذاب قريب قبله.
".....فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا"
" ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72)"
" ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30)"

*** "إنما العلم عند الله":
أي ذلك العلم المعهود – علم ميقات الساعة – و ليس المقصود العلم كله تفرد الله سبحانه بمعرفته وحده فهذا ظاهر البطلان فقد علم الله من شاء من ملائكته و رسله و خلقه ما شاء من علمه.
فالقصر و التخصيص هنا غير مقصود عموما بل هو مخصوص بذلك العلم و هو علم قيام الساعة و إنما علم ذلك بالقرائن.
و هذه نكتة في غاية الأهمية في الفهم عن الله و عن رسوله فهناك من الأقوال النبوية ما جاءت عامة و لكن إن تدبرت سياقها لوجدتها لا تحمل إلا على التخصيص و حملها على العام خطأ فادح .
و أضرب لك مثالا جليا في قول النبي صلى الله عليه و سلم "الحج عرفة" و معلوم أن هناك أركانا أخرى في الحج لو تركها المرء فلا يصح منه الحج.
فيجب الانتباه إلى سياق الحديث و من المخاطب به؟ و في أي حال أو ظرف؟ و هل هناك قرائن تحول دون تعميم ذلك الحكم؟
فإذا وجدت قرائن نظرنا لها هل هي تقطع ببطلان التعميم أم تحتمل التعميم و غيره و رجحنا الأقرب.
و الخلاصة أن لغة الشرع تأتي أحيانا بالعمومات المخصوصة و يتبين ذلك من فحص القرائن المحيطة جيدا و عدم تعميم الأحكام لأنها في أحوال كثيرة تخص و لا تعم.

*** كما أسلفنا فقد جاء الكتاب العزيز بإثبات بشرية الرسول صلى الله عليه و سلم من وجوه متعددة فقد أراد الله سبحانه إرسال رسول من نفس البشر له مثل طبائعهم وعاداتهم و هيئتهم و أحوالهم و إن كان أكرمهم و أفضلهم لكي يكون في إرساله حجة عليهم فلو أرسلت الملائكة رسلا لقال البشر :لو خلقوا كهيئتنا لفعلوا كفعلنا .
فأرسل الله سبحانه لهم رسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق يمرض و يتألم و يموت و يحيا كحياتهم. يرضى و يغضب و إن كان بطيء الغضب قريب الرضا لأنه من خيرهم ، كذبه أقرب أقاربه رغم أن القريب و البعيد عرقه بالصدق و الأمانة من صغره و كانوا مع تكذيبه يأتمنونه على أموالهم فيودعونها عنده أمانات.
أوذي صلى الله عليه و سلم أشد الإيذاء فضرب و قذف بالحجارة و ألقي سلا الجزور على ظهره الشريف و لم يدخل مكة إلا في جوار مشرك و أتهم بالجنون و السحر و الكذب و مكر به قومه فأخرجوه و أرادوا قتله و جاهد صلى الله عليه و سلم فجرح و كان أشجع أصحابه و سحره اليهود فأصابه السحر و لكن الله عصمه من أن يؤثر ذلك على بلاغه و رسالته للأمة.
و كان صلى الله عليه و سلم له أهل يحبهم و يتألم لألمهم فبكي لما حضر ابن بنته و هو ينازع في مرض موته و بكى لما مات ابنه ابراهيم و لم يقل إلا خيرا.
و كان صلى الله عليه و سلم ناصحا لأهله ينصح لهم في الدين فلا يقول إلا حقا و ينصح لهم في الدنيا فيصيب و يخطئ كحال البشر و إن كان من أكملهم عقلا و خلقا و لا ينقص ذلك من قدره بل هو إثبات لبشريته صلى الله عليه و سلم و لهذه المسألة فوائد راجع بحث ضوابط و معايير فهم أحاديث الطب النبوي.
و كان صلى الله عليه و سلم مكلفا كحال أمته و حال من قبله من الأنبياء و الأمم قال تعالى "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين "
فكان صلى الله عليه و سلم مثالا حيا واقعيا لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في أكمل أحواله و صوره لذلك أمرنا بأتباعه و لنا فيه أسوة في الصحة و المرض و الغنى و الفقر و الفرح و الحزن و سائر الأحوال البشرية.

*** الفوائد العملية في الآية:
1. فهم قضية بشرية الرسول صلى الله عليه و سلم و ما يترتب عليها.
2. الانتباه للسياق الذي جاء فيه الأمر بالمقالة يعلمنا موضعها الصحيح.
3. عظمة أمر القيامة حتى أنه لم يطلع على موعدها الأنبياء و المرسلين.
4. الأسلوب الشرعي في الرد على سؤال الملاحدة عن موعد القيامة.
5. أهمية النذارة في البلاغ و الدعوة لكل عالم و داعية.
6. الرد على من حصر الدعوة في البشارات و العلم.
7. الانتباه أن القرآن يستعمل أحيانا أساليب القصر و لا يريد بها التخصيص بل تأكيد الأمر و بيان أهميته أو غرض بلاغي أخر و يعلم ذلك من القرائن المحيطة.
8. العلم الجازم أن طريق الكمال البشري هو إتباع النبي صلى الله عليه و سلم في أمره كله.
9. الخوف من الله.
10.استشعار الفارق بين عز الربوبية و قهر العبودية مهما كان صاحبها.

تفسير سورة الملك | الآية السابعة والعشرون
"فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون" الآية: 27

*** ثم ذكر الله سبحانه حالهم عند نزول العذاب بهم و قد أسلفنا في الآية السابقة أن جواب سؤال المشركين عن موعد القيامة جاء على ثلاثة وجوه و أنه في وجهين منهما جاء الجواب بذكر مشهد من مشاهد شقائهم في الآخرة إما مباشرة عقب ذكر سؤالهم أو فصل بينه و بين السؤال بذكر ما يفيد بشرية الرسول صلى الله عليه و سلم و هذه الآية من هذا الصنف .
فهذا أحد الأجوبة القرآنية التي تكرر نظائرها ردا على السؤال عن موعد القيامة و لا شك أنه ينبغي لمن يتعرض لهذا السؤال أن يتقن الإجابة.

*** "فلما رأوه": "لما" حرف توقيت و المعنى: رأوا العذاب المتوعد به.

*** "زلفة":
1 – الآثار:
في الصحيح المسبور:
أ - أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد، قوله (فلما رأوه زلفة) قال: قد اقترب.
ب - أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفرو) عاينت من عذاب الله.
انتهى.
ج - أخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { فلما رأوه } قال : لما رأوا عذاب الله { زلفة سيئت وجوه الذين كفروا } قال : ساءت بما رأت من عذاب الله وهوانه .
د – و قال الحسن :عيانا و قال بن زيد : حاضرا.
2 – أقوال العلماء:
أ - قال بن منظور :رأوا العذاب قريبا.
ب – قال أبو حيان :" زلفة" : أي قرباً ، أي ذا قرب وقيل : التقدير مكاناً ذا زلفة ، فانتصب على الظرف.
ج – قال الرازي: والزلفة القرب والتقدير : فلما رأوه قربا ويحتمل أنه لما اشتد قربه ، جعل كأنه في نفس القرب .

*** "سيئت":
ذكر الرازي عن عبد الله بن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة.
وقال الزجاج : تبين فيها السوء ، وأصل السوء القبح ، والسيئة ضد الحسنة ، يقال : ساء الشيء يسوء فهو سيىء إذا قبح ، وسيىء يساء إذا قبح ، وهو فعل لازم ومتعد فمعنى سيئت وجوههم قبحت بأن علتها الكآبة و السوء وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا ، وصارت وجوههم كوجه من يقاد إلى القتل .
قلت : و المراد:ساءت رؤية العذاب وجوههم و أسند حصول السوء للوجوه لبيان قدر هذا السوء حيث أنه سوء شديد تنعكس آثاره على الوجوه.

*** قال بن عاشور : وأصل المعنى: فإذا يرونه تساء وجوه الذين كفروا إلخ، فعدل عن ذلك إلى صوغ الوعيد في صورة الإخبار عن أمر وقع فجيء بالأفعال الماضية.
ونظير هذا الاستعمال قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا في سورة النساء [41] وقوله تعالى: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" في سورة النحل [89] إذ جمع في الآيتين بين فعل نبعث مضارعا وفعل جئنا ماضيا.

*** "سيئت":
قال بن عاشور:وقرأ الجمهور سيئت بكسرة السين خالصة، وقرأه ابن عامر والكسائي بإشمام الكسرة ضمة، وهما لغتان في فاء كل ثلاثي معتل العين إذا بني للمجهول و زاد عليهم أبو حيان: أبو جعفر والحسن وأبو رجاء وشيبة وابن وثاب وطلحة و نافع.

*** "قيل لهم" اختلف في القائل:
1. الزبانية.
2. من يوبخهم.
3. يقول بعضهم لبعض.
قال في التحرير: فعدل عن تعيين القائل، إذ المقصود المقول دون القائل فحذف القائل من الإيجاز.
قلت : و سيأتي الترجيح لاحقا.

*** و في الإتحاف:واختلف في" به تدعون" فيعقوب بسكون الدال مخففة من الدعاء أي تطلبون وتستعجلون وافقه الحسن ورويت عن عصمة عن أبي بكر والأصمعي عن نافع والباقون بالفتح والتشديد تفتعلون من الدعاء أيضا أو من الدعوى أي تدعون أنه لا جنة ولا نار.

*** "تدعون" ذكر العلماء فيها وجوه:
1 – من الدعوى .أي تدعون أنه باطل.
قال الحسن : تدعون أنه لا جنة ولا نار.
2 – من الدعاء
و المعنى: تطلبون وتستعجلون أو كقولهم " فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " و قال سبحانه "أفبعذابنا يستعجلون".
3 - أن يكون هذا استفهاما على سبيل الإنكار ، والمعنى أهذا الذي تدعون ، لا بل كنتم تدعون عدمه .

*** قال الرازي مستدلا بالآية على أن الوعد المقصود إنما هو عذاب دنيوي مهلك:
اعلم أن قوله : { فلما رأوه زلفة } إخبار عن الماضي ، فمن حل الوعد في قوله : { ويقولون متى هذا الوعد } على مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم في قوله : { فلما رأوه زلفة } يعني أنه لما أتاهم عذاب الله المهلك لهم كالذي نزل بعاد وثمود سيئت وجوههم عند قربه منهم ، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله : { فلما رأوه زلفة } معناه فمتى ما رأوه زلفة ، وذلك لأن قوله : { فلما رأوه زلفة } إخبار عن الماضي وأحوال القيامة مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ بما قلناه ، قال مقاتل : { فلما رأوه زلفة } أي لما رأوا العذاب في الآخر قريبا .
قلت أبو يوسف : و قد تقدم في تفسير الآية أن الفعل الماضي قد يساق لأغراض بلاغية أخرى .
قال بن عاشور: وفعل رأوه مستعمل في المستقبل، وجيء به بصيغة الماضي لشبهه بالماضي في تحقق الوقوع مثل "أتى أمر الله" [النحل: 1] لأنه صادر عمن لا إخلاف في أخباره.
و أيضا يمكن الاستدلال بقوله تعالى: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" و لا شك أن القيامة أمر مستقبلي.

*** الآية تجسد مشهد عظيم من مشاهد الآخرة و القرآن العظيم يصف لنا مشهدا مهولا يوشك أصحابه على لقائه ليتحول من السطور إلى الواقع المعاين و كم من حقائق جسدها القرآن و رأيناها في الدنيا حقا واقعا مطابقا للكتاب و الإتيان بالفعل الماضي "رأوه" يصور الأمر كأنه مر وانقضى.
و هذا المشهد الأخروي هو تصوير وقت معاينة الكافرين للعذاب حين اقترابه - و ربما في بعض الأحوال كانت اقتراب الشر أسوء من وقوعه – و قد ذكر القرآن عن حال النار في القيامة "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا" "تكاد تميز من الغيظ" .
فتدبر لحظة اقتراب العذاب من الكافرين و أي هول و رعب يعتمل في نفوسهم حتى يطفح بالسوء على وجوههم فترى في تلك الوجه الخزي و الرعب و ترقب العذاب .
و تذكر أن هذا هو حال هذه الوجوه المتغطرسة المتجبرة المستعلية بالباطل المحاربة لله و رسوله صلى الله عليه و سلم التي نراها و نسمعها فأنظر لمصيرهم نظر المعاين فكلام الله حق و واقع حتما فتلك الوجوه إلى خزي و سوء و لو أردت تعيين نوعية السوء الذي في وجوههم لكان أمرا هينا إنه السوء الذي يوجد في وجه من يساق للعذاب و الذل و الهوان و الشقاء الأبدي ربما تكون رأيت مثله في الدنيا و لكن هذا أشد منه و أنكى.
ثم جمع عليهم فوق هذا الرعب و السوء و الخزي ذلك التوبيخ و التأكيد بوقوع العذاب "هذا الذي كنتم به تدعون" و قد حذف القائل إما إيجازا و إما لتعدد مصادرة فتارة يأتي من ملائكة العذاب و تارة من المؤمنين و تارة يوبخ بعضهم بعضا أو لتعدد الأقوال و المعاني فتدعون بالدال المخففة غير تدعون بالمشددة و كلٌ من تلك الأقوال يوبخون به و الله أعلم بمراده.
فيقال لهم :" هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون " و يقال لهم :" هذه جهنم التي كنتم توعدون *اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون " و هذا القول مناسب للرد على إنكارهم العذاب و على استعجالهم به.
و يمكن أن تكون هذه المقاله قبل العذاب أو بعده أو قبله و بعده قال سبحانه " وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين * هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون" و قال : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون *ثم إنهم لصالو الجحيم * ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون "و قال:" وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ".
و الخلاصة أنه يجتمع عليهم اقتراب العذاب أو العذاب و الخزي و الرعب و التوبيخ.

*** و هذه الآية فيها شفاء لصدر من سيق لعذاب الكافرين في الدنيا و اجتمع عليه تقريعهم و توبيخهم فإن كلام الله حق و يوشك أن يري فيهم وعد الله سبحانه و شفاء لصدر من رأى التعنت من الكافرين في الرد على الحجج بما لا حجة فيه كالسؤال عن موعد القيامة و شفاء لصدر من رأى الكبر و الغطرسة في الوجوه الكافرة و التعنت و القهر لضعفة المسلمين.

*** الفوائد العملية في الآية:
1. جواب قرآني للسائلين عن موعد القيامة تعنتا و إعراضا عن الحجة.
2. تدبر هذا المشهد العظيم.
3. تدبر حال الكافرين في الدنيا و مصيرهم في الآخرة و معاينة وجوههم في الدنيا و التيقن من مصير تلك الوجوه في الآخرة.
4. ما في الآية من شفاء الصدور.
5. الخوف من الله و سؤال العافية في الدنيا و الآخرة.

تفسير سورة الملك | الآية الثامنة و العشرون
"قل أرأيتم إن أهلكني الله و من معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم" الآية :28

*** لا أعلم شيئا صح في سبب نزول هذه الآية و لكن ذكر المفسرون أقوالا بصيغة التمريض أو بلا سند و الأغلب أنها اجتهادات:
1 - روي أن الكفار من بذاءتهم كانوا يدعون على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالهلاك و ذكروا قوله تعالى" أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون " .
2 - كانوا يتآمرون بينهم بأن يهلكوهم بالقتل ونحوه قال تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك" .
و قيل: أن أقوالهم بتمني هلاك النبي صلى الله عليه و سلم جاءت لما خوفهم بعذاب الله.
قال في التحرير:فقد يكون نزول هذه الآيات السابقة صادف مقالة من مقالاتهم هذه فنزلت الآية في أثنائها وقد يكون نزولها لمناسبة حكاية قولهم: "متى هذا الوعد" بأن قارنه كلام بذيء مثل أن يقولوا: أبعد هلاكك يأتي الوعد.

*** "إن أهلكني الله":
الإهلاك : الإماتة.

*** "أو رحمنا":
1 – بالنصر عليكم.
2 – بالحياة و تأخير الأجل.
فمقابلة أهلكني ب "رحمنا" يدل على أن المراد: أو رحمنا بالحياة، فيفيد أن الحياة رحمة، وأن تأخير الأجل من النعم.
قال بن عاشور:وإنما سمى الحياة رحمة له ولمن معه، لأن في حياته نعمة له وللناس ما دام الله مقدرا حياته، وحياة المؤمن رحمة لأنه تكثر له فيها بركة الإيمان والأعمال الصالحة.
قلت أبو يوسف : و الأظهر عندي أن الآية جواب على دعاء دعوه على النبي صلى الله عليه و سلم و أتباعه فالهلاك بسبب هذه الدعاء يكون استجابة لذلك الدعاء و النجاة من أثر ذلك الدعاء يكون رحمة و الله أعلم.

*** "فمن يجير الكافرين من عذاب أليم":
و المعنى إذا كنتم دعوتم بهلاك النبي صلى الله عليه و سلم فهلك أو نجا فمن يحميكم أنتم من عذاب الله المؤلم قال تعالى: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون"
وينسب إلى الشافعي:
تمنى رجال أن أموت فإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد

*** "فمن يجير الكافرين من عذاب أليم":
الأظهر أن هذا هو الوعد الذي وعده النبي صلى الله عليه و سلم لهم و سألوه عن ميعاد وقوعه بدلالة السياق.
و تنكير العذاب للتهويل والمراد ب الكافرين جميع الكافرين فيشمل المخاطبين.

*** في الآية فوائد:
1. من أنذر الخلق العذاب فسيتمنون هلاكه أو قد يعملون على هلاكه فليقل لهم مثل ما أمر الله نبيه صلى الله عليه و سلم أن يقول لكفار قريش فهي حجة بالغة لله و للرسول صلى الله عليه و سلم و هذا هو موطنها عند تمنى الكفار زوال الدعاة و المنذرين فيكون لها من الفائدة إقامة الحجة عليهم و تخفيف الأذى عن حملة الرسالة خصوصا أن السورة مكية.
2. فهم عقلية و نفسية الكفار فإنهم لما آثروا الباطل على الحق و أصروا عليه مع ظهور البينات كرهوا من يذكرهم بالله و عقوبته و عذابه و حولوا المسألة من مسألة الدعوة و الحجة و البرهان إلى عداوة شديدة بينهم و بين من يذكرهم بالله و عقوبته و سخطه فهم لا يريدون أن يسمعوا هذا الصوت و لما كانوا لا يقدرون على حرب الله و لا على دحض حجج المرسلين و لكنهم يقدرون على حرب و إيذاء الرسل فاتخذوا ذلك هدفا و أوهموا أنفسهم بذلك أنهم على الحق و أنهم بذلك منتصرون وربما زادوا في غيهم فنسبوا ذلك الوعيد للرسل و ادعوا أنهم هم أهل الحق و أنهم أولى بالله من الرسل و أتباعهم و أخذوا يدعون على الرسل و يتمنون هلاكهم فجاءت هذه الآية تدمغهم و تجعلهم يفيقون من سكرتهم و الوهم الذي رسموه لأنفسهم فإن قضيتهم ليست مع المرسلين إنما هي رسالة الله يحملها بشر إليهم فإن هلك الرسل في جهادهم فلأنهم بشر و ما في ذلك عيب و لكن الرسالة باقية و ما زالوا متوعدين بالعقوبة و العذاب و لو استجاب الله لهم فأهلكهم فما زالوا أيضا تحت الوعيد.
و الآية تحمل معنى أنهم تمنوا هلاك النبي صلى الله عليه و سلم و من معه أو دعوا بذلك أو سعوا في ذلك و قد فعلوا ذلك جميعا كما ورد في السيرة و لكن الأغلب أن المقصود هنا التمني و الدعاء لأن الآية تقول "إن أهلكني الله و من معي" فكأن الهلاك هنا رباني ناتج عن إجابة دعوة أو نحوها و ليس هلاكا عاديا واقع بأيديهم فكأنهم فعلوا كفعل أبو جهل في غزوة بدر حينما استفتح على النبي صلى الله عليه و سلم و قال:"اللهم أقطعنا للرحم و أتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة " فتمنى الشقي أن يهلك الله سبحانه النبي صلى الله عليه و سلم فكان هو الهالك.
3. و في هذه الآية و ما قبلها تأكيد على بشرية النبي صلى الله عليه و سلم و أتباعه و أنهم لا يملكون من الأمر شيء بل هم عباد لله إن شاء الله سبحانه أهلكهم و إن شاء رحمهم ففي الآية رد بليغ على من يغلو في الأنبياء و الصالحين و تجدر الإشارة إلى أن الآية سيقت على هذا النحو لبيان الحجة الظاهرة فيها و إلا فما كان الله سبحانه ليهلك خيرة أنبياءه و رسله و أتباعه بلا جريرة و هم حملة رسالته الصادقون إرضاء و استجابة للمكذبين الجاحدين و الله عز وجل أعلى و أعلم.
و في إدراك قضية بشرية الرسل نتائج هامة فإن فريقا من الناس لا يدرك هذه الحقيقة لبعد الزمان عن زمن الوحي فيجهل أن هذا الدين وصل إليهم بمعاناة و تضحيات بل يظنون أن الدين وصل إليهم بمعجزة و نصر إلهي و أنه لا فائدة في هذا الزمان من بذل الجهود في نشر الدين و العمل على تمكينه لأنهم يرون عقبات جسام و لم يدركوا أن الرسل كانوا بشرا واجهوا نفس العقبات و منهم من يحشر و ليس معه أحد أي لم يؤمن به أحد و المطلوب من العبد العمل و ليس عليه ما تؤول له الأمور.
4. و في الآية إشارة لما سيقابل به دعاة الحق في كل زمان و مكان من عداوة شديدة من الكفار و رغبة في هلاك حملة الحق و دعاته.
5. و في الآية ترهيب شديد للكافرين بذكر أنهم متوعدون بملاقاة عذاب مؤلم شديد الألم لا ولي لهم و لا نصير لهم ينجيهم منه فالحقيقة التي لا شك فيها التي يقررها القرآن أنه لا مجير من عذاب الله فهو سبحانه يجير من شاء و لا يجار عليه.
6. و حقيقة أنه لا مجير من عذاب الله حجة بليغة على الكافرين فكيف يكذبون و يحاربون الرسل و هم متوعدون بعذاب أليم لا نصير لهم و لا مجير لهم منه و هذه الحجة حلقة من سلسلة الحجج التي امتلأت بها السورة.
7. و من الفوائد الإشارة أن الخلق يظلم بعضهم بعضا و يطغى بعضهم على بعض فيستفتحون و يدعون بهلاك بعضهم البعض و الله على كل شيء شهيد فيهلك من يشاء و يرحم من يشاء فليحذر أولوا الألباب إهلاك الله لهم بذنوبهم و ليرجوا رحمته و ليعلموا أنهم بسمعه و بصره و تحت قدرته و أنه سبحانه يأخذ الظالمين و لو أمهلهم حينا من الدهر و ليعلموا أن إمهال الظالمين أمر مؤقت ورائه ما وراءه.

*** وقرأ ( أرأيتم ) معا بتسهيل الثانية نافع وأبو جعفر زاد الأزرق إبدالها ألفا مع المد وحذفها الكسائي وأثبتها الباقون محققة .
وقرأ الجمهور بفتحة على ياء أهلكني، وقرأها حمزة بإسكان الياء.
وقرأ الجمهور ياء معي بفتحة وقرأها أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي و يعقوب و خلف بسكون الياء.

*** الفوائد ال

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
عرباوي
المدير العام
المدير العام


ذكر عدد الرسائل: 20832
تاريخ الميلاد: 06/02/1980
العمر: 34
نقاط: 49710
تاريخ التسجيل: 21/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 8:35 pm

*** الفوائد العملية في الآية:
1. أن يفهم الدعاة سنة الله في عداوة أهل الباطل لأهل الحق و أنهم سيتمنون هلاكهم و زوالهم و ربما سعوا فيه أو ادعوا أنهم أصحاب الحق و دعوا على الدعاة و حملة الرسالة و كيف أنهم يهربون من الإجابة على حجج الرسل إلى صرف الحال إلى عداوتهم و حربهم و يتناسون أن الرسل و أتباعهم ما هم إلا بشر مبلغين لرسالة الله .
2. معرفة موطن استعمال هذه الحجة البليغة و أثرها .
3. إثبات بشرية المرسلين و الصالحين و أنهم ما هم إلا عباد أطاعوا الله سبحانه و ليس لهم من الأمر شيء و أن وظيفة المسلم العمل وفق قدرته البشرية و ليس عليه ضمان هداية الخلق و استجابتهم.
4. التدبر في وعيد الكافرين و أنه ليس لهم منه نجاة و النفور من حالهم.
5. الحجة القرآنية على الكافرين في هذه الآية.
6. الحذر من التعرض لعقوبة الله بظلم الخلق أو الافتراء على الله أو نحو ذلك فإن الله سبحانه يهلك من يشاء و يرحم من يشاء و نسأل الله العافية و الرحمة.
7. الحقيقة القرآنية أنه لا مجير من إهلاك الله و لا من عذاب الله و ما تثمره من الخوف من الله.

تفسير سورة الملك | الآية التاسعة و العشرون
"قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين" الآية: 29

*** " قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ":
و في الآية بيان بليغ فقد سوت الآية السابقة بين فرض إهلاك الله لهم أو رحمتهم فجاءت هذه الآية تتمم المعنى فلما ذكرت الآية السابقة احتمال الرحمة جاءت هذه الآية تذكر الله باسمه الرحمن و هذا أبلغ ما يكون في وصف رحمته سبحانه و رجاءها ثم عقبت بذكر النبي صلى الله عليه و سلم و من معه بوصف الإيمان و التوكل دون غيره كحال المشركين فمن آمن بالرحمن و فوض له أمره فهو مظنة أن يُرحم في الدنيا و الآخرة و في هذا البيان يقع الإيماء بأي الفريقين أحق برحمة الله و أيهم في ضلال مبين.

*** "قل":
تكرار "قل" رغم ارتباط هذه الآية بالتي سبقتها إما للتأكيد على المذكور فيها أو لأنها تصلح كحجة مستقلة يحتج بها على الكفار و الله أعلم.

*** "هو الرحمن ":
و كأن الأمر هنا للنبي صلى الله عليه و سلم أن يعرف ربه للناس و أن يشرح تلك العلاقة العظيمة بين المؤمنين من عباد الله و بين ربهم تلك العروة الوثقى و الحبل المتين تلك العلاقة التي هي أثمن ما حصل البشر في دنياهم و أخراهم .
فيؤمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يُبلغ - ليفهم الكافرون و يتدبر المؤمنون - أن الله العظيم الذي سبق ذكر عظيم ملكه و قهره و سلطانه رب رحيم فاضت رحمته فوسعت كل شيء ، عرفه أهل الإيمان برحمته و بره و رفقه و وده لهم ، و التعبير بالاسم أبلغ من التعبير بالوصف فقولك فلان يكرم المحتاج لا يرقي لقولك هو الكريم فالله سبحانه الرحمن الذي له مائة رحمة منها في الأرض واحدة بها يتراحم الخلائق فإذا كانت القيامة تمت المائة ليرحم بها المتقين فكل ما في الأرض من رحمة هي جزء من مائة من رحمته سبحانه .
الرحمة له سبحانه صفة ذات لا تنفك عنه وصف أزلي لا بداية له و لا نهاية ،هكذا عرف المؤمنون ربهم و هكذا أمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يعرف ربه .
هو الذي أطعمنا و سقانا و كفانا و آوانا و شفانا و من كل ما سألناه أعطانا أرسل إلينا رسولا من أنفسنا عزيز على ما عنتنا حريص علينا بالمؤمنين رؤوف رحيم هو الذي أوصي في كتابه باليتيم و المسكين و ابن السبيل، الذي شرع لنا ما تسمو به النفوس و تستر به العورات، الذي ستر الزلة و غفر الذنب و فتح باب التوبة ،الذي عرفناه في كل شدة أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين و غياث المستغيثين ، الذي أمهلنا و رفق بنا مع قدرته و ملكوته العظيم ،الذي رحمنا مع غناه عنا و شدة فقرنا إليه و لا يتسع المقام لبسط هذا المعنى.

*** "قل هو الرحمن":
و أولى ما يرجى فيه الرحمة ما ذكر في القرآن مقترنا باسم الله الرحمن و أولى منه ما كان ذكر اسمه الرحمن مأمورا ببلاغه بلاغا خاصا و الله أعلم.
و أشرف الخلق و أفضلهم إنما يتعاملون مع الله سبحانه على جهة الرحمة و الفضل و من ذا الذي يطيق أن يعامل بالعدل قال صلى الله عليه و سلم :"لا يدخل أحد الجنة بعمله فقال الصحابة : و لا أنت يا رسول الله قال :و لا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
فالله العظيم لا يطيق أحدنا القيام بحقه و لكنه ببره و لطفه و رحمته قبل منا اليسير من العمل و عفا عن الزلل و أفاض علينا رحمته و كرمه.

*** "آمنا به وعليه توكلنا":
هذه صلة المؤمنين بربهم الإيمان و التوكل عرفوه بإلهيته و ربوبيته و رحمته فأمنوا به و أسلموا وجوههم له و ألجأوا ظهورهم إليه و استسلموا و فوضوا إليه أمر دنياهم و أخراهم و الله أرحم الراحمين و أكرم من أعطى و أولى من أطمأن العبد إليه ووثق به و جعل فيه رجاءه و هو سبحانه عند ظن عبده به.
ليس لهم من الأمر شيء بل عباد كسائر العباد ليس كما يدعي الغلاة و لا كما يريد الكفار.
وتقديم معمول "توكلنا" عليه لإفادة الاختصاص فإن إفراد الله بالتوكل بعد الإيمان به من أخص و أهم أسباب النجاة قال سبحانه " وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) " فكأن غرض إنزال الكتاب إفراد الله بالتوكل ثم أشارت الآية أن كل الخلق الباقين لا يصلحون للتوكل عليهم فهم ذرية الناجين الذين أنجاهم الله لإتباعهم العبد الصالح الشكور فكان سبيل النجاة العبودية و التوكل و الشكر.
و أيضا فإن المشركين آمنوا بالله و لكنهم لم يفردوه بالعبادة - و من أشرف العبادات التوكل – بل عبدوه و عبدوا غيره و توكلوا عليه و على غيره فجاءت الآية ترسم المعيار الصحيح للنجاة فمن أحق بالنجاة من آمن و توكل على الرب الرحيم أم من ركن إلى أوهى من بيت العنكبوت؟

*** و كما أسلفنا فهذا رسم لمعالم الطريق ليتدبر المؤمن سبيله فيعرف ربه برحمته فيؤمن به و يفرده بالتوكل و يعلم سبيل النجاة و لتقام الحجة على الكافر في إعلامه ببشرية الرسل صلوات ربي و سلامه عليهم فلا يظنن أنه انتصر عليهم إن تعنت في طلباته فلم يجيبوه لها.

*** وضمير "هو" عائد إلى الله تعالى الواقع في الجملة قبله، أي الله هو الذي وصفه الرحمن فهو يرحمنا، وأنكم أنكرتم هذا الاسم فأنتم جديرون بأن تحرموا آثار رحمته.

*** و هذا جواب آخر عن تمنيهم له الهلاك سلك به طريق التبكيت، أي هو الرحمن يجيرنا من سوء ترومونه لنا لأننا آمنا به ولم نكفر به كما كفرتم.
أو هو إشارة لهم أنهم هم أولى بالهلاك لأنهم أشركوا و لم يتوكلوا على الرب الرحيم و هي حجة ظاهرة.

*** "فستعلمون من هو في ضلال مبين":
و هذا أسلوب قرآني في محاجة الكافرين بإبهام الإجابة التي تدل على ضلالهم رغم ظهورها جليه و هذا من الخطاب بالتي هي أحسن رغم ما فيه من الوعيد و في إيراده بصيغة السؤال شحذ للذهن قال سبحانه: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين" و قال جل شأنه:"قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26)"
فتارة تشير الآية لعلمهم المستقبلي و تارة ترد الأمر لعلم الله و تارة تترك السؤال بلا جواب و ترد الأمر لحكم الله و لكن في كل الأحوال تؤكد الآيات على اختلاف الطريق و المنهج و النهاية و أنه لا بد أن يكون أحد الفريقين في الضلال الظاهر.
و هذا أسلوب قرآني في المناظرة أصله الأمر للنبي صلى الله عليه و سلم في الآيات السابقة و قوله تعالى "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117)" و قد تكرر هذا المعنى في القرآن و أحيانا بنفس اللفظ و قد احتج به نبي الله موسى صلى الله عليه و سلم على قومه قال تعالى :" فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) ".


*** "من هو في ضلال مبين":
و هنا إشارتان لا بد أن يعيهما المؤمن :
الأولى:أن الكفرة و إن صالوا و جالوا في البلاد فإنهم في الضلال البين و على شفا الهلاك و يوشكوا أن يلاقوا و يذوقوا ما ذاقه أسلافهم فلا يغتر بحالهم و سطوتهم و بأسهم و تمكينهم و يف لا يكونون في الضلال المبين و هم استبدلوا العبودية للرب الرحيم الذي ما زال يجري عليهم أسباب الحياة في كل لحظة بالعبودية لأنفسههم الحقيرة و هواهم و شهواتهم.
الثانية :أنه سيأتي يوم يعلموا فيه حقيقة أمرهم و إن جهلوها اليوم أو تجاهلوها و أتبعوا ما أترفوا و كانوا مجرمين و سيندمون أشد الندم و لات حين مندم و سيقسمون أنم كانوا في ضلال مبين و سيلعن بعضهم بعضا و يتبرأ بعضهم من بعض و يتمنون الرجوع قال سبحانه حاكيا عنهم " قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) ".

*** وقرأ الجمهور فستعلمون بتاء الخطاب على أنه مما أمر بقوله الرسول صلى الله عليه وسلم. وقرأه الكسائي بياء الغائب على أن يكون إخبارا من الله لرسوله بأنه سيعاقبهم عقاب الضالين ليكون على وفق قوله : { فمن يجير الكافرين }.

*** الفوائد العملية في الآية:
1. حجة المؤمنين على الكفار في الآية.
2. إجابة للسؤال: لماذا كان المؤمنون أحق برحمة الله؟
3. التدبر في رحمة الله و تعرف الله لعباده بها و أن معاملته سبحانه لعباده إنما تتم على وجه الرحمة و أنه لا يطيق أحد من البشر القيام بحقه و لكن النجاة برحمته و فضله و ما يجلبه ذلك من محبة العبد المؤمن لربه.
4. من أولى من ترجى لهم الرحمة للمؤمنين المتوكلين.
5. فهم الأسس التي قامت عليها علاقة العبودية بين أهل الإيمان و بين الرب الرحيم.
6. الإيمان و التوكل طريق النجاة.
7. تجديد الإيمان و التوكل.
8. الحجة على الكافرين ببيان بشرية الرسل وأتباعهم.
9. أسلوب قرآني من أساليب مناظرة الكافرين.
10.تدبر حقيقة أن الكافرين في الضلال المبين و أنه لا محالة سيأتي يوم يعلمون تلك الحقيقة و يتمنون الرجوع و لات حين مندم.

تفسير سورة الملك | الآية الثلاثون
" قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين" الآية :30

*** ذكر العلماء وجوه في مناسبة الآية لما قبلها:
1. أن في الآية استدلالا على ضلالهم المبين المذكور في الآية السالفة فالله يحفظ لهم الماء و يرسله لهم و هم يكفرون به و يكذبون رسله و استكمالا لحجة المؤمنين عليهم في الآية السابقة فالآية تقول أرأيتم فقط لو انخفض الماء فمن يقدر على الإتيان به ؟ و هذا مثال يقود للتدبر فيما سواه.(و هو أقرب الوجوه عندي)
2. إنكم إذا لم تعبدوا الله للحياة الباقية فاعبدوه للفانية فإنه لما ذكر العذاب ، وهو مطلق ، ذكر فقد ما به حياة النفوس في الدنيا وهو الماء .
3. أنه لما ذكر أنه يجب أن يتوكل عليه لا على غيره ، ذكر الدليل عليه والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر .
فكم من النعم و الحاجات بل و الأخطار محيطة بالمرء و يمكن أن يهلك بها لولا حفظ الله فيتوكل على الله سبحانه في الأمر كله على الإجمال .

*** "قل":
و قد أسلفنا أن أمر الله لنبيه صلى الله عليه و سلم بحجة معينة يعظم أمرها و يشير للعناية و الاستدلال بها في السياق الذي يذكره القرآن.
و تلك الحجة القرآنية ألهمها الله سبحانه أو علمها الرجل الصالح المذكور في قصة الجنتين في سورة الكهف قال سبحانه :" وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43)" و قد وقع ما أنذر به الرجل الصالح كما في الآيات و خربت الجنة بكفر صاحبها و هكذا الكفر يزيل النعم و كان السياق المذكور لما أنكر صاحب الجنة زوال نعمته و بطر و أنكر أمر الآخرة و سورة الملك مكية و سيأتي ما ذكره بن عاشور من أن أهل مكة أصيبوا بالقحط الشديد بعد خروج النبي صلى الله عليه و سلم للمدينة.

*** الآثار:
أ‌- في الصحيح المسبور:
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا) أي: ذاهباً (فمن يأتيكم بماء معين) قال الماء المعين: الجاري.
انتهى.
ب‌- أخرج ابن المنذر والفاكهي عن ابن الكلبي قال : نزلت هذه الآية { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً } في بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضر ، وكانت جاهلية قال الفاكهي : وكانت آبار مكة تغور سراعاً .
ت‌- وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إن أصبح ماؤكم غوراً } قال : داخلاً في الأرض { فمن يأتيكم بماء معين } قال : الجاري .
ث‌- وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما { إن أصبح ماؤكم غوراً } قال : يرجع في الأرض .
ج‌- وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { بماء معين } قال : ظاهر .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة رضي الله عنه مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما { بماء معين } قال : عذب .

*** "غورا":
غور :غور كل شيء قعره ، وغار الماء غورا وغور ذهب في الأرض وسفل فيها و نضب ، وقال اللحياني غار الماء وغور ذهب في العيون، والإخبار به عن الماء من باب الوصف بالمصدر للمبالغة كما يقال : رجل عدل ورضا .
فلو غار الماء في الأرض قليلا فربما أوتي به بالجهد الشديد و لكنه لو غار في الأرض غورا فلا يستطيع أحد الإتيان به ، أما في الزمان السابق فمعلوم و أما الآن فلأن البشرية بكل علومها و آلاتها لا تزال تحفر في 2% من سمك الأرض أو من سمك قشرة الأرض و إذا تجاوزت ذلك انصهرت كل المعدات.

*** قال في التحرير: إيماء إلى أنهم يترقبهم عذاب الجوع بالقحط والجفاف فإن مكة قليلة المياه ولم تكن بها عيون ولا آبار قبل زمزم، كما دل عليه خبر تعجب القافلة من (جرهم) التي مرت بموضع مكة حين أسكنها إبراهيم عليه السلام هاجر بابنه إسماعيل ففجر الله لها زمزم ولمحت القافلة الطير تحوم حول مكانها فقالوا: ما عهدنا بهذه الأرض ماء، ثم حفر ميمون بن خالد الحضرمي بأعلاها بئرا تسمى بئر ميمون في عهد الجاهلية قبيل البعثة، وكانت بها بئر أخرى تسمى الجفر (بالجيم) لبني تيم بن مرة، وبئر تسمى الجم ذكرها ابن عطية وأهملها «القاموس» و «تاجه» ، ولعل هاتين البئرين الأخيرتين لم تكونا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فماء هذه الآبار هو الماء الذي أنذروا بأنه يصبح غورا، وهذا الإنذار نظير الواقع في سورة القلم [17- 33] "إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة "إلى قوله: "لو كانوا يعلمون".
قال : وقد أصيبوا بقحط شديد بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو المشار إليه في سورة الدخان .
و في أخبار مكة للأزرقي :
وقال بعض أهل العلم: كانت جرهم تشرب من ماء زمزم، فمكثت بذلك ما شاء الله أن تمكث، فلما استخفت جرهم بالحرم، وتهاونت بحرمة البيت وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها سرًا وعلانية، وارتكبوا مع ذلك أمورًا عظاما، نضب ماء زمزم وانقطع، فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصرًا بعد عصر حتى غبى مكانه.
وقد كان عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي، قد وعظ جرهما في ارتكابهم الظلم في الحرم واستخفافهم بأمر البيت، وخوفهم النقم وقال لهم: إن مكة لا تقر ظالمًا فالله الله قبل أن يأتيكم من يخرجكم منها خروج ذل وصغار، فتتمنوا أن تتركوا تطوفون بالبيت فلا تقدروا على ذلك.
فلما لم يزدجروا ولم يعوا وعظه عمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب، وأسياف قلعية كانت أيضًا في الكعبة، فحفر لذلك كله بليل في موضع زمزم ودفنه سرًا منهم حين خافهم عليه، فسلط الله عليهم خزاعة، فأخرجتهم من الحرم ووليت عليهم الكعبة والحكم بمكة ما شاء الله أن تليه، وموضع زمزم في ذلك لا يعرف لتقادم الزمان، حتى بوأه الله تعالى لعبد المطلب بن هاشم لما أراد الله من ذلك فخصه به من بين قريش.
و في أخبار مكة للفاكهي: أن جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة.
قلت: فلو صحت الرواية الأولى فتأمل كيف غارت زمزم زمان جرهم ثم عادت و إلى اليوم تسقي ملايين الحجاج و المعتمرين سنويا و يحمل من ماءها لشتى بقاع الأرض.
*** "ماء معين"وجهان:
الأول: ظاهر تراه العين جاريا على وجه الأرض كماء معيون .(بن منظور و الرازي و بن الجوزي)
الثاني: المعين الجاري من العيون من الإمعان في الجري كأنه قيل : ممعن في الجري .(ذكره الرازي بصيغة و قيل)
و قد اختلف في وزنه:
أ‌- فعيل من معن و هو الاستقاء.
ب‌- مفعول من عين.
ت‌- و قيل: هو مفعول وإن لم يكن له فعل.
قلت : و الأقرب عندي أنه مفعول من عين بمعن ماء ظاهر تراه العيون ، و لم يكن عندهم أنهار جارية حتى نقول بالقول الثاني .
و فائدة وصف الماء بالمعين بيان أنها حجة و معجزة ظاهرة للعين فلا ينبغي أن تكذب أبدا.

*** والاستفهام في قوله: فمن يأتيكم بماء استفهام إنكاري، أي لا يأتيكم أحد بماء معين.

*** تختم السورة بالحديث عن نعمة الماء ، و الماء عصب الحياة و لكي نوضح أهميته في الحس البشري السوي بل و غير السوي إلا من أبطرتهم البطنة و أعماهم الشيطان قبل أن نعرج على ذكر في القرآن عنه نذكر قول الدكتور/ دسوقي أحمد محمد عبد الحليم(خريج معهد الميكروبيولوجيا جامعة همبولد برلين ألمانيا) قال :بغض النظر عن الممارسات والطقوس الكهنوتية المصاحبة للماء، فإننا نجد وبجلاء وعلي مر الزمن ومهما اختلفت الأماكن، أن الماء شغل حيزاً كبيرا من العقل الروحي والديني لكثير من معتقدات البشر وأديانهم وأي باحث في مقارنة الأديان سيدرك عند تتبعه للنصوص الدينية الموقع المتميز الذي احتله الماء بها، فلا تكاد تخلو عقيدة دينية إلا وكانت تقدس هذا الماء، بطريقة معينة سواء فكراً أو طقساً وهذا يرجح ما للماء من أهمية كونية، وماله من ارتباط وثيق بحياة البشر سواء أكانوا أفراداً، قبائل أو حتى شعوب وأمم.
و قال بعضهم : و لقد ذكر الله تعالى الماء في القرآن الكريم منكراً " ماء " 33 مرة وذكره معرفاً " الماء " 16 مرة .
قلت :فالماء شريان الحياة و له أعظم الدور في استمرار حياة الخلق على وجه الأرض فالإنسان 65% منه ماء فضلا عن أن الماء هو الذي زين وجه الأرض بالنباتات و الثمار التي يتغذى عليها الإنسان و الحيوان .
و الإشارة الظاهرة هنا في الآية إلى أن الله سبحانه هو الذي يحفظ تلك المياه في موضعها و إلا لو غارت لهلك البشر و من تدبر وجد في الآية إعجازا علميا و دليلا بينا على وجود الله و قدرته العظيمة.
قال د/إبراهيم طرابية (دكتوراه في الجيوفيزياء)وإنه بعد سقوط الأمطار يحدث أن تتشبع الصخور المسامية بالماء وبعد تخزنه داخل خزانات Aquifers وتعرضه لضغوط الطبقات التحت سطحية فإنه يمكن للماء أن يتسرب إلى سطح الأرض خلال الصدوع والفوالق على هيئة ينابيع وصدق الله العظيم إذ يقول "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ" .
أو أن يخزن (يسكن) في الأرض على صور متعددة منها خزانات المياه الجوفية وفى هذا يقول الله تعالى " وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ".

والعجب كل العجب أن نجد بعض آبار المياه الجوفية تكون على أعماق عميقة وهذا ينطبق مع قوله تعالى" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ".انتهى
و نشير لبعض تلك النقاط التي هى من فوائد الآية المباشرة أو تقاس عليها :
1. إن الأرض تسبح فوق بحر من الحمم الملتهبة – أعاذنا الله من عقوبته – و المياه الجوفية حفظت في موضع ليس بالغائر فيصل لتلك الصهارات فيتبخر و ينتهي أو لا تدركه آلات البشر فلو سفلت قليلا لما وصلوا لها أبدا و هناك من المياه الجوفية ما هو على هذه الشاكلة.
2. أن طبقات الأرض تقوم بوظيفة المنقيات – الفلاتر – للماء فالمياه الجوفية توجد نقية من الشوائب بفضل الله سبحانه و ما هيئه من تلك الطبقات التي يمر عليها الماء فتمتص ما فيه من الشوائب و يخرن في الأرض نقيا.
3. أن هذا الماء لا يفسد بطول المكث و لا يتغير طعمه و لا يصيبه ما يصيب الماء المتروك لفترات أقل بكثير من مدة مكثه في الأرض.
4. أن هذا الماء ربما مكث مخزونا في الأرض لمئات أو ألاف السنين .
5. هناك من تلك الآبار ما يتعرض لضغط من جميع الاتجاهات فيدفع ماءه باتجاه سطح الأرض فتستخرج منه المياة بدون الحاجة إلى مضخات.
6. أن هناك كواكب مرصودة تكونت مثل الأرض في الفضاء الخارجي و هي تخلو تماما من الماء.
7. أن الغلاف الجوي للأرض يحافظ على الماء و لولا أن الله قدر وجوده لتبخر الماء في الكون و كذلك اختلت تركيبة الهواء و اختنق البشر.
8. لو زادت نسبة المياة قليلا على وجه الأرض لغرق الخلق.
9. قدرات البشر على الحفر لا تتجاوز 2% من عمق الأرض ثم تنصهر آلاتهم و معداتهم.
10.أن هذا الأمر لا يختص بالماء و الهواء فقط بل هناك الكثير من التوازنات في الطبيعة التي لو اختل أحدها لدمر الحياة على وجه الأرض.
11.لو غارت المياه من على وجه الأرض فمن يستطيع الإتيان بها من البشر مهما أوتي من علم و قدرة.

* فسبحان من حفظ الماء نقيا قريبا قال سبحانه :" وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) " و قال سبحانه :" وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) "
و قد ذكر بعض من كتب في الإعجاز العلمي للماء خواصا فيزيقية تساعده على أداء المهام الموكولة له و لا نطيل بذكرها.

*** قال في التحرير:ومن النوادر المتعلقة بهذه الآية ما أشار إليه في «الكشاف» مع ما نقل عنه في «بيانه» : قال: وعن بعض الشطار (هو محمد بن زكرياء الطبيب كما بينه المصنف فيما نقل عنه) أنها (أي هذه الآية) تليت عنده فقال: تجيء به (أي الماء) الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينيه. نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته قال الألوسي: وتفسير الآيات على هذا الطرز هو ما اختاره بعض الأئمة وهو أبعد مغزى من غيره والله تعالى أعلم بأسرار كلامه .

*** و مثل الماء كمثل الذكر و ما نزل من الوحي الإلهي فالأول تحيا به الأبدان و الثاني تحيا به النفوس قال سبحانه " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (17) " و لو شاء الله سبحانه لذهب بالذي أوحي إلينا فرجعنا هملا رعاعا ضلالا و فقدنا الحياة الحقيقية.

*** و بدأت السورة بذكر عظيم ملك الله سبحانه و أنه خلق الموت و الحياة و اختتمت السورة بذكر كيف وهب الله البشر سبب من أعظم أسباب الحياة لم يكن لهم قدرة عليه و لو شاء لذهب به و امتلأت السورة بالحجج البينة و ختمت بحجة دامغة و هي أن الخلق يحيون في فضل الله و بالأسباب التي يسرها لهم و لو قطعها عنهم لهلكوا فهم لا يستغنون عنه طرفة عين.

*** و تدبر في حجة الله البليغة أنه سبحانه الإله القوي القادر الغني يحفظ لهم مياههم و يدنيها منهم و هم البشر الفقراء الضعفاء يكفرون و يكذبون
فالله خلقهم ووهب لهم أسباب الحياة المتجددة و هم في فقر دائم إليه لا ينقطع فكيف يكفرون به؟ و هم ما زالوا في نعمته و لا يستطيعون أبدا الاستغناء عنها فكيف يكفرون؟ و لو لم يعبدوا الله لثواب الآخرة فليعبدوه كي لا يهلكوا في الدنيا فكيف يكفرون؟

*** و سمعت منذ زمن قصة لا أدري مصدرها و لكن فيها عبرة: قال أحد الخلفاء لأحد الوعاظ عظني فقال:أرأيت لو مُنعت الماء و كدت تهلك و طُلب منك التنازل عن ملكك للحصول على شربة ماء أكنت تفعل؟ قال : نعم ، قال :أرأيت لو منعت الإخراج و احتبس فيك البول و منعت إجراج البول إلا بترك ملكك أمنت تتركه ؟ قال : نعم ، فأجابه : فملكك لم يساوس شربة ماء لا في دخولها و لا في خروجها.(أو كما قال)

*** و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر".

*** الفوائد العملية في الآية:
1. التدبر في نعمة الماء العظيمة و شكر الله عليها و على غيرها من الكثير الذي لا قوام لنا إلا به.
2. علاقة الآية بما قبلها.
3. فيم يتوكل على الله ؟
4. مثال للضلال المبين الذي يحيا فيه الكفار ؟ الأرض تخرج ثمارها فيلقونها في البحر جشعا و حرصا ألا ترخص الأسعار ، الأرض تعطيهم المعادن فيصنعون أسلحة يحاربون بها الله و رسوله و لا يزال العلم يعطيهم كل يوم جديد فيوظفوه في الدعوة إلى الكفر و الإلحاد و كل ما أسلفنا إنما هو محض فضل الله عليهم.
5. تحقيق مصالح الدنيا و الآخرة لا يكون إلا بالإيمان بالله و التوكل عليه.
6. الحجة القرآنية في الآية ووقت الاستدلال بها في مقام مناظرتهم لبيان عظيم خطأهم أو إذا بطروا بما في أيديهم من نعم الله و الله أعلم.
7. إذا غار الماء في الأرض لا يأتي به إلا الله.
8. لو أنذر الكفار بمثل هذا فكذبوا لكان علامة على قرب قحطهم و بلائهم كما حصل في قصة الجنتين و مع أهل مكة و الله أعلم.
9. تأمل كيف غارت زمزم زمان جرهم بفجورهم ثم عادت على يد جد النبي صلى الله عليه و سلم و إلى اليوم تسقي الملايين (على القول بصحة رواية الأزرقي) و كيف دمرت جنة الرجل الكافر في سورة الكهف بسبب كفره و عناده و كيف أرسل القحط على قريش بعد خروج النبي صلى الله عليه و سلم بدعائه.
10.الفائدة في وصف الماء بالمعين.
11.معرفة قدر نعمة الماء.
12.الإعجاز العلمي و الرحمة في حفظ الماء مئات السنين مخزونا في الأرض قريبا من البشر لا يفسد.
13.الإعجاز العلمي و الرحمة في كثير من التوازنات في الطبيعة التي يجهلها أغلب الخلق و لولا تقدير الله إياها لهلك الخلق و ثمرة ذلك شكر الله و محبته.
14- حجة الله البالغة في الآية.
15.ما بدأت به السورة و ما تضمنته و ما ختمت به.
16.الدعاء أن يجعل الله سبحانه ما علمناه من هذه السورة خالصا لوجهه نفعا لنا و حجة لنا في الدنيا و الآخرة و ألا يكون حجة علينا و لا نعاقب بتفريطنا في حقه و أن يبارك فيه و ينفع به من شاء من خلقه و هو الله الرحمن المستعان نسأله العافية و العفو و الثواب و الغفران.
سبحان الله و بحمده
سبحانك اللهم و بحمدك
نشهد أن لا إله إلا أنت
نستغفرك و نتوب إليك
لقراءة المزيد من أبحاث التفسير و الفقه و السنة نتشرف بزيارتك على موقع تفسير القرآن و أبحاث الفقه و السنة www.tafsirs.com |

تم بحمد الله تعالى

_________________
كلمة "شكراً" لن تخسرك شيئاً ولكنها ستفيد موضوعي




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://nafhat.biz
مها
مشرف قسم الألعاب
مشرف قسم الألعاب


انثى عدد الرسائل: 1259
تاريخ الميلاد: 07/02/1986
العمر: 28
نقاط: 3419
تاريخ التسجيل: 08/04/2010

مُساهمةموضوع: رد: التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة   الأربعاء 13 أكتوبر 2010, 3:47 pm


_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

التفسير الجامع الشامل لسورة "الملك" مع شرح تفصيلي للاعجاز العلمي بالسورة الشريفة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات كنوز النت الإسلامية ::  :: -